المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • برهوم جرايسي

لربما أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يمرّ في هذه الأيام، في المرحلة الأصعب من حيث شعبيته، في العامين الأخيرين، في أعقاب الاتفاق الأميركي الإيراني، وسلسلة التقارير الإسرائيلية والعالمية، التي تتحدث عن تدهور علاقته بالرئيس دونالد ترامب، لكن من السابق لأوانه الحديث عن "انهياره" سياسيا، فهو مرّ بعواصف أشد، خاصة في الأشهر القليلة الأولى بعد هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حينما تدهور حزبه، الليكود، في استطلاعات الرأي العام إلى حتى 16 مقعدا، وهذا نصف قوته البرلمانية الحالية، 32 مقعدا، لكنه عاد إلى صدارة الاستطلاعات، ليصل إلى مستويات مرتفعة نسبيا، مثل 28 مقعدا، ويعزز هذا التقدير أداء المعارضة التي تنتقد الاتفاق مع إيران، وتتعهد، ضمنا، بعدم التراجع أمام إيران، في حال تولت الحُكم. 

فقد داهم الاتفاق الأميركي الإيراني بما حمل من تفاصيل، تقل عن التطلعات الإسرائيلية، وعما كان يريد نتنياهو وحكومته تحقيقه في الحرب على إيران، في فترة اشتد فيها الحراك نحو الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي ستجري بعد 4 أشهر من الآن، وهذا ما جعل نتنياهو تحت وطأة مقارعة أقطاب المعارضة البرلمانية له، التي انتقدت مضمون الاتفاق، واتهمت نتنياهو بالعجز السياسي، الذي أدى إلى اتفاق كهذا.

وإن لم يكف هذا، فقد "اجتهدت" الإدارة الأميركية، ورئيسها دونالد ترامب، لتصدير الخلافات الحادة بين ترامب ونتنياهو إلى وسائل الإعلام، ومنها ما جاهر به ترامب شخصيا به، ووصل إلى حد إهانة نتنياهو شخصيا، وزاد على هذا، تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، مساء الخميس من الأسبوع الماضي، التي هاجم فيها بشدة وزراء في حكومة نتنياهو، لانتقادهم الاتفاق مع إيران.

وكان دي فانس قد حذّر وزراء إسرائيل من مهاجمة الرئيس ترامب، وقال إن ترامب هو "رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي يُظهر الآن تعاطفًا مع إسرائيل"، مضيفًا: "لو كنت عضوًا في الكابينيت الإسرائيلي، فربما لم أكن لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم كله".

كما أشار دي فانس إلى أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري الأميركي، قائلًا إن "ثلثي وسائل الدفاع التي حمت وطنكم، صُنعت بأيدٍ أميركية ودُفعت من أموالنا".

وقال المحلل السياسي الإسرائيلي في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، إيتمار آيخنر، في اليوم التالي، إنالقيادة السياسية الإسرائيلية "صُدمت من هجوم دي فانس".

تقلبات متسارعة في استطلاعات الرأي العام

أجمعت سلسلة استطلاعات الرأي العام، التي نشرت في الأسبوع الماضي، على تراجع ملموس في تقديرات قوة حزب الليكود، بزعامة بنيامين نتنياهو، بما بين 4 إلى 5 مقاعد بالمعدل، من 25 و26 مقعدا في استطلاعات الأسابيع الأخيرة، إلى ما بين 23 وحتى 21 مقعدا في آخر الاستطلاعات.

لكن ليس الليكود فقط، بل أيضا "منافسه الأبرز"، تحالف رئيسي الحكومة السابقين نفتالي بينيت ويائير لبيد، الذي من الممكن القول إنه بات "يتفرقع" في استطلاعات الرأي، فهذا التحالف، غير المتجانس من حيث جمهور مصوتي الحزبين، اجتماعيا وحتى سياسيا، بدأ مع 27 و28 مقعدا، لدى الإعلان عنه، في نهاية نيسان الماضي، ثم بدأ يتدهور، ووصل إلى نتائج استطلاعات تتراوح ما بين 20 وحتى 17 مقعدا.

ليس هذا فحسب، بل إن حزب "يشار" (استقامة) بزعامة رئيس الأركان الأسبق، غادي أيزنكوت، أطاح بهذا التحالف من مقدمة أحزاب المعارضة في منافسة الليكود، وبات يحصل بأكثر من مقعد، وحتى 3 مقاعد، من تحالف بينيت لبيد.

وحافظت توزيعة باقي المقاعد على حالها تقريبا، وأيضا من حيث توزيعة المقاعد بين "المعسكرات"، من 49 إلى 52 مقعدا لفريق الائتلاف، ومن 58 إلى 61 مقعدا لأحزاب المعارضة، و10 مقاعد للعرب، بعد أن ابتعد احتمال تشكيل "القائمة المشتركة" لجميع الأحزاب المشاركة في الانتخابات، لكن عدد المقاعد التي "تخصصها" الاستطلاعات للعرب، وهذا خلل كبير جدا، قد تنقلب إلى الأعلى بعد اتضاح شكل خوض الانتخابات بشكل نهائي.

نشير أيضا إلى متغير ذي دلالة، وهو أن جميع استطلاعات الرأي العام التي نشرت الأسبوع الماضي، قالت إن حزب "الصهيونية الدينية" بزعامة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بات يجتاز نسبة الحسم، ويحصل على نتيجة الحد الأدنى- 4 مقاعد، وهذا قد يزيد لاحقا، لكن هذه المقاعد جاءت على حساب توزيعة المقاعد ضمن أحزاب الفريق الحاكم.

وبالإمكان التقدير بأنه لو جرت الاستطلاعات بعد الهجوم، السابق ذكره هنا، وغير المسبوق في عهد ترامب، لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، على ساسة إسرائيل، لكان انعكس هذا أيضا في نتيجة حزب الليكود، لأن نتنياهو رفع سقف التوقعات من إدارة ترامب، إلى أقصى الحدود، من حيث "متانة التزامه بإسرائيل، مهما كانت سياستها"، والآن يتضح، أو كما يظهر على السطح، فإن الحبل بدأ يقصر، وهذا لا يعني تخلي الإدارة الأميركية عن إسرائيل، بل لأنه يتأكد مجددا أن "لا حدود لشراهة الأطماع الإسرائيلية الإقليمية".

فالحرب على إيران دفع ثمنها المواطن الأميركي في محطات الوقود، على الأقل، وهذا تبعه ارتفاع في أسعار كثيرة، لكن أكثر من هذا، بحسب التقارير المتعددة، فإنه ليست فقط شعبية ترامب تدهورت إلى حضيض غير مسبوق بالنسبة له، بل أيضا حزبه الجمهوري، وهو على أعتاب الانتخابات التشريعية النصفية للكونغرس الأميركي ومجلس الشيوخ (السينات)، يوم 5 تشرين الثاني المقبل.

هل يستعيد الليكود بعضا من قوته؟

نشير بداية إلى أن مشروع قانون حل الكنيست، الذي أنجز المرحلة الثانية (القراءة الأولى)، وقبل الأخيرة، ما زال متجمدا في مسار التشريع، منذ ثلاثة أسابيع؛ وحتى مطلع الأسبوع الجاري، لم يكن باديا بأن هناك اتفاقًا على تاريخ انتخابات مبكرة، ببضعة أيام عن التاريخ المحدد في القانون، 27 تشرين الأول المقبل، لأن إقرار القانون نهائيا يعني التوقف فورا عن إنجاز قوانين خلافية مع المعارضة، وهي عديدة، من ضمن سلسلة قوانين موجودة في مسار التشريع حاليا، ومنها قوانين تخدم كتلتي الحريديم بالذات، اللتين بادرتا لحل الكنيست، وقوانين تخدم أجندة الائتلاف الحاكم ككل، وبضمنه كتلتي الحريديم أيضا.

لهذا، فإذا ما انتهى الشهر الجاري، حزيران، من دون إنجاز قانون حل الكنيست، فإنه حتى احتمال تقديم الانتخابات ببضعة أيام سيسقط، لتجري الانتخابات في موعدها القانوني، أي يوم 27 تشرين الأول.

وهذا يعني أنه لا تزال 4 شهور، حتى يوم الانتخابات، وهذه فترة تعد طويلة جدا في السياسة الإسرائيلية، قد نشهد فيها تقلبات في مختلف الاتجاهات، التي قد تساهم في حسم النتيجة النهائية، مع ذلك علينا أن نذكر أن نتنياهو اجتاز عواصف سياسية كبيرة، في السنوات العشر الأخيرة، مثل أنه حينما تفجرت شبهات الفساد ضده، في الشهر الأخير من العام 2016، لم يبق محلل إسرائيلي واحد إلا وبدأ يعد العد التنازلي لوجود نتنياهو في الحلبة السياسية، وزاد هذا حينما تبلورت الشبهات بلائحة اتهام في العام 2021 وبدء محاكمته، المستمرة حاليا في مرحلتها القضائية الأولى.

 واجتاز نتنياهو خلال تلك الفترة 5 جولات انتخابية، أبقته في صدارة النتائج، خاصة في الانتخابات الأخيرة، التي جرت يوم 1 تشرين الثاني 2022، وشكّل نتنياهو بعدها الحكومة الأكثر ثباتا منذ 38 عاما، إذ أنه حتى لو تم تقديم الانتخابات ببضعة أيام، فإن هذا لا يلغي أن الانتخابات ستجري في موعدها القانوني، لأول مرة منذ العام 1988، وهذه سادس مرة تجري فيها الانتخابات في موعدها، منذ أول انتخابات إسرائيلية جرت في العام 1949.

والآن في قضية الاتفاق الأميركي الإيراني، وعلى الرغم من التراجع الحاصل في قوة الليكود في الاستطلاعات، ففي هذه النقطة، نشير إلى أن ما سيقلل ضرر نتنياهو من الاتفاق لاحقا، هو موقف رؤساء أحزاب المعارضة الأساسية، المعارض للاتفاق، ليس فقط من باب مقارعة نتنياهو بالذات، بل لأن تصريحاتهم كانت تتبعها تهديدات واضحة لإيران، في حال وصولهم إلى الحكم، وبالذات تصريحات نفتالي بينيت، الذي يواصل تراجعه في استطلاعات الرأي، ما يعني، واستنادا للتجارب الكثيرة، فإنه بعد هدوء العاصفة، التي قد تنهي الحرب فعلا مع إيران، ولربما أيضا في لبنان، واحتمال أن ينعكس هذا على الأوضاع الاقتصادية والأسعار، من وقود وغيرها، فالاحتمال كبير بأن يستعيد نتنياهو وحزبه بعضا من قوتهما التي حققاها في الانتخابات الأخيرة.  

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات