المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • ياسر مناع

عقد المعهد الإسرائيلي للديمقراطية بالتعاون مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يوم 2 أيلول 2026، مؤتمرًا بعنوان "وقت الحسم: الديمقراطية والمجتمع"، بمشاركة سياسيين ووزراء وشخصيات قانونية وأكاديمية ومسؤولين سابقين في إسرائيل. وتنبع أهمية المؤتمر من توقيته قبل أقل من شهرين من الانتخابات، وفي ظل استمرار الحروب على جبهات متعددة، بالتزامن مع تفاقم الأزمات الداخلية التي تمس المجتمع والنظام السياسي.

وناقش المؤتمر جملة من الملفات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، أبرزها الانتخابات وتشكيل الحكومة القادمة، والحرب على غزة والملف الإيراني ولبنان والضفة الغربية، والمسؤولية عن إخفاق السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ومستقبل إصلاح الجهاز القضائي ووثيقة الاستقلال إلى جانب تجنيد اليهود الحريديم والجريمة في المجتمع العربي والأمن الشخصي.

أولًا: انتخابات حاسمة ... من يشكل الحكومة المقبلة؟

ركزت المقابلات الحوارية على الانتخابات المقبلة، وعلى قدرة المعسكرات السياسية على منع ضياع الأصوات وتشكيل حكومة مستقرة بعد الاقتراع. حذر يوحنان بلسنر - رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية - في مقابلته من أن النظام الحالي لا يضمن تشكيل حكومة، وقد يعيد إسرائيل إلى انتخابات جديدة إذا ما فشلت محاولات بناء ائتلاف. واقترح آلية تسمح للتركيبة التي تحصل على أكبر دعم في الكنيست بتشكيل الحكومة بعد استنفاد المحاولات الأخرى، حتى إذا لم تصل إلى 61 عضوًا. ورأى أن حكومة أقلية تستطيع العمل من خلال بناء أغلبية مختلفة لكل قانون وميزانية بما يعيد للكنيست دورًا أكبر في اتخاذ القرار.

كما حذر بلسنر من أن هذه أول انتخابات إسرائيلية تجري في عصر الذكاء الاصطناعي، ووصف الفضاء الرقمي بأنه ما زال غير منظم، معربًا عن قلقه من الدعاية المزيفة. ورحّب بخطوة لجنة الانتخابات لوسم هذه المواد، لكنه طالب اللجنة وشركات التكنولوجيا بإجراءات إضافية لضمان النزاهة ودعا السياسيين إلى عدم التشكيك في شرعية العملية الانتخابية باعتبارها الآلية الأساسية لحسم الخلافات عبر التصويت لا المواجهة.

وانتقل النقاش من قواعد تشكيل الحكومة إلى ترتيب المعسكرات قبل إغلاق القوائم. حيث دعا يائير غولان - رئيس حزب الديمقراطيين - في مقابلته إلى توحيد المعارضة ومنع تشتت الأصوات، ورأى أن عمليات الاتحاد ترفع فرص المعسكر في الفوز. وربط غولان الانتخابات بالوضع الأمني وحذر من أن تصعيدًا واسعًا في الضفة الغربية سيؤثر في العملية الانتخابية. واتهم نتنياهو وشركاءه بأن لهم مصلحة سياسية في تطورات من هذا النوع بسبب وضعهم في الاستطلاعات، من دون أن يقدم في المقابلة دليلًا على وجود خطة بهذا الاتجاه.

فيما وضع أفيغدور ليبرمان - رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" - في مقابلته منع ضياع الأصوات في مقدمة أولويات المعارضة، وقال إن القوائم التي تتحرك قرب نسبة الحسم يجب أن تتحد أو تنضم إلى قوائم أكبر، وقدر أن خسارتها ستكلف المعسكر ثلاثة أو أربعة مقاعد. كما رفض ليبرمان الاتحاد مع غادي أيزنكوت؛ بسبب خلافات تتعلق بالموقف من نتنياهو والأحزاب الحريدية والتجنيد ولجنة التحقيق في السابع من أكتوبر. وكذلك، رفض حسم هوية المرشح الذي سيوصي به لرئاسة الحكومة قبل الانتخابات، وقال إن الأولوية هي استبدال الحكومة ثم الاتفاق على رئيسها.

أما نفتالي بينيت - رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب معا – فقد تبنى في مقابلته موقفًا أقرب إلى الدفع نحو اتحاد واسع. وأعلن استعداده لأن يكون الرجل الثاني خلف أيزنكوت إذا ساعد ذلك على الفوز، وحدد الهدف بالوصول إلى 63 أو 64 مقعدًا. ورفض بينيت الانشغال قبل الانتخابات بمن سيصبح رئيس الحكومة، ودعا إلى تشكيل حكومة تضم قوى من اليمين واليسار داخل معسكر صهيوني مشترك، وفي الوقت نفسه أبقى على موقفه الرافض لمشاركة النائب العربي منصور عباس في الحكومة المقبلة.

وقال غادي أيزنكوت - رئيس حزب "يشار" ورئيس الأركان السابق - في مقابلته إنه يفحص كل الخيارات التي تقود إلى 63 مقعدًا. وطرح خوض عدة أحزاب الانتخابات بصورة منفصلة مع تنسيق مسبق، أو الاتجاه إلى الاتحاد إذا رفع فرص الفوز. ولم يستبعد أيزنكوت الاتحاد مع بينيت، وقال إن استطلاعات الرأي العام التي تمنحهما معًا 34 أو 36 مقعدًا تدخل في حساباته. ودعا الشخصيات والقوائم الموجودة قرب نسبة الحسم إلى تحمل المسؤولية، وتمسك بمبدأ أن رئيس الحزب الأكبر داخل المعسكر يجب أن يكون مرشحه لرئاسة الحكومة.

وعلى يمين الليكود، دعا بتسلئيل سموتريتش - وزير المالية ورئيس حزب الصهيونية الدينية - في مقابلته إلى جمع القوى الموجودة في هذا المعسكر ومنع تشتتها. وقال إن هدف اليمين هو وقف ضياع الأصوات والحد من الصراعات الداخلية. ووصف اتحاده مع موشيه فيغلين بأنه بداية لمسار أوسع، وتحدث عن هدف يصل إلى حكومة يمين من سبعين مقعدًا. 

وفي المعسكر الحريدي، لم يستبعد يعقوب آشر - عضو الكنيست عن ديغل هتوراه - في مقابلتهالمشاركة في حكومة يقودها أيزنكوت، وربط موقف حزبه بقدرة رئيس الحكومة المقبل على التوصل إلى اتفاق بشأن قانون التجنيد.

ثانيًا: من غزة إلى إيران... القضايا الأمنية في قلب الانتخابات

احتلت الملفات الأمنية مساحة واسعة في المقابلات، وبرزت غزة وإيران ولبنان والضفة الغربية كملفات من المتوقع أن ترافق الحكومة المقبلة. إذ قال يسرائيل كاتس - وزير الدفاع وعضو الليكود - في مقابلته إن إسرائيل أنجزت ما بين 80 - 90% من العمل في عدد من الجبهات. وشرح أن الجيش غيّر أسلوب عمله في غزة من الدخول إلى المناطق ثم الانسحاب منها إلى السيطرة على مساحات والبقاء فيها. وذكر أن ما بين 60 - 70% من مساحة القطاع أصبحت خالية، وأن الجيش دمر جزءًا كبيرًا من الأنفاق والمباني التي استخدمتها حركة حماس.

وربط كاتس مستقبل قطاع غزة بنزع سلاح حركة حماس، مؤكدًا أن الحركة تقف أمام خيارين، إما التخلي عن أسلحتها وتفكيك شبكة الأنفاق، أو أن يتولى الجيش الإسرائيلي تنفيذ ذلك بالقوة. وأضاف أن الجيش سيواصل البقاء داخل خطوط أمنية في القطاع بهدف حماية المستوطنات الإسرائيلية المحاذية له. 

وفيما يتعلق بتهجير سكان قطاع غزة، أشار كاتس إلى القسم الذي أنشأته الحكومة لتشجيع الهجرة من القطاع، وانطلق من موقف يرى أنه لا يمكن التوصل إلى حل حقيقي من دون تهجير سكانه. وقال إن إسرائيل مستعدة لنقل الراغبين بالمغادرة بحرًا أو جوًا إذا وُجدت دول توافق على استقبالهم، في ظل رفض دول عربية، وفي مقدمتها مصر، لهذا الطرح. كما ربط إمكان تنفيذ الخطة بالحصول على دعم أميركي للدول المستقبلة، مؤكدًا أن الفكرة جُمّدت لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المرحلة الحالية ولم تُلغَ.

وانتقل كاتس إلى إيران، وقال إن إسرائيل ضربتها مرتين وإن الولايات المتحدة شاركت في جزء من العمليات. واعتبر أن البرنامج النووي الإيراني تعرّض إلى ضربة أوقفت المسار الذي كان قائمًا، وأن إسرائيل تراقب أي محاولة لإعادة تشغيله. كما تحدث عن تطوير قدرة لسلاح الجو على تنفيذ هجمات في عمق إيران، وقال إن إسرائيل تستعد لأي رد إيراني. وربط كاتس هذه السياسة بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لكنه أكد أن إسرائيل تحتفظ بحرية التحرك إذا ما تعرضت لهجوم.

وبالنسبة إلى لبنان، قال كاتس إن إسرائيل دمرت عشرات القرى التي استخدمها حزب الله كمعاقل عسكرية، وتحدث عن إخلاء أعداد كبيرة من السكان من مناطق المواجهة. وقدم السياسة الإسرائيلية هناك كجزء من مفهوم أوسع يقوم على العمل من داخل الأراضي المجاورة لإبعاد التهديد عن الحدود الإسرائيلية.

أما في الضفة الغربية، فقال كاتس إن الجيش اقتحم مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وبقي فيها، وذكر إخلاء نحو 40 ألف شخص، وأن هذه السياسة أدت إلى انخفاض في العمليات الفدائية. كما تحدث عن إقامة 104 مستوطنات و160 مزرعة استيطانية. وأعلن العمل على نقل التنفيذ العملي لإنفاذ القانون المدني ضد المستوطنين في الضفة من الجيش إلى الشرطة مع إبقاء الصلاحية الرسمية بيد القائد العسكري. كما قدم سموتريتش الاستيطان كأحد إنجازاته، وقال إنه غير الآليات الإدارية والقانونية التي تنظم الاستيطان، وربط هذه السياسة أيضًا بخطط تتعلق بالأراضي والتخطيط في النقب والجليل ودعا إلى زيادة الوجود اليهودي فيهما.

إلا أن خلافًا في المواقف ظهر بين كاتس ويائير غولان بشأن عنف المستوطنين. حيث رفض كاتس مصطلح "الإرهاب اليهودي" في وصف الأعمال التي يرتكبها المستوطنون ضد الفلسطينيين، ورفض الاعتقال الإداري ضد مرتكبيها. في المقابل، قال غولان إن جهاز الشاباك يحتاج إلى الاعتقال الإداري لمواجهة عناصر الإرهاب اليهودي وحذر من أن استمرار العنف ضد الفلسطينيين سيدفع إلى تصعيد أمني في الضفة. في المقابل، دعا أيزنكوت إلى تحويل النتائج العسكرية إلى مكاسب سياسية وأمنية طويلة المدى، وانتقد إدارة الملف الفلسطيني والوضع في لبنان عبر واشنطن من دون سياسة إسرائيلية واضحة تستثمر نتائج الحرب. 

ثالثًا: السابع من أكتوبر  2023... صراع على المسؤولية والرواية

قاد النقاش الأمني مباشرة إلى سؤال المسؤولية عن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث قال غولان إن هناك حملات تشويه تستهدف معسكرًا سياسيًا وأمنيًا كاملًا، وربط الهجمات عليه وعلى المسؤوليّن العسكرييْن السابقيْن نوعام تيفون ويسرائيل زيف بدورهم في السابع من أكتوبر وبكونهم خارج معسكر نتنياهو. ورأى أن اتهام أشخاص بالخيانة يحول الخلاف السياسي إلى تشكيك في الولاء ويعرض المستهدفين للخطر.

ووصف بينيت رواية الخيانة من الداخل بأنها فرية متعمدة تهدف إلى إبعاد المسؤولية عن نتنياهو، وحمل نتنياهو مسؤولية سياسية عن سياسة استمرت سنوات تجاه حماس وعن الاعتقاد بإمكان احتواء الحركة، لكنه ميز بين المسؤولية وبين القصد. وقال إنه لا يتهم نتنياهو بتعمد الوصول إلى السابع من أكتوبر، ولا يتهمه بتلقي أموال من قطر من دون دليل، وانتقد في المقابل توجيه اتهامات بالخيانة إلى الجيش والشاباك.

بينما قدم أيزنكوت تفاصيل تتعلق بالساعات التي سبقت الهجوم، وقال إن معلومات عن نشاط غير اعتيادي في غزة وصلت إلى مكتب نتنياهو ومستشاره الاستخباراتي منذ الساعة الثالثة والنصف فجرًا، واستند إلى تحقيقات الجيش والشاباك التي قال إنه اطلع عليها في لجان سرية. وربط أيزنكوت ذلك بتجربة من العام 2018، عندما حاول الوصول إلى نتنياهو في أثناء سقوط مقاتلة إسرائيلية في سورية ولم ينجح لمدة ساعة أو ساعتين. وقال إنه اتخذ قرارًا بتنفيذ هجوم قبل وصول رئيس الحكومة، ثم حصل لاحقًا على دعمه، واستخدم هذه الواقعة للرد على الادعاء بأن إيقاظ نتنياهو قبل السابع من أكتوبر كان سيغير النتيجة وحده.

واتهم أيزنكوت محيط نتنياهو بعرض محاضر الكابينيت بصورة انتقائية، ودعا إلى نشر نتائج التصويت على دخول غزة ورفح ومحور فيلادلفيا وغيرها من القضايا. بينما ربط ليبرمان بدوره المسؤولية عن السابع من أكتوبر بالمشاركة في الحكومة المقبلة، وقال إن من شارك في الحكومة وقت الهجوم ولم يتحمل المسؤولية ورفض لجنة تحقيق رسمية يجب ألا يشارك في الحكومة المقبلة.

رابعًا: هوية الدولة ... جهاز القضاء ووثيقة الاستقلال

انتقلت المقابلات من المسؤولية السياسية إلى شكل النظام الدستوري والقيم التي ستحدد هوية الدولة. حيث حذر بلسنر من استمرار القوانين التي أقرتها الحكومة في الملف القضائي، وركز على طريقة تعيين القضاة وعلى مكانة المستشارية القانونية للحكومة. ورأى أن استمرار المسار الحالي سيزيد التأثير السياسي في تعيين القضاة، وربط إصلاح الديمقراطية بإصلاح الخدمة العامة من خلال تعيينات مهنية، وتخطيط طويل الأمد، وتقليص عدد الوزارات.

وقدم بينيت اقتراحًا دستوريًا يقوم على سن وثيقة الاستقلال كقانون أساس وجعلها مقدمة لدستور إسرائيلي مع سن قانون أساس للتشريع يحدد قواعد العمل بين الحكومة والكنيست والمحكمة، وربط هذا التصور بين هوية إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي وبين المساواة في الحقوق المدنية لجميع المواطنين.

وكذلك، أيد أيزنكوت إعطاء وثيقة الاستقلال مكانة مركزية، وهو يرى أنها يجب أن تكون مرجعًا لمستقبل إسرائيل، وأشار إلى وجود مسودة قانون لديه تتعلق بقيمها. وأيد عميحاي كوهين - نائب رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية لشؤون البحث - إدخال الوثيقة في النظام الدستوري.

في المقابل، رأت تمار روستوفسكي براندس - الباحثة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية - في جلسة حوارية أن الخلاف يتجاوز صلاحيات المحكمة وآليات سن قوانين الأساس ويتعلق بشكل الدولة والمجتمع والقيم التي تحكمهما. وأشارت إلى أن النظام الدستوري بات يتضمن قانون أساس يتعلق بدراسة التوراة، بينما لا يثبت بصورة مماثلة قيم وثيقة الاستقلال.

خامسًا: الجيش أمام معادلة القوى البشرية والمساواة

ظهر موضوع تجنيد الحريديم كأحد الملفات التي ستؤثر في شكل الائتلاف الحكومي المقبل؛ لأنه يجمع حاجة الجيش إلى القوى البشرية مع الخلاف حول المساواة ومكانة دراسة التوراة. في هذا السياق، رفض ليبرمان إعفاء نحو 4500 من طلاب المدارس الدينية، وقال إن حكومة يشارك فيها لن توافق على هذه الصيغة، وربط موقفه من أيزنكوت بالخلاف حول عدد الإعفاءات ومضمون قانون التجنيد.

وقال سموتريتش إنه يريد تغييرًا واسعًا في تجنيد الحريديم، وحمل يولي إدلشتاين وآخرين مسؤولية إفشال قانون قال إن القيادة الحريدية كانت مستعدة لدعمه. واعتبر أن تصويت أرييه درعي وموشيه غافني لمصلحة قانون يرفع التجنيد تدريجيًا كان سيمنح الخدمة العسكرية شرعية أكبر داخل المجتمع الحريدي، واقترح مسارات تشمل مدارس دينية عسكرية وبرامج تحضيرية وأطرًا تلائم نمط الحياة الحريدي داخل الجيش. أما أيزنكوت فقد اكتفى بالقول أن قانون التجنيد ضمن أولويات الحكومة المقبلة.

ورأت شلوميت رافيتسكي تور باز - مديرة مركز جاكوبس للمجتمع المشترك في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية - في جلسة حوارية أن تجنيد 500 شاب في الفترة الأخيرة لا يمثل تحولًا كافيًا، وقسمت الملف إلى ثلاثة مستويات، وهي: حاجة الجيش إلى القوى البشرية وتأثير الاحتياط في العائلات والاقتصاد، والمساواة في تحمل العبء، والمسؤولية الدينية عن المشاركة في الدفاع وقت الحرب. فيما حملت الحكومة جزءًا من المسؤولية، وقالت إن سياسات الدعم والحوافز شجعت نموذجًا يسمح بعدم الخدمة وبمشاركة اقتصادية أقل.

وفي المقابل، فضل يسرائيل كوهين - المحلل في إذاعة "كول براما" - في جلسة حوارية طريقة التغيير التدريجي للتعامل مع القضية، وقال إنه لا يعارض تجنيد من لا يكرسون حياتهم لدراسة التوراة إذا اختاروا ذلك وفي أطر تحافظ على نمط حياتهم. ورأى أن دمج الحريديم في الاقتصاد والتعليم يجب أن يحتل مساحة أكبر، ودعا إلى الحوار ومنع العودة إلى الانقسام الداخلي الذي سبق السابع من أكتوبر.

سادسًا: الشرطة بين الجريمة والتسييس

تكرر ملف الجريمة لا سيما في المجتمع العربي في معظم المداخلات، ثم خصص المؤتمر جلسة كاملة له مع تركيز على ارتفاع عدد القتلى في المجتمع العربي، وتراجع الثقة بالشرطة ودور جهاز الشاباك في مكافحة الجريمة. في هذا المقام، دعا ي. غولان إلى تشكيل قوة مهام حكومية تجمع وزارات المالية والداخلية والأمن الداخلي والعدل مع ميزانية لا تقل عن مليار شيكل. ورأى ليبرمان أن وزارة الأمن القومي لا تستطيع مواجهة الجريمة وحدها وطالب بهيئة وطنية تضم الشرطة والشاباك وسلطة الضرائب. فيما دعا بينيت إلى إعادة كابينيت مكافحة الجريمة الذي عمل خلال حكومته، وحمل إيتمار بن غفير مسؤولية تدهور الوضع ثم حمل نتنياهو مسؤولية تعيينه.

من جانبه دعا أيزنكوت إلى تعيين وزير مهني وزيادة ميزانية الشرطة وإعادة أفراد شرطة غادروا خلال السنوات الماضية، وربط مكافحة الجريمة بالتعليم والقيادة والحيز العام. أما سموتريتش فدعا إلى تعريف انتشار السلاح في المجتمع العربي تهديدًا للأمن القومي وإدخال جهاز الشاباك، وتشديد العقوبات بالسجن حتى 20 عامًا على الإدانة بحيازة السلاح والاتجار به، وربط ذلك بمكافحة الاقتصاد الأسود.

من جانبه، قال تومر لوتان - المدير العام السابق لوزارة الأمن الداخلي / القومي - في جلسةحوارية إن إسرائيل تعيش أزمة في الأمن الشخصي، وإن عدد القتلى ارتفع إلى أكثر من ضعفي ما كان عليه في فترات سابقة. وحمل السياسة العامة منذ نهاية 2022 وبداية 2023 مسؤولية مركزية، ورفض تفسير الفشل بنقص برامج التجسس أو أفراد الشرطة أو صلاحيات الشاباك، واستند إلى تجربة الحكومة السابقة ليقول إن الشرطة استطاعت خفض عدد القتلى خلال العام 2022 بالرغم من فقدان بعض أدوات المراقبة.

وقالت راوية حندقلو - المديرة العامة لمركز "إيلاف لتعزيز الأمن في المجتمع العربي" - في جلسةحوارية إن عدد القتلى في المجتمع العربي يمثل جزءًا من أزمة أوسع تشمل منظمات جريمة تفرض قواعدها، وأشخاصًا يعيشون تحت التهديد ونسبة منخفضة في حل قضايا القتل. ورأت حندقلو أن انهيار الثقة بالشرطة هو نتيجة للفشل وليس سببًا له، ورفضت إدخال الشاباك إلى المجتمع العربي لمكافحة الجريمة، وقالت إن هذا النهج يتعامل مع المواطن العربي كتهديد أمني ويزيد أزمة الثقة. وطالبت بخطة تشارك فيها مؤسسات الدولة والسلطات المحلية وتعالج الأمن والاقتصاد والتعليم معًا.

ويرى عيران كامين - العميد المتقاعد والمحامي - في جلسة حوارية إن الشرطة أصبحت أقل مهنية وأكثر ميلًا لإرضاء المستوى السياسي، وأنها تعاني من تراجع الكفاءة في التعيينات، وربط الجريمة المنظمة بالفساد والاقتصاد الأسود وطالب بمعالجة مصادر المال والنفوذ التي تسمح لمنظمات الجريمة بالدخول إلى مؤسسات الحكم والتوسع داخلها.

بينما ربطت ياعيل ليتمنوفيتس، رئيسة برنامج الشرطة والأمن الداخلي في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية- في جلسة حوارية - الأمن الشخصي بالديمقراطية؛ وقالت إن الثقة أداة عمل للشرطة، لأن المواطن الذي لا يثق بها لا يبلغ عن الجريمة ولا يقدم المعلومات ولا يتعاون معها. وانتقدت عمليات استعراض القوة التي لا تنتج إنفاذًا عادلًا ومهنيًا، ورفضت التعامل مع جهاز الشاباك كبديل عن إصلاح الشرطة.

ختامًا، يتضح مما ذكر أن الانتخابات المقبلة - من وجهة نظر المشاركين - ستحدد قدرة إسرائيل على التعامل مع أزمات أمنية وسياسية واجتماعية تراكمت منذ السابع من أكتوبر. وترتبط هذه القدرة مباشرة بالاتجاه السياسي الذي ستفرزه الانتخابات؛ حيث يدفع اليمين نحو استمرار النهج الأمني والاستيطاني، فيما تركز قوى المعارضة على تغيير الحكومة وإعادة تنظيم المؤسسات وتوسيع قاعدة التوافق الداخلي. ومن هنا ترتبط أهمية الانتخابات بقدرة الائتلاف المقبل على تحويل هذا الاتجاه إلى قرارات في ملفات مترابطة تمس الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني في إسرائيل.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات