المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 10
  • عبد القادر بدوي

بالتوازي مع تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل على خلفية انتهاكاتها المستمرة في الأراضي الفلسطينية، تقود منظمات وجمعيات اليمين في إسرائيل حملات ممنهجة لنزع الشرعية عن الفاعلين الدوليين العاملين في مجالات حقوق الإنسان، القانون الدولي، والعمل الإنساني. في هذا السياق، تبرز منظمة NGO Monitor التي وضعت لنفسها، منذ تأسيسها خلال سنوات الانتفاضة الثانية، هدف مراقبة منظمات المجتمع المدني الفلسطينية، والمؤسسات الحقوقية الدولية (والإسرائيلية اليسارية) ونزع الشرعية عنها نظراً لدورها في رصد وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وهو ما تصنفه المنظمة على أنه "عمل مسيس" يهدف إلى نزع الشرعية عن إسرائيل دولياً.

في مساهمات سابقة، تناولنا في مركز مدار منظمة NGO Monitor وسلطنا الضوء على استراتيجيات عملها واستهدافها للمنظمات الحقوقية الفلسطينية. هذه المساهمة، تتناول الحملة التي تقودها المنظمة لنزع الشرعية عن مجلس الكنائس العالمي  (World Council of Churches – WCC) والضغط على الجهات المانحة لتجفيف مصادر تمويله من خلال سلسلة من الادّعاءات تهدف إلى طمس دوره في التوثيق الحقوقي ورصد الانتهاكات الإسرائيلية.

 

ما هو مجلس الكنائس العالمي؟

مجلس الكنائس العالمي هو إطار ديني أممي واسع، يضم مئات الكنائس والطوائف المسيحية في أكثر من مائة دولة حول العالم، ويتمتع بشرعية أخلاقية ورمزية عالية على الساحة الدولية، ونظراً لهذه المكانة التي يحظى بها المجلس، حيث يجمع بين الخطاب الديني، والعمل الحقوقي، والانخراط في مؤسسات الأمم المتحدة، فقد تحول خلال السنوات الماضية إلى هدف مركزي لمنظمة اليمين الإسرائيلي المعروفة NGO Monitor، التي ترى في المجلس جهة موثوقة قادرة على التأثير بشكل واسع على الرأي العام الدولي وصنّاع القرار، نتيجةً لذلك، لا تتعامل المنظمة مع المجلس كمؤسسة دينية ذات مواقف سياسية، بل كمنظمة "مسيّسة" و"منحازة" ضمن شبكة دولية واسعة تعمل على نزع الشرعية عن إسرائيل، بالاستناد إلى لغة حقوق الإنسان والقانون الدولي.

 

استراتيجية "إعادة التأطير" و"نزع الشرعية"

كما هي الحال بالنسبة إلى المنظمات الفلسطينية والدولية الحقوقية، تعتمد NGO Monitor  في حملتها ضد المجلس على استراتيجية "إعادة تأطير" شاملة، تقوم على تفكيك بنية المجلس وبرامجه ومصادر تمويله، وإعادة إنتاجها في تقارير تقدم سردية تصوّره كجهة "عدائية"، وضمن هذا التوجه، تولي المنظمة البرامج الفرعية التابعة للمجلس العاملة في فلسطين- إسرائيل مثل  (EAPPI)، (PIEF)، ومركز الكنائس في القدس  (JIC)، اهتماماً كبيراً، حيث تُقدّمها باعتبارها برامج ميدانية وسياسية مخصّصة حصرياً في "ترويج السردية الفلسطينية" وإضعاف السردية الإسرائيلية، حيث تتجاهل المنظمة بشكلٍ كامل طبيعة عمل هذه البرامج وماهيتها كمنصات مناصرة كنسية وحقوقية، وتحاول إظهارها كأنها أجهزة تعبئة سياسية تعمل بشكل ممنهج ضد إسرائيل، مع التشديد المتكرر على "غياب السردية الإسرائيلية"، كدليل على الانحياز وليس على طبيعة عمل المناصرة ذاته.

 

حملات الضغط لتجفيف مصادر التمويل

يشكّل وقف وتجفيف مصادر التمويل إحدى أهم استراتيجيات عمل NGO Monitor. في حالة مجلس الكنائس العالمي، تقوم المنظمة بتتبّع مصادر التمويل الأوروبية والدولية، بما في ذلك الدعم الحكومي من دول أوروبية، والمنح المقدّمة من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى التمويل القادم من منظمات كنسية وهيئات أممية مثل اليونيسيف، وتعيد تأطيره- ضمن تقاريرها التي تهدف من خلالها للضغط السياسي من أجل تجفيف هذه الموارد- كدليل على "التسييس" و"التواطؤ" مع حملات نزع الشرعية عن إسرائيل والانحياز للرواية الفلسطينية، متجاهلة سياق دعم هذه المشاريع الإنساني والديني الخالص. في حالة برنامج EAPPI تحديداً، تستخدم المنظمة المنح الأوروبية المخصّصة له في القدس الشرقية والضفة الغربية لإثبات وجود ما تصفه بـ "علاقة عضوية" بين المجلس وبرامج تصفها المنظمة بأنها أدوات لإنتاج "مواد اتهامية" تُستخدم لاحقاً في المحافل الدولية ضد إسرائيل، وبالاستناد إلى عملية التشكيك هذه، تهدف المنظمة إلى الضغط على الجهات المانحة نفسها سياسياً، ودفعها إلى إعادة النظر في دعمها للمجلس وبرامجه، وهو ما يندرج ضمن استراتيجية أوسع لتجفيف موارد المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية.

 

من نقد الأداء إلى تهمة "معاداة السامية"

يبرز في استراتيجية عمل NGO Monitor سعيها إلى ربط مجلس الكنائس العالمي، وبرامجه، وقياداته، بخطاب "معاداة السامية"، ويتم ذلك من خلال تجميع تصريحات ومواقف صادرة عن شخصيات كنسية، أو وثائق صادرة عن أطر تابعة للمجلس، وتقديمها ضمن سردية واحدة تساوي بين نقد الصهيونية، أو توصيف إسرائيل كنظام فصل عنصري، أو نقد سياسات الاحتلال، وبين "معاداة اليهود لكونهم يهوداً فقط". بالإضافة لذلك، تركز المنظمة على مسألة رفض المجلس تبنّي تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست(IHRA) بالطريقة التي تطالب بها إسرائيل، وتحاول تقديم ذلك كدليل على أن المجلس يقلّل من شأن "معاداة السامية"، متجاهلاً الجدل الأكاديمي والحقوقي العالمي الدائر حول استخدام هذا التعريف لتقييد حرية النقد السياسي لإسرائيل وممارساتها. وفقاً لهذا المنظور، تسعى المنظمة لتوسيع استخدام هذا "التعريف" وتحويله من "أداة لمواجهة الكراهية" إلى سلاح سياسي تستخدمه لإقصاء الفاعلين الحقوقيين من الفضاء العام الدولي.

 

استهداف الانخراط الأممي والعمل القانوني الدولي

تولي NGO Monitor في تقاريرها اهتماماً خاصاً بانخراط مجلس الكنائس العالمي في مؤسسات الأمم المتحدة، سواءً عبر البيانات المقدّمة إلى مجلس حقوق الإنسان، أو المواقف المؤيدة لقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، حيث تسعى لإعادة تأطير هذا الانخراط بوصفه ضغطاً قانونياً مسيّساً يهدف إلى تجريم إسرائيل دولياً، متجاهلة حقّ أي فاعل مدني دولي في اللجوء إلى آليات القانون الدولي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. في هذا الإطار، تشن المنظمة حملة شرسة ضد مشروعEAPPI التابع للمجلس، حيث تُقدَّم مشاركته في مجموعات العمل الأممية المعنية بالأطفال أو حقوق الإنسان كجزء من شبكة دولية واسعة تهدف إلى إدراج الجيش الإسرائيلي ضمن "القائمة السوداء" في الدول الاوروبية.

 

العلاقة مع حركة BDS وتجريم مقاطعة إسرائيل

تُخصّص NGO Monitor حيّزاً واسعاً لربط مجلس الكنائس العالمي بحملات حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، حتى في الحالات التي يميّز فيها المجلس بين المقاطعة الشاملة لإسرائيل وإجراءات اقتصادية موجهة ضد الاستيطان أو الأنشطة غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يجري طمس هذا التمييز بشكل منهجي، وتقدم أي دعم لإجراءات اقتصادية بوصفه انخراطاً كاملاً في حركة المقاطعة التي تصنفها المنظمة كأنها جهة معادية لإسرائيل.

ضمن هذا التوجه، تسعى المنظمة لتصوير المجلس وشبكة كنائسه العالمية كجهة "مسيسة" تسعى لعزل إسرائيل دولياً، وتحاول من خلال هذه الاتهامات تحقيق هدف سياسيّ مباشر يتمثل في تبرير الضغوط الحكومية لمنع دخول شخصيات كنسية، أو لتقييد عمل البرامج التابعة للمجلس داخل الأراضي الفلسطينية، وعلى وجه التحديد برنامج EAPPI للمجلس، حيث ترى في مساحات عمل البرنامج الذي يجمع بين المراقبة الميدانية، والتوثيق، والمناصرة السياسية الدولية، ويستخدم كل عناصر البرنامج من التدريب المسبق، إلى الوجود عند الحواجز العسكرية، إلى العمل الدولي بعد عودة النشطاء، بمثابة أسباب للادّعاء بأن هدف البرنامج ليس حماية المدنيين الفلسطينيين، بل إنتاج كوادر للضغط السياسي داخل الكنائس الغربية لمعاداة إسرائيل.

المصطلحات المستخدمة:

الصهيونية

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات