تحت عنوان "إحياء يوم النقب" عقدت الأسبوع الفائت في الكنيست الإسرائيلي جلسات عدّة لهيئات ولجان ذات تخصصات وصلاحيات مختلفة، تناولت مما تناولته أوضاع الملاجئ والغرف المحصّنة، الأوضاع الصحية القائمة وبالمقارنة مع مناطق أخرى، المواصلات العامة وصناعة الهايتك التي تحمل أبعاداً اقتصادية وتنموية وازنة. وكشفت فجوات حادّة في هذه القطاعات، خصوصاً في المجتمع العربي البدوي. وهناك تقارير رسمية أظهرت نقصاً خطيراً في الملاجئ والخدمات الصحية والبنى التحتية، في مقابل دعوات لاستثمارات شاملة وقرارات عاجلة لسدّ الفجوات وتعزيز التنمية والأمن.
وتناولت لجنة رقابة الدولة النواقص في الغرف والملاجئ المحمية والمحصنة في بلدات المجتمع العربي البدوي نظرا للفجوات الخطيرة التي ظهرت في تقرير مراقب الدولة الصادر هذا الشهر، والذي يكشف عن إخفاقات خطيرة ونواقص جدية في الغرف والملاجئ المحمية والمحصنة في بلدات المجتمع البدوي. للتذكير: أظهر تقرير المراقب أن حوالي 3.2 مليون من الإسرائيليين (33.6% من إجمالي السكان) لا يتمتعون بغرف محمية تلبي المواصفات والمعايير. حوالي 466 ألف طالب يتواجدون في مدارس تفتقر إلى مجالات آمنة. حوالي 20% من الملاجئ العامة مصنَّفة على أنها غير صالحة أو ذات سعة منخفضة لا تسمح بالبقاء فيها. وقد سُجّلت فجوات كبيرة في المجتمع العربي، حيث لا يوجد بالمعدل سوى ملجأين عامين لـ 52 ألف نسمة، مقارنةً بـ 128 ملجأً لعدد مماثل من السكان في البلدات اليهودية.
العرب البدو متروكون بدون أية حماية أساسية
وفقاً لبيان اللجنة: "بينما تستثمر دولة إسرائيل ميزانيات ضخمة في البناء والحماية والتأهب للطوارئ في المؤسسات التعليمية والسلطات القوية والأنظمة الأمنية، يبقى السكان البدو عرضة للخطر، نتيجة لسوء الأحوال المعيشية وانعدام الاستجابة الأمنية الكافية. ويُترك السكان البدو، الذين يعيشون أصلاً في ظروف صعبة، من دون أية حماية أساسية. هذا واقع مرير، وإذا لم نعالجه بشكل شامل فسيستمر في إدامة الفقر والعنف واليأس. قبل اندلاع الحرب، لم يتم وضع أي غرفة محصنة ومجهزة للحماية من المخاطر في أي من البلدات والقرى غير المعترف بها. تقع هذه البلدات والقرى في مناطق تُصنف على أنها مساحات مفتوحة، ولذلك لا تغطيها أنظمة اعتراض الصواريخ وبالتالي لا تتمتع بالحماية الكافية".
وتابع أن "معظم المباني هي عبارة عن أكواخ، والبقاء فيها أثناء غارة صاروخية يُهدد الحياة. منذ بداية الحرب، قُتل سبعة من السكان جراء غارات صاروخية في هذه المنطقة. بخلاف البلدات والقرى المعترف بها والتي تقوم فيها أقسام الطوارئ التابعة للسلطات المحلية بتركيز البيانات وتُقدم الاستجابة، لا توجد جهة رسمية تُمثل السكان البدو، ولا أحد يُركز المعلومات حول الأضرار أو الخسائر أو الاحتياجات المطلوب سدها من حيث التحصينات والحماية، مما يُصعّب الاستعداد الأمثل لحالات الطوارئ".
وجاء أيضاً: "هذه الجلسة الحالية هي استمرار للجلسة التي أجرتها اللجنة في حزيران 2025. كان ضمن قرارات اللجنة في ذلك الوقت، الطلب من إدارة التخطيط، وسلطة السياسة التنظيمية وقيادة الجبهة الداخلية، السماح بوضع ونشر غرف محصنة بتمويل خاص وتنسيق وتسجيل، مع الالتزام بإزالتها في نهاية الحرب. وطلبت اللجنة إبلاغها حول تنفيذ الأمر في الميدان".
وقال عضو الكنيست وليد الهواشلة: "نطالب بحلول عملية، وليس مجرد كلام فارغ. يجب على قيادة الجبهة الداخلية توفير الغرف المحمية في المؤسسات العامة، حتى في البلدات والقرى غير المعترف بها. فخلال الهجوم الإيراني، لم يكن لدى الناس أي مأوى محصن. هناك ميزانيات ضمن القرارات الحكومية يمكن تخصيصها لصالح التحصينات والحماية، وينبغي السماح للناس ببناء الملاجئ بأنفسهم. لقد هدمت الدولة الملاجئ القائمة، وإذا كانت عاجزة عن بنائها للسكان، فعلى الأقل يجب أن تسمح للسكان ببنائها بأنفسهم". وأشار رئيس مجلس اللقية المحلي شريف الأسد: "صفارات الإنذار هنا غير ضرورية ولا تؤدي إلا إلى بث الخوف بين السكان، لأنهم لا يملكون مكاناً آمناً للفرار إليه على أي حال".
حاجز جدّي أمام تطوير الهايتك في النقب
لجنة العلوم والتكنولوجيا بحثت موضوع "تطوير الهايتك في النقب والدور الذي تلعبه الدفيئات التكنولوجية في مناطق الضواحي النائية في النهوض بالموضوع". وقال رئيس اللجنة عضو الكنيست ياسر حجيرات: "النقب بحاجة إلى خطة شاملة. القدرات في النقب مهولة، ولكنها غير مستغلة بشكل كاف. يدور الحديث حول استثمار ليس من شأنه أن يثمر خلال عام أو عامين، وإنما على المدى البعيد. الاستثمار في النقب وفي المقابل في الجليل من شأنه أن يفيد دولة إسرائيل كلها. ستقوم اللجنة بالدعوة لجلسة متابعة وستقوم بتنظيم جولة للنقب من أجل الوقوف عن كثب على الأوضاع هناك".
عضو الكنيست ياسمين فريدمان، المبادرة للجلسة، أكدت على الحاجة إلى التعامل الشامل لأجهزة السلطة مع التحديات الخاصة في المنطقة قائلة: "نحن نحيي اليوم يوم النقب في الكنيست. وفي كل المداولات افتتح الجلسات وأقول: توجد تحديات في النقب. وكما توجد تحديات للوسط اليهودي توجد أيضا تحديات تخص المجتمع البدوي. هذه الجلسة المشتركة هي مثال على ذلك. لدينا أفضليات بمقدورها تحويل النقب إلى "ستارت آب نيشين" ولكن فعليا نحن نواجه صعوبات متواصلة. يجب طرح التحديات ودراسة مواضع تحسين الأداء".
وانضم عضو الكنيست وليد الهواشلة إلى أقوال فريدمان وقال إن الاستثمار في المجتمع العربي قد أثبت نفسه: "نحن نلاحظ أنه عندما يتم الاستثمار في المجتمع العربي فإن ذلك يؤتي أكله. تقرير مراقب الدولة يشير للكثير من الفجوات. هناك استثمار في النقب ولكنه غير كاف".
وأكد رئيس بلدية رهط طلال القريناوي وعضو مجلس عومر يوسي كوهين على أهمية إقامة مراكز هايتك في النقب ومد بنى تحتية ووسائل تكنولوجية متطورة لتطوير المنطقة. وأُشير إلى أن أحد الأسباب المركزية لصعوبة نقل أنشطة الهايتك إلى الجنوب هو النقص في البنى التحتية الملائمة، وإلى أن نقل وحدات تابعة للجيش الإسرائيلي إلى النقب من شأنه أن يساهم في تعزيز الهايتك في منطقة المركز، إذا لم يتم تقديم استجابة مكملة في النقب.
مديرة جناح التنوع الجغرافي في سلطة الابتكار، سلعيت ليف، أشارت إلى حاجز جدّي أمام تطوير الهايتك في النقب، قائلة: "إن أحد التحديات المركزية هو نقص المكاتب المتخصصة في الهايتك في المنطقة. كل شركة تريد تطوير أنشطتها تحتاج إلى منشآت ومكاتب هايتك. والمجمّعات القائمة اليوم محجوزة ومليئة أيضا في مدينة بئر السبع. وأشار ممثلو سلطة الابتكار إلى أنه في نهاية الشهر القريب من المتوقع أن يتم افتتاح مركز جديد للابتكار في رهط بهدف تشجيع إقامة شركات ستارت آب في المنطقة".
نقص حاد في الكوادر الطبيّة وأسرّة الاستشفاء
"النقص في الخدمات الصحية في النقب" كان عنوان جلسة للجنة الصحة في الكنيست. وجاء في بيان بروتوكول اللجنة إن هذه "إحدى أكثر القضايا إلحاحاً وإيلاماً في المجتمع الإسرائيلي ألا وهي النقص الفادح في الخدمات الصحية بين النقب ومركز البلاد". وبين المسائل التي أُشيرَ إليها عينياً:
نقص في عدد أسرّة المستشفيات وتوفر البنية التحتية اللازمة لها. وهو واقع يُسبب ازدحاماً، ويُطيل فترات الانتظار، وقد يُؤثر سلباً على استمرارية وجودة الرعاية الطبية. ووفقاً للبيانات الرسمية، بلغ عدد أسرّة المستشفيات العامة في منطقة الجنوب 2125 سريراً بنهاية العام 2024، مقارنةً بـ 3703 أسرّة في منطقة تل أبيب و4060 سريراً في منطقة المركز.
نقص ملحوظ في الكوادر الطبية والتمريضية في النقب، يشمل الأطباء الأخصائيين والعيادات المتخصصة والخدمات الطبية الإضافية، وبسبب هذا النقص، يتخلى المرضى ببساطة عن العلاج. وردّت ممثلة وزارة الصحة في الجلسة قائلة إن أحد سبل مواجهة النقص هو برنامج "إيلانوت" في النقب، والذي يدرس ضمنه 161 طالباً في السنوات الأربع الماضية، بالإضافة إلى 45 طالباً جديداً ينضم إليه كل عام. هؤلاء الطلاب يلتزمون بالعمل في النقب لمدة 7 سنوات على الأقل، وكجزء من هذا البرنامج، من المتوقع إضافة 30-50 طبيباً إلى النقب ابتداءً من عام 2028.
ممثلو القطاع الطبي في المنطقة شدّدوا على أنه من الضروري تخصيص ميزانيات من أجل الاحتفاظ بالقوى البشرية القائمة وتعزيزها، مشيرين إلى تعاون أكاديمي مع كل من جامعة (مستوطنة) أريئيل، بن غوريون وتل أبيب، وكلية سامي شمعون، أونو، رايخمان وسابير.
المواصلات: التحدّيات كبيرة وخصوصاً للمجتمع البدوي
تناولت لجنة الاقتصاد في الكنيست تحديات المواصلات العامة في النقب، وجرت الإشارة إلى عدم وجود قطار من بئر السبع أو الجنوب إلى القدس، ووفقاً لبيان الجلسة: هناك حافلة تزحف في الاختناقات المرورية تقريباً مثل سيارة خاصة وهي لا تقصر السفر ولو قليلاً، لا يتم توسيع الطرق، والتحديات في المجتمع البدوي أصعب بكثير.
وفقاً لبيانات حكومية رسمية، تم خلال السنوات الثلاث الماضية تقليص وقت السفر من بئر السبع إلى تل أبيب إلى ساعة وعشر دقائق، وتم استثمار مئات الملايين في الطريق السريع 232 وفي أعقاب نضال شعبي تم أيضا تخصيص 450 مليون شيكل للطريق السريع 40 الخطير.
لإلقاء الضوء على الفجوة بين البلدات اليهودية وتلك العربية في المنطقة: حين أشار رئيس مجلس ميتار، إلى وجود "تحديات كثيرة ومن بينها وسائل المواصلات، ونحن بحاجة إلى حلول. أنا من سكان بلدة ميتار، وعائلتي بحاجة إلى امتلاك أربع سيارات"، قال عضو الكنيست سمير بن سعيد: "إذا كانت هناك مشكلة في ميتار، فماذا سيقول الجيران من المجتمع العربي؟!" وأكد أن هناك مشكلة خطيرة في وسائل المواصلات العامة وأنه سبق أن تواصل مع وزيرة المواصلات ولم يتلق أي ردّ بخصوص وتيرة الحافلات ومحطاتها، مضيفاً: "ما زال بعض الأطفال يأتون إلى المدرسة على الجمال والحمير حتى يومنا هذا".
ممثلة المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، يعيلاه رعنان، قالت إن المواصلات العامة شريان الحياة للنساء البدويات، ليس فقط للطالبات بل أيضاً للنساء اللاتي يضطررن للذهاب إلى العمل، حيث تشكل قلة المواصلات العامة عائقاً أمامهن. وأشارت إلى أن الطلب يقتصر على نشر محطات للحافلات، لتمكينهن من ركوب الحافلات التي تمر على أية حال عبر الطرق الجنوبية.
ممثلة مركز الحكم المحلي، دانا ديكو مادانيس، قالت إن السلطات المحلية على دراية جيدة بمنطقة النقب، وتعرف كيفية سد الفجوات، إلا أنها تفتقر إلى الصلاحيات اللازمة في مجال المواصلات العامة. وأضافت أنه من الصواب إشراك السلطات بشكل أكبر في التخطيط، لأنها على دراية باحتياجات السكان، ومن الصواب دراسة منحها صلاحية تشغيل نظام نقل إضافي وتحصيل الرسوم.
ممثل وزارة المواصلات ردّ على ما ورد مدعياً أن الوزارة "تولي أهمية بالغة للاستثمار في الجنوب، بالتنسيق مع وزارة المالية". وأشار إلى "سلسلة من المشاريع"، من بينها "التخطيط لخط سكة حديدية يربط بين بئر السبع وديمونا وإيلات"، واتفاق حول "تخصيص ميزانيات لصالح تطوير قطار خفيف في بئر السبع"، وغيرها. وهنا تساءل أحد أعضاء الكنيست عما إذا كانت وزارة المواصلات على دراية بحجم الأضرار الناجمة عن الاختناقات المرورية، مشيراً إلى أنها تعادل حوالي 16 مليار شيكل سنوياً. وأضاف: "إذا لم تبذل الدولة جهداً كبيراً لتشجيعنا على ترك سياراتنا واستخدام وسائل النقل العام، فسنبقى عالقين في اختناقات مرورية لا تنتهي".
المصطلحات المستخدمة:
مراقب الدولة, لجنة الاقتصاد, لجنة العلوم والتكنولوجيا, مركز الحكم المحلي, الكنيست