المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • عبد القادر بدوي

يقدم "مؤشر المجتمع الإسرائيلي" لشهر آب 2026، الصادر عن "معهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI)"، صورة مركبة للرأي العام الإسرائيلي قبل نحو شهرين من الانتخابات العامة، وبعد قرابة ثلاثة أعوام على بدء حرب الإبادة على غزة والحرب المفتوحة على جبهات عدة وحربين على إيران، وفي ظل استمرار النقاش حول مستقبل قطاع غزة والضفة الغربية. هذه المساهمة، تستعرض أبرز ما جاء في نتائج المؤشر، الذي تكمن أهميته في كونه يجمع بين الأولويات الانتخابية وتقييم نتائج الحرب والموقف من إيران وغزة، إلى جانب تصورات بعيدة المدى بشأن الضفة الغربية والاستيطان ومستقبل الفلسطينيين، إلى جانب قياس توجهات التصويت والثقة بالقيادة السياسية. 

الأمن يتصدر الانتخابات فيما يتركز التردّد في الوسط والمجتمع العربي

تُظهر النتائج، في صورتها العامة، مجتمعًا يدخل الانتخابات وملف الأمن يعود إلى صدارة اهتماماته، من دون شعور واسع بـ "الحسم" أو "النصر"، وفي الوقت نفسه، يزداد فيه حضور توجهات الضم والسيطرة طويلة الأمد على الضفة الغربية ضمن الخيارات المقبولة لدى الجمهور اليهودي في إسرائيل.

يأتي الأمن في المرتبة الأولى بين الاعتبارات التي ستحدّد وجهات التصويت في الانتخابات المقبلة، فقد قال 31% من المستطلعين إن العامل الأهم بالنسبة إليهم هو اختيار الطرف القادر، في تقديرهم، على "الحفاظ على الأمن بأفضل صورة"، في ما جاءت العلاقة بين الحكومة والجهاز القضائي ثانية بنسبة 17%، ثم الرغبة في "مزيد من الوحدة وتقليل الانقسامات" بنسبة 15%، بينما اختار 13% الاتجاه نحو "دولة أكثر ليبرالية".

تظهر هذه النتائج أن الانتخابات تتجه مجددًا نحو المجال الأمني، بعد فترة تقدمت فيها قضايا تغيير الحكومة والصراع على الجهاز القضائي، غير أن عودة الأمن إلى المركز لا تمنح الحكومة أفضلية تلقائية؛ فهي تجري في وقت يتراجع فيه الشعور بأن إسرائيل حققت أهداف حروبها الطويلة، وتبقى الثقة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو محدودة خارج قاعدته اليمينية والدينية، لذلك، من المتوقع أن تتحول قضية الأمن إلى ساحة المنافسة الأساسية بين الحكومة وخصومها من تيارات المعارضة.

في المقابل، يبدو أن معظم الناخبين على مشارف حسم خياراتهم، فقد قال 55% إنهم حسموا بصورة نهائية الحزب الذي سيصوتون له، مقارنة بـ 53% في شهر تموز، بينما قال 29% إنهم "واثقون إلى حد ما"، وانخفضت نسبة المترددين من 14% إلى 12%. لكن هذه الصورة تتباين بوضوح بحسب الموقع السياسي: حسم 64% من ناخبي اليمين قرارهم، و55% من يمين الوسط، و63% من يسار الوسط، و81% من اليسار، بينما لم تتجاوز النسبة 41% لدى من يعرّفون أنفسهم في الوسط، وهو ما يعني أن مساحة المنافسة المتبقية تتركز أساسًا في "كتلة الوسط"، وإن كان انتقال الناخبين قد يحدث داخل المعسكر نفسه أكثر مما يحدث بين اليمين والوسط واليسار.

يختلف ترتيب الأولويات بين من حسموا خيارهم والمترددين؛ فبين اليهود الذين قرروا لمن سيصوتون، تأتي العلاقة بين الحكومة والجهاز القضائي في مرتبة متقدمة، بينما تكتسب مسألة "الوحدة وتقليل الانقسامات" وزنًا أكبر لدى المترددين، وهذه الفجوة تفسر، جزئيًا، محاولات الأحزاب التوجه إلى الوسط بخطاب أقل أيديولوجية وأكثر تركيزًا على الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات بعد الحرب.

أما لدى المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، فتبقى الخريطة أكثر سيولة؛ فقد حسم 49% فقط قرارهم بصورة نهائية، وقال 17% إنهم واثقون إلى حد ما، فيما بقي 20% مترددين وأعلن 14% أنهم لا ينوون التصويت في الانتخابات. في الوقت نفسه، ارتفعت نسبة من يرون أهمية مشاركة المواطنين العرب في الانتخابات بهدف التأثير إلى 75%، مقارنة بـ 67% في آب 2025، ولم تتجاوز نسبة من يفضلون عدم المشاركة 4%، وهنا، تظهر فجوة بين إدراك أهمية المشاركة وبين الاستعداد الفردي للتصويت، تجعل نسبة المشاركة العربية أحد المتغيرات القليلة التي يمكن أن تؤثر بوضوح في توزيع المقاعد بين المعسكرات.

الأمن أولًا، لكن من دون حسم في غزة وإيران!

يتقدّم الأمن في سلم الاهتمامات في وقت لا يشعر فيه الجمهور الإسرائيلي بأنه خرج من الحرب بنتيجة واضحة، فقد منح 38% من المستطلعين شعور "إسرائيل تنتصر أو انتصرت" تقييمًا مرتفعًا، في مقابل نسبة مماثلة تقريبًا أعطته تقييمًا منخفضًا، فيما تراجعت نسبة أصحاب الشعور المرتفع بصورة واضحة مقارنة بتموز 2025، عندما بلغت 54%، ويشير المؤشر إلى مسار متواصل من تآكل الشعور بـ "النصر" خلال العام الأخير.

غير أن هذا الشعور موزع سياسيًا بصورة حادة، إذ يرى 67% من اليمين أن إسرائيل في حالة انتصار، وتنخفض النسبة إلى 45% في يمين الوسط، و17% في الوسط، و5% في يسار الوسط، فيما لم يسجل المؤشر تقريبًا شعورًا مماثلًا في اليسار، كما ويظهر الانقسام ذاته وفق التدين؛ إذ ترتفع النسبة إلى 76% لدى الحريديم و59% لدى المتدينين، مقابل 19% فقط لدى العلمانيين.

في هذا السياق، يحافظ نتنياهو على قاعدة مؤيدة متماسكة، رغم أنها لا تتحول إلى أغلبية عامة، فقد قال 38% من الإسرائيليين إنهم يثقون به بدرجات مختلفة، في مقابل 60% لا يثقون به، فيما ترتفع الثقة بين اليهود إلى 44%. والأهم أن نسبة من اختاروا الإجابة الأكثر حدة، "لا أثق به إطلاقًا"، وصلت إلى 50%، مقارنة بـ 44% في حزيران و43% في كانون الأول 2025، كما تتضح البنية الاجتماعية لهذه القاعدة عند النظر إلى التدين: يثق بنتنياهو 84% من الحريديم و64% من المتدينين، بينما تنخفض النسبة إلى 19% فقط بين العلمانيين.

وينعكس التشاؤم على تقييم الحرب على إيران، حيث يرى 46% أن فرص تحقيق أهداف إسرائيل في إيران لم تتغير خلال الأسابيع السابقة، ويعتقد 34% أنها تراجعت، في مقابل 14% فقط يرون أنها تحسنت. وفي أثناء الحرب الثانية على إيران في آذار 2026، رأى 72% أن قرار مهاجمة إيران مجددًا كان صحيحًا، وتوقع 65% أن "تغير الحرب الشرق الأوسط بصورة إيجابية على المدى البعيد"، لكن بحلول أيار انخفض التأييد للهجوم إلى 59%، وانخفض التفاؤل الإقليمي إلى 52%، وفي حزيران قال 37% فقط إن إسرائيل حققت معظم أهدافها أو جزءًا كبيرًا منها، وفي تموز لم يعتبر سوى 14% أن اتفاق وقف إطلاق النار الأميركي- الإيراني جيد لإسرائيل، وانخفضت النسبة بين اليهود إلى 4%.

أما حول حرب الإبادة واتفاق وقف إطلاق النار في غزة، فتختلف الصورة كثيرًا، إذ يرى 58% أن الاتفاق المرتبط بنزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي لن يتم تنفيذه، وأن الوضع سيبقى قريبًا من حاله الراهن، وترتفع النسبة إلى 63% بين اليهود، كما يتوقع 15% تطبيقًا جزئيًا، بينما يرى 13% أن المسار سينتهي إلى تصعيد وتجدد الحرب مرة أخرى، ولم يتوقع سوى 3% تنفيذ السيناريو الكامل القائم على نزع سلاح حماس بالكامل وانسحاب إسرائيل الكامل.

ومن اللافت أن هذا التوجه يترافق مع تراجع حاد في الثقة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد قال 10% فقط إن لديهم ثقة كبيرة بأنه سيتخذ "القرار الصحيح" في العلاقات الأميركية- الإسرائيلية، مقارنة بـ 34% قبل نصف عام، بينما بلغت نسبة من لا يثقون به 46%.

مستقبل الضفة الغربية: الضم يرسخ حضوره والاستيطان يبقى خارج نطاق النقاش!

تأتي النتائج المتعلقة بالضفة الغربية في مقدمة ما يحمله المؤشر من دلالات فلسطينية، فعندما طُلب من المستطلعين الإسرائيليين اليهود اختيار الهدف الواقعي والمفضل على المدى البعيد، أيّد 38% ضم كامل الضفة، في مقابل 35% اختاروا أشكالًًا مختلفة من التقسيم، لكن مضمون خيار الضم أكثر أهمية من النسبة المجردة؛ إذ أيّد 22% ضم كامل الأرض مع "انتقال السكان العرب إلى دول أخرى" أي التهجير، واختار 14% الضم مع منح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا من دون الجنسية الإسرائيلية، بينما بقي تأييد الضم مع منح الفلسطينيين الجنسية الكاملة هامشيًا، أو للدقة، لا يُذكر.

من ناحية ثانية، يؤيد 21% إقامة دولة فلسطينية في المناطق ذات الأغلبية الفلسطينية، ويفضل 14% نقل هذه المناطق إلى الأردن، فيما يعتقد 12% أن الوضع القائم قادر على الاستمرار لعقود. يكشف هذا التوزيع عن أن النقاش الإسرائيلي لا يدور ببساطة بين الضم وحل الدولتين؛ فجزء من البدائل المعروضة تحت عنوان "التقسيم" يتضمن بدوره إعادة توزيع للفلسطينيين جغرافيًا أو استمرار السيطرة الإسرائيلية بأشكال مختلفة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه يزداد الميل إلى الضم كلما ارتفعت درجة التدين، إذ يؤيده 17% من العلمانيين، و36% من التقليديين غير المتدينين، و56% من التقليديين المتدينين، و68% من المتدينين، و70% من الحريديم المتشددين. يضع المعهد هذه النتائج في اتجاه أوسع، حيث يؤكد إن نسبة اليهود الذين يفضلون "تعزيز السيطرة على الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان والنظر في تفكيك السلطة الفلسطينية وربما الضم" ارتفعت من 38% في آذار 2024 إلى 47% في 2025 ثم 48% في 2026، في حين تراجع تأييد اتفاق سلام وإقامة دولة فلسطينية من 17% إلى 14%.

كما تظهر في هذا المؤشر قضية المستوطنات، حيث يرى 55% من اليهود أن جميع المستوطنات يجب أن تبقى تحت "السيادة الإسرائيلية" في أي سيناريو سياسي مقبل، وحتى بين من يفضلون تقسيم الأرض، يريد 19% الاحتفاظ بجميع المستوطنات، وذلك يعني أن قبول فكرة التقسيم لدى جزء من الجمهور لا يقترن بالضرورة بـ "التنازل عن الأرض" أو بتفكيك البنية الاستيطانية التي تقطعها.

وعندما وضع المؤشر اليهود أمام المفاضلة بين الحفاظ على أغلبية يهودية وبين الاحتفاظ بكامل الأرض، اختار 60% الحفاظ على الأغلبية "حتى بثمن التخلي عن أراضٍ بشكل محدود"، بينما فضل 22% خيار "السيادة على كامل الأرض حتى في حال فقدان الأغلبية اليهودية"، في ما لم يحسم 18% موقفهم بهذا الشأن. إن هذه النسبة العامة تخفي مجددًا انقسامًا دينيًا واسعًا، حيث يفضل 55% من الحريديم الاحتفاظ بالأرض في مقابل 19% يختارون أولوية الأغلبية اليهودية، وبين المتدينين تبلغ النسبتان 41% و34%، فيما يختار 77% من العلمانيين الحفاظ على الأغلبية اليهودية.

أما في ما يتعلق بالمزارع والبؤر الاستيطانية التي يفصلها المؤشر عن المستوطنات في الأسئلة، فإنها تثير تحفظًا أكبر من الاستيطان عمومًا؛ حيث انقسم المستطلعون بالتساوي تقريبًا بشأن اعتبارها عبئًا على الجيش والأمن، أما بين اليهود فيرى 50% أنها لا تشكل عبئًا أمنيًا، في مقابل 41% يرون العكس. ويشير المعهد إلى أن الجمهور اليهودي يميز إلى حد ما بين المستوطنات الرسمية وبين المزارع والبؤر، إذ كان الاعتراض الأمني على الاستيطان عمومًا أقل من الاعتراض على هذه الأشكال الأكثر ارتباطًا بالعنف، لكن هذا الاعتراض لا يتم التعبير عنه بتراجع واسع عن الاستيطان نفسه.

انتخابات داخل مجتمع يميني في غالبيته

يمكن القول أن نتائج مؤشر آب تعكس صورة لانتخابات ستجري داخل سياق مختلف عن ذلك الذي سبق الانتخابات السابقة بصورة كلية، ويظهر ذلك في تربّع الأمن على رأس الأولويات، وفي ظل تباين في الموقف من تحقيق أهداف حرب الإبادة على غزة والحرب الطويلة التي تشنها إسرائيل منذ 3 سنوات تقريبًا على الجبهات المختلفة، وفي ضوء غياب الأغلبية التي تثق بنتنياهو أو بالحليف الأميركي على النحو الذي ظهر في مراحل سابقة.

أما في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، فيبدو التحول أعمق من التنافس الانتخابي، حيث أن خيار الضم لم يعد محصورًا في هامش اليمين، وخيار تهجير الفلسطينيين إلى دول أخرى حاضر في إجابات نسبة كبيرة من اليهود، مع الإبقاء على جميع المستوطنات تحت ما يوصف بـ"السيادة الإسرائيلية" والذي يحظى أيضًا بتأييد الأغلبية اليهودية، وحتى الذين يفضلون الانفصال الجغرافي لا يتبنون بالضرورة تصورًا يمنح الفلسطينيين سيادة مستقلة كاملة أو يفكك البنية الاستيطانية.

ولذلك، يجب التوقف عن قراءة الانتخابات المقبلة على أنها منافسة بين مشروع يميني يريد تكريس السيطرة الإسرائيلية و"مشروع معارضة" يعرض تسوية مختلفة جذريًا للقضية الفلسطينية، وذلك كون المنافسة تدور، بدرجة كبيرة، داخل مجتمع اتجه خلال السنوات الماضية، وبشكل سريع خلال سنوات الحرب، نحو مزيد من التطرف في نظرته إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والفلسطينيين عمومًا، فيما يتركز الخلاف بين معسكراته السياسية على شكل إدارة هذه السيطرة، وأداء الحكومة، والعلاقة بين المؤسسات، ومن يستطيع توفير الأمن بكلفة سياسية واجتماعية أقل.

المصطلحات المستخدمة:

بنيامين نتنياهو

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات