المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • ياسر مناع

شهدت العلاقات الإسرائيلية مع عدد متزايد من الدول تراجعاً ملحوظاً في أعقاب الحرب على غزة (2023)، وانعكس ذلك في تصاعد الانتقادات السياسية واتساع الفجوة الدبلوماسية وتبدّل مواقف دولية كانت تُعد تقليدياً أقل حساسية تجاه إسرائيل. في هذا السياق، برزت محاولات إسرائيلية وأميركية لإعادة تحسين صورة إسرائيل خارجياً.

ضمن هذا المسار، أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي في أواخر العام 2025 عن إطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة باسم "اتفاقيات إسحق"، بوصفها مبادرة تهدف إلى تعزيز العلاقات الإسرائيلية مع دول أميركا اللاتينية. ولهذه الغاية جرى تأسيس إطار تنظيمي حمل اسم "منظمة الأصدقاء الأميركيين لاتفاقيات إسحق" (AFOIA)، بوصفه أداة تنفيذية وإدارية للمبادرة أوكلت إليها مهام إدارة البرامج وتنسيق التمويل وبناء شبكات علاقات سياسية واقتصادية ومجتمعية داعمة للمسار الجديد.

تتناول هذه المساهمة مسار تأسيس المنظمة وأهدافها وآليات عملها، كما تتوقف عند "اتفاقيات إسحق" بوصفها جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع إسرائيل في أميركا اللاتينية في ظل التحولات التي فرضتها الحرب على غزة (2023) على موقعها الدولي.

 

ظروف التأسيس ومسار الانطلاق

تأسست "منظمة الأصدقاء الأميركيين لاتفاقيات إسحق" في العام 2025، عقب إعلان الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي مبادرة "اتفاقيات إسحق"، بعد حصوله على جائزة جينيسيس (GPF) في 14 كانون الثاني 2025، وتبرعه الكامل بقيمتها البالغة مليون دولار لتمويل المبادرة. جرى الإعلان خلال حفل رسمي في متحف التسامح في القدس، بحضور الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ ومسؤولين من مؤسسة جينيسيس. وصفت مجلة TIME جائزة جينيسيس بأنها "جائزة نوبل اليهودية". شكّل هذا التبرع أول قاعدة تمويلية مباشرة للمنظمة، وربطها منذ بدايتها بشبكات مؤسسية إسرائيلية وأميركية داعمة.

انطلقت المنظمة بصفتها إطاراً غير ربحي بدعم مباشر من مؤسسة جائزة جينيسيس، بهدف نقل المبادرة من مستوى الخطاب السياسي إلى برنامج عمل مؤسسي منظم وقابل للتنفيذ. عملت المؤسسة الداعمة على توفير الغطاء التنظيمي والتمويلي اللازم لتثبيت المبادرة ضمن بنية مؤسساتية مستقرة، بما يسمح بتطوير مشاريع عملية وبرامج ممتدة.

تُمنح جائزة جينيسيس لمبادرات ومشاريع تعزز الابتكار والقيم اليهودية. تشرف على الجائزة شراكة تضم جهات حكومية إسرائيلية، والوكالة اليهودية وصندوق جينيسيس. جاء تأسيس المنظمة في سياق سياسي شهد تصعيداً في الجهود الإسرائيلية لتوسيع شبكات الدعم الدولي في ظل تراجع التأييد لإسرائيل وتصاعد الانتقادات خلال حرب الإبادة في غزة (2023)، خصوصاً في أميركا اللاتينية التي تمثل ساحة مؤثرة في أنماط التصويت داخل الأمم المتحدة.

جائزة جينيسيس هي جائزة سنوية بقيمة مليون دولار، تُمنح لشخصيات يهودية حيّة حققت حضوراً دولياً بارزاً في مجالاتها، وأظهرت ارتباطاً بهويتها اليهودية واهتماماً بمستقبل الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، مع تقديمها كنماذج يُراد لها التأثير في الأجيال الشابة. تأسست الجائزة العام 2013 بوقف مالي قُدّر بنحو 100 مليون دولار، قدّمه خمسة رجال أعمال روس هم ميخائيل فريدمان، وبيوتر أفين، وجرمان خان، وستان بولوفِتس، وألكسندر كنستر. أدارت مؤسسة جينيسيس الجائزة بالشراكة مع مكتب رئيس وزراء إسرائيل والوكالة اليهودية.

تولى السفير الأميركي السابق لدى كوستاريكا ستافورد فيتزجيرالد هاني إدارة المبادرة إقليمياً، بصفته المدير العام لمبادرة أميركا اللاتينية في مؤسسة جينيسيس. راكم هاني خبرة دبلوماسية خلال عمله سفيراً بين العامين 2015 و2017، إلى جانب مسار مهني في قطاعات المال والتكنولوجيا والاستثمار، شمل العمل في شركات متعددة الجنسيات ومؤسسات رأس مال مخاطر في إسرائيل.

الغايات ووسائل تحقيقها

حددت المنظمة لنفسها مجموعة أهداف معلنة تتركز على تعزيز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي بين إسرائيل ودول أميركا اللاتينية، وبناء علاقات طويلة الأمد مع ديمقراطيات القارة، وتطوير برامج تبادل ثقافي وتعليمي تعزز الفهم المتبادل. تضع المنظمة مواجهة ما تصفه بمعاداة السامية، ومكافحة التطرف، ضمن أهدافها المركزية، وتربط هذه القضايا بإعادة تشكيل مواقف الدول اللاتينية داخل المؤسسات الدولية.

تعتمد المبادرة على وسائل متعددة لتحقيق هذه الأهداف. توفر منصتها الرقمية أدوات معلوماتية تتابع سجلات تصويت دول أميركا اللاتينية في الأمم المتحدة، ومواقفها من تصنيف حركات مثل حماس وحزب الله، إضافة إلى رصد مواقع التمثيل الدبلوماسي وسياسات الدول تجاه إسرائيل. تستخدم هذه المعطيات لتحديد الدول ذات القابلية للتأثير، وبناء برامج تعاون موجهة.

إلى جانب ذلك، تعتمد المنظمة على آلية المنح والدعم المالي بوصفها أداة تنفيذية مركزية. توفّر تمويلاً لمشاريع وبرامج في مجالات التعليم والثقافة والتعاون الاقتصادي، بما يتيح لها بناء شبكات من النخب السياسية والاقتصادية والمجتمعية المتعاطفة مع إسرائيل. كما تعمل على استقطاب مانحين إضافيين ينسجمون مع هذا التوجه، مع اشتراط قيام قنوات تواصل مؤسسي مباشر قبل الانتقال إلى شراكات مستقبلية.

في هذا السياق، جرت خلال المرحلة الأولى عملية تخصيص منح تمويلية أولية تُقدّر بنحو 500 ألف دولار، وُزّعت على عدد من الجهات، من بينها شبكة الابتكار الإسرائيلية ILAN، ومركز رامبام الطبي، ومؤسسة Israel Allies، ومنظمتا StandWithUs وYalla Israel، إضافة إلى مشروع The Philos. وتنشط هذه الجهات في مسارات الإعلام والتعليم والدبلوماسية والابتكار بما يخدم تعزيز التواصل الثقافي وتوسيع دائرة العلاقات بين دول القارة اللاتينية وإسرائيل.

"اتفاقيات إسحق": إعادة تعزيز العلاقات وسوق السلاح 

"اتفاقيات إسحق" هي مبادرة دبلوماسية أطلقها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بعد حصوله على جائزة جينيسيس للعام 2025، وتهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية بين إسرائيل ودول أميركا اللاتينية. يطرح القائمون على المبادرة بوصفها امتداداً لنموذج "اتفاقيات أبراهام" مع نقل منطق الشراكات الإسرائيلية إلى فضاء جغرافي جديد في النصف الغربي من العالم، بعيداً عن السياق الشرق أوسطي المباشر.

استندت المبادرة إلى تحولات سياسية داخل الأرجنتين عززت موقع ميلي وقدرته على الدفع بالمشروع قدماً وهو ما أشار إليه منظروها الرئيسيون وعلى رأسهم ستان بولوفيتز والسفير فيتز هاني. أتاح هذا الواقع السياسي استمرار الزخم التنظيمي للمبادرة وبناء إطار أوضح للتعاون بين إسرائيل ودول المنطقة مع تصور طويل الأمد لتوسيع شبكة العلاقات وتثبيتها مؤسسياً.

تركز "اتفاقيات إسحق" على أهداف متعددة، تشمل تطوير التجارة والسياحة والتعليم والتكنولوجيا وتعزيز الروابط الدبلوماسية مع ديمقراطيات أميركا اللاتينية والعمل على تحسين صورة إسرائيل والرأي العام تجاهها. كما تسعى المبادرة إلى التأثير في أنماط التصويت داخل الأمم المتحدة، وتوسيع قاعدة الدعم السياسي لإسرائيل ضمن دول الجنوب العالمي.

تشير معطيات UN Watch إلى أن غالبية دول أميركا اللاتينية تصوّت ضد إسرائيل بصورة منتظمة وأن خمس دول هي كوبا والسلفادور ونيكاراغوا وبوليفيا وتشيلي صوّتت ضدها في جميع القرارات ذات الصلة خلال السنوات العشر الماضية. إضافة إلى ذلك، لا تحتفظ أربع دول في المنطقة بسفارات لها في إسرائيل فيما استدعت البرازيل سفيرها العام 2024 ما يعكس بيئة سياسية إقليمية تتسم بالحساسية تجاه إسرائيل.

في المقابل، عمّق ميلي علاقاته مع إسرائيل ومع الجالية اليهودية في الأرجنتين، وربط هذا التوجه بخطوات سياسية ورمزية متوازية. دفع حكومته إلى إعادة تنشيط التحقيقات في الهجمات التي استهدفت سفارة إسرائيل ومبنى AMIA في بوينس آيرس خلال عقد التسعينيات الماضي وأعلن التزامه بملاحقة المسؤولين عنها قضائياً بما في ذلك الجهات المرتبطة بإيران. كما أعلن الحداد على عائلة بيباس الإسرائيلية التي قُتلت خلال هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

تركز المرحلة الأولى على دول مثل بنما وكوستاريكا، نظراً لثقلها الدبلوماسي النسبي وعلاقاتها السابقة مع إسرائيل مع متابعة تطورات سياسية في دول أخرى مثل بوليفيا والتخطيط للتوسع لاحقاً نحو باراغواي وغواتيمالا وهندوراس. وكما ذكر سابقاً جرى دعم المبادرة بمنح أولية لجهات تعمل في مجالات الإعلام والتعليم والابتكار.

ويجري تقييم التقدم المحقق في إطار "اتفاقيات إسحق" وفق ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل رصد تحولات الرأي العام تجاه إسرائيل، وقياس مستوى التبادل الاقتصادي والثقافي معها بما في ذلك التجارة والسياحة والبرامج التعليمية والاستثمارات، إلى جانب متابعة الاصطفاف السياسي عبر الزيارات الرسمية لإسرائيل وأنماط التصويت داخل المؤسسات الدولية.

الغاية الجوهرية: سوق السلاح البحري 

تهدف مبادرة "اتفاقيات إسحق" بشكل جوهري إلى ترسيخ حضور الصناعات الدفاعية الإسرائيلية داخل مشاريع التحديث الأمني في أميركا اللاتينية وبخاصة في مجالات الدفاع البحري ومكافحة الجريمة المنظمة و"الناركو - إرهاب". تنطلق المبادرة من تقدير أن القارة تشهد توسعاً متسارعاً في الإنفاق على القدرات البحرية، ويرتبط هذا التوسع بتنامي التهديدات الإقليمية واستخدام الأنهار والممرات البحرية كمسارات رئيسة للتهريب والجريمة، فيما تسعى الاتفاقيات إلى استثمار هذا التحول لتأمين موطئ قدم طويل الأمد للصناعات الإسرائيلية.

تشمل برامج التحديث المتوقعة نطاقاً واسعاً من القدرات، مثل: سفن الدورية والفرقاطات وأنظمة القيادة والسيطرة والاستخبارات والمراقبة والاتصالات التكتيكية والحرب الإلكترونية. وتحظى تقنيات حماية السواحل والحدود البحرية والزوارق النهرية بأولوية خاصة، نظراً إلى طبيعة التهديدات القائمة. تركز هذه البرامج على استبدال الأنظمة القديمة ودمج حلول متقدمة للقوات البحرية والخاصة، ويفتح هذا المسار فرصاً متعددة للشركات القادرة على تقديم حلول متكاملة أو ترقيات تقنية.

تعتمد الاستراتيجية المقترحة على تحديد أسواق وأهداف طويلة الأمد وبناء شراكات محلية عبر الاندماجات والمشاريع المشتركة خاصة في البرازيل بوصفها مركز الصناعة البحرية في القارة. تشجع المقاربة الهجينة على الجمع بين ترقية الأنظمة القائمة وتقديم منصات جديدة وفق خصوصية كل سوق، فيما تكتسب أسواق الأنهار أهمية خاصة باعتبارها مسرحاً رئيسياً للجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، ويتطلب النجاح مواءمة العروض مع احتياجات الجيوش والبحريات وأجهزة إنفاذ القانون، مع مراعاة الحساسية السعرية لدى بعض الجهات.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات