المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • هشام نفاع

شدّدت القائمة المشتركة على أن إعلان وجود أغلبية لشطب رئيس التجمع الوطني الديمقراطي والمرشح الثالث في القائمة، سامي أبو شحادة، واقتراح المحكمة عليه سحب ترشّحه لتجنّب إصدار حكم مكتوب يشرح أسباب الشطب، يعني أن المحكمة العليا حسمت موقفها بمنع قيادي سياسي عربي من خوض الانتخابات، والمساس بحق جماهيرنا في اختيار ممثّليها. وبالفعل، فليست المستشارة القانونية للحكومة وحدها من أعلنت الانضمام إلى الحملة اليمينية العنصرية للاعتداء على حق الترشّح والترشيح والاقتراع للمواطنين العرب، بل إن المحكمة العليا نفسها انضمت للحملة بإعلانها.

كما في كل عام، سبقت الانتخابات قرارات لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية شطب قوائم المواطنين العرب، وهذه المرة تم شطب القائمة المشتركة، والقائمة العربية الموحدة، ورئيس التجمع أبو شحادة، والنائب عوفر كسيف من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. جرت العادة أن القرارات المتوقعة في هذه الهيئة المسيّسة ذات الغالبية اليمينية، اليوم، كانت تُلغى في المرحلة الثانية لحسم الأمور، في المحكمة العليا. لكنها هذا العام تحوّلت إلى واحدة من أبرز القضايا السياسية والقانونية في الطريق إلى انتخابات الكنيست السادس والعشرين. والسبب، انضمام كل الجهاز القضائي إلى اليمين الحكومي بشأن أحد أبرز مرشحي القائمة المشتركة.

بطبيعة الحال، يأتي هذا كله في سياق واسع مركب: الحرب المتواصلة منذ ثلاث سنوات، وحرب اليمين ضد المستشارة القانونية والمحكمة العليا. ونوّه محللون إلى أن كلا من المستشارة والمحكمة كانا بحاجة إلى فرصة للانضمام إلى إجماعٍ ما، ووجداه في هذه القضية، ومفادها الاعتداء على حق الترشّح والترشيح والاقتراع للمواطنين العرب.

هذه المرة انضم رئيس اللجنة القاضي إلى اللعبة

جاء قرار شطب القائمة المشتركة بأغلبية 18 صوتًا مقابل خمسة، مع امتناع عضو واحد عن التصويت، فيما نال طلب شطب سامي أبو شحادة، الذي تقدمت به «عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير، بتأييد 31 عضوًا مقابل أربعة، في خطوة لافتة صوّت فيها حتى رئيس لجنة الانتخابات، القاضي نوعام سولبرغ، إلى جانب الشطب. أما قرار شطب عوفر كسيف فجاء بأغلبية 18 صوتًا مقابل خمسة، فيما صوّتت اللجنة أيضًا على شطب القائمة العربية الموحدة بأغلبية 18 مقابل خمسة، مع امتناع عضو واحد.

استندت طلبات الشطب إلى المادة 7أ من قانون أساس: الكنيست، التي تتيح منع قائمة أو مرشح من خوض الانتخابات في ظروف محددة، من بينها إنكار وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية أو دعم الكفاح المسلح لدولة عدو أو منظمة إرهابية ضد إسرائيل. لكن مركز "عدالة" الذي يمثل القوائم العربية سنويا في حملات الشطب، قدّر أن استخدام هذه المادة ضد أبو شحادة يتطلب مستوى مرتفعًا جدًا من الأدلة، وأنه لا يكفي جمع تصريحات أو مواقف سياسية متفرقة لإثبات وجود مسار فعلي يبرر حرمان مواطن أو قائمة من حق أساسي هو الحق في الترشح والتمثيل السياسي. كما أشار إلى أن جزءًا كبيرًا من المواد التي استندت إليها طلبات الشطب قديم، وأن بعضها سبق أن عُرض على لجنة الانتخابات أو المحكمة العليا ولم يؤدِّ إلى الشطب.

وفي حالة عوفر كسيف، ركزت الحجج القانونية ضده على تصريحاته ومواقفه السياسية، بما في ذلك انتقاد الجيش والحكومة ودعمه لإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وردّ «عدالة» بأن انتقاد الحكومة والجيش، حتى عندما يكون حادًا، لا يشكل بحد ذاته سببًا قانونيًا لمنع شخص من الترشح، وأن دعم إقامة دولة فلسطينية لا يساوي دعم الكفاح المسلح أو منظمة إرهابية. وبحسب المركز، لم تقدّم طلبات الشطب «كتلة الأدلة الدامغة» التي تطلبها المحكمة العليا في مثل هذه الحالات.

غياب وزن الحجج القانونية مقابل الشعبوية السياسية

في استئنافه إلى المحكمة العليا، شدد مركز "عدالة" على أن غالبية الادعاءات والأدلة التي قدمها الليكود ضد القائمة المشتركة سبق أن طرحت ورُفضت، وأنها لا تثبت دعم القائمة «لنضال مسلح لدولة عدو أو منظمة إرهابية ضد دولة إسرائيل». كما أشار إلى أن الطلب لم يعتمد على البرامج السياسية الحالية للقائمة، بل على برنامج قديم للتجمع الوطني الديمقراطي، في حين عرض رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين أمام لجنة الانتخابات برنامجًا يتضمن مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، وتعزيز المساواة، وتخصيص الموارد للبلدات العربية، وتوسيع مناطق نفوذها، ودعم إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على حدود عام 1967، والنضال ضد الاحتلال.

واستندت الحجج القانونية التي قدمها «عدالة» إلى مبدأ راسخ في اجتهاد المحكمة العليا، وفق المركز، يقضي بأن شطب قائمة انتخابية يجب أن يكون إجراءً استثنائيًا، ولا يتم إلا في ضوء «كتلة من الأدلة الدامغة» والواضحة والمقنعة. وفي حالة وجود شك، يجب أن يكون تفسيره، وفق هذه الحجج، ضد الشطب ولصالح حق الترشح والمشاركة السياسية.

وفي ملف القائمة الموحدة، أكد المركز أن الأدلة التي استندت إليها طلبات الشطب سبق بحثها في سنوات سابقة، وأنها لا تتناول البرنامج الحالي للقائمة ولا نشاطها البرلماني الممتد، كما لا تثبت وجود ارتباط فعلي بينها وبين جمعيات نُسبت إليها. وأشار إلى أن المستشارة القانونية للحكومة خلصت هي الأخرى إلى أن المواد المقدمة لا تشكل أساسًا قانونيًا كافيًا للشطب.

أما قضية سامي أبو شحادة، فتمحورت بصورة أساسية حول مقال نشره في 8 تشرين الأول 2023، أي بعد يومين من هجوم السابع من أكتوبر. واعتبر مقدمو طلب الشطب أن المقال يعكس تأييدًا للكفاح المسلح، وهو ما رفضه أبو شحادة ومحاموه بشدة. وقال مركز «عدالة» إن القضية برمتها تستند عمليًا إلى مقال واحد لا يتضمن دعوة صريحة إلى العنف، وإن الدعوة العملية الوحيدة فيه هي التوجه إلى مسار سياسي.

وخلال مداولات اللجنة، أكد أبو شحادة أنه عارض باستمرار المساس بالمدنيين، الإسرائيليين والفلسطينيين، وأن مواقفه بعد السابع من أكتوبر تضمنت إدانات صريحة للجرائم والمساس بالمدنيين ودعوات إلى حل سياسي. وقال، في مقابلة إذاعية، إنه عندما ينظر إلى مقاله اليوم يعتبر توقيت نشره «غير موفق»، وإنه لم يكن يرى آنذاك الصورة كاملة ولم يفهمها كما يفهمها لاحقًا.

القائمة المشتركة: شطب فعلي بلا حكم، ولا مبرر قانوني له

رأت القائمة المشتركة في قرار المحكمة العليا بإلغاء شطب القائمة المشتركة والقائمة الموحدة، والسماح للنائب عوفر كسيف بخوض الانتخابات، من جهة، كمن أسقط محاولة سياسية لإقصاء الصوت العربي وحرمان جماهيرنا من حقها في التمثيل السياسي، لكن ما جرى في قضية رئيس التجمع أبو شحادة، من جهة ثانية، بعث برسالة خطيرة لا يمكن تجاوزها لمجمل العمل السياسي العربي في الداخل.

وجاء في موقفها: إنّ ما جرى هو شطب فعلي بلا حكم، ولا مبرر قانوني له، فهو يناقض المعايير التي أرستها المحكمة نفسها. خضعت العليا لليمين الفاشي وحملة تحريضه في قضية سامي، وهذا الكيل بمكيالين يثبت أن ما جرى محاكمة سياسية. وهنا وجب التأكيد أن قرار سحب الترشح لم يُتخذ إلا بعد أن كشفت المحكمة توجهها الواضح، وهو لا يعني تراجعًا ولا خضوعًا، ولا يعفي المحكمة العليا من مسؤولية تحمّل هذا الغبن التاريخي، بل فوّت الفرصة على اليمين الفاشي، الذي راهن على إصدار قرار كان سيُستعمل كأساس قضائي مستقبلي لملاحقة كل عملنا السياسي بصورة أسهل.

وأكدت أن أبو شحادة تعرّض في هذه القضية لظلم وغبن كبيرين، وأن توجه أغلبية المحكمة إلى شطبه بسبب مقال سياسي يشكّل تطورًا بالغ الخطورة. فهذا التوجه يعكس حجم التحول الذي طرأ على إسرائيل ومؤسساتها في السنوات الأخيرة، بما فيها المحكمة العليا، واتساع مساحات الإقصاء والعنصرية ونزع الشرعية عن الحضور العربي، سياسيًا ومجتمعيًا وفي مختلف مجالات الحياة. وشددت على أن الكيل بمكيالين في قضية أبو شحادة لا يمكن فصله عن المناخ السياسي العام الذي يستهدف التمثيل العربي ويدفع باستمرار نحو تضييق مساحة العمل السياسي المشروع. وما جرى مع أبو شحادة ليس قضية شخصية، بل مسألة تتعلق بحدود حرية التعبير وحق مجتمع كامل في اختيار ممثليه وممارسة دوره السياسي دون تهديد دائم بالإقصاء.

نهج تواصَلَ من اللجنة المسيّسة إلى المحكمة العليا

في الواقع، جاءت المحكمة العليا في النهاية لتعيد رسم صورة شكلية مختلفة عن تلك التي خرجت من لجنة الانتخابات. ففي جلسة 1 تشرين الأول، ألغت بالإجماع شطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، فيما ألغت بأغلبية سبعة قضاة مقابل اثنين قرار شطب عوفر كسيف. وبذلك أصبح بإمكان القائمتين وكسيف خوض الانتخابات، خلافًا لقرار لجنة الانتخابات المركزية. ولكن في قضية أبو شحادة، كان المسار مختلفًا. لأنه تطابق مع موقف غلاة اليمين. خلال جلسة المحكمة، أوضح رئيس المحكمة العليا إسحق عميت أن هناك إجماعًا بين القضاة على أن ما ورد في مقال لأبو شحادة "مؤلم ومثير للاشمئزاز"، وأن النتيجة التي بدأت تتشكل لدى هيئة القضاة هي المصادقة على قرار لجنة الانتخابات بشطبه.

في أعقاب ذلك، أعلن أبو شحادة في 2 تشرين الأول سحب ترشحه، ما أدى إلى شطب الإجراء القضائي المتعلق به. لذلك لم تصدر المحكمة حكمًا نهائيًا مكتوبًا يقضي بشطب أبو شحادة بعد استمرار ترشحه؛ وإنما أوضحت خلال المداولات أن الأغلبية تتجه إلى تثبيت الشطب، ثم انسحب هو من السباق، وانتهى الإجراء القضائي على هذا الأساس.

في هذا السياق تكتسب قراءة الصحافية نوعا لنداو أهمية خاصة، لأنها لا تتوقف عند السؤال القانوني حول ما إذا كان هذا المرشح أو ذاك يستوفي شروط الشطب، وإنما تنظر إلى قرار لجنة الانتخابات بوصفه مؤشرًا على تحول أوسع في الفضاء السياسي الإسرائيلي. وتقول لنداو إن استبعاد الأحزاب العربية كلها كان يفترض أن يحدث ضجة جماهيرية وسياسية كبيرة، لأن القضية لم تكن تتعلق بمرشح واحد أو بتصريح منفرد، بل بإقصاء التمثيل الحزبي العربي بأكمله. غير أن رد الفعل كان محدودًا، لأن كثيرًا من الإسرائيليين افترضوا مسبقًا أن المحكمة العليا ستتدخل وتلغي قرارات اللجنة، استنادًا إلى سوابق طويلة حددت فيها المحكمة معايير الشطب وأبطلت قرارات سابقة للجنة الانتخابات.

تربط لنداو ذلك بتاريخ محاولات سابقة لاستبعاد القائمة المشتركة، ولا سيما في العامين 2015 و2019، حين سعى بنيامين نتنياهو إلى شطب القائمة، لكن طلباته لم تُقبل. غير أن ما جرى هذه المرة مختلف من حيث حجمه السياسي، لأن النتيجة التي كان يمكن أن تترتب على قرارات اللجنة لم تكن استبعاد حزب أو مرشح، بل محو التمثيل العربي بصورة شبه كاملة، أي سحب إمكانية التمثيل السياسي من نحو خُمس المواطنين. ولذلك، في تحليلها، لم يعد النقاش محصورًا في حدود تطبيق المادة 7أ، وإنما بات يمس أحد الشروط الأساسية للانتخابات الديمقراطية: قدرة أقلية كبيرة على المشاركة السياسية من خلال أحزاب تمثلها.

وترى المحللة لانداو أن المشكلة لا تكمن فقط في تركيبة لجنة الانتخابات المركزية، التي تعكس تركيبة الكنيست المنتهية ولايته، بل أيضًا في البيئة السياسية والجماهيرية التي جعلت مثل هذه القرارات ممكنة من دون رد فعل واسع. ووفق قراءتها، نشأ نوع من «تقسيم العمل» بين السياسة والقضاء: يستطيع سياسيون يهود، بمن فيهم من يقدمون أنفسهم بوصفهم جزءًا من المعسكر الديمقراطي، الابتعاد عن المواجهة السياسية حول شرعية الأحزاب العربية، فيما يبقى متوقعًا من المحكمة العليا أن تتدخل في اللحظة الأخيرة وتعيد رسم الحدود القانونية.

من نافل القول إن المحكمة هنا لبّت توقعات اليمين بالذات. فقد رضخت بأغلبيتها إلى حملة التحريض والملاحقة السياسية التي يقترفها اليمين الفاشي، وهو ما اعتبرته القائمة المشتركة بحق أنه محاكمة سياسية بكل معنى الكلمة.

المصطلحات المستخدمة:

الليكود, الكنيست, بنيامين نتنياهو

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات