المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 5
  • وليد حباس

في انتخابات 27 تشرين الأول 2026 فازت الأحزاب العربية بـ 19 مقعدًا، وهو أعلى رقم في تاريخها، وقرابة ضعفي مقاعدها في الكنيست المنتهية ولايته. حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، ومعسكر أيزنكوت على 48. لا يبلغ أيٌّ منهما الـ61 من دون الأحزاب العربية، مع أن كليهما تعهّد قبل الاقتراع بألا يعتمد عليها. هذا الحساب يجعل العرب صانعي الحكومة، لكن قواعد اللعبة السياسية في الدولة تبقيهم خارج تشكيلها. والفجوة بين الأمرين ليست أزمة ائتلافية عابرة، بل هي السؤال الذي طرحه مئير كهانا من على منصة الكنيست قبل أربعة عقود. 

ماذا قال كهانا عن النواب العرب في الكنيست؟

في حديث مصور من مكتبه في الكنيست، يرجح أنه يعود إلى فترة عضويته بين 1984 و1988، قالكهانا:  

"كم عربيا سيجلس في الكنيست بعد عشر سنوات؟ فنحن، في نهاية المطاف، دولة ديمقراطية... كم عربيا سيجلس ويستمع إلى تقرير سري يقدمه رئيس الأركان؟ ربما يكون رئيس الأركان عربيا؛ ولم لا؟ إنها الديمقراطية!"...

ثم تابع "ثمة تناقض مطلق بين الديمقراطية الغربية والصهيونية. أنا أؤيد الديمقراطية لكل يهودي، لكنني أرفضها للعرب. الحل الوحيد هو تبادل السكان. لقد نقلنا بالفعل 800 ألف يهودي من البلدان العربية إلى صهيون؛ والآن وصلنا إلى المرحلة الثانية: [علينا نقل] العرب إلى بلاد العرب.... أعلن أن ذلك أخلاقي، وضروري، وصهيوني، ومتوافق مع الشريعة اليهودية، ومنطقي. أنا لا أكره العرب. أنا أحب الشعب اليهودي. لديهم 22 بلدا، ولدينا بلد واحد، وهو لنا، ولنا وحدنا. العرب إلى بلاد العرب، واليهود إلى صهيون، والسلام للشرق الأوسط... اليوم أحظى بالجلوس مع توفيق طوبي وتوفيق زيّاد؛ كم توفيقًا سيكون هنا بعد عشر سنوات؟ [...] كم عربيًّا سيجلس في الكنيست بعد عشر سنوات؟".

وُلد كهانا في بروكلين عام 1932، ونشأ في حركة بيتار التصحيحية، ثم صار حاخامًا ومحاميًا. أسّس "رابطة الدفاع اليهودية" في نيويورك، وهاجر إلى فلسطين العام 1971، وأسّس فيها حركة "كاخ" على فكرة دولة لليهود وحدهم. اعتقلته السلطات الإسرائيلية إداريًّا العام 1980، وانتُخب للكنيست العام 1984. ثم عدّلت الكنيست قانون أساس لكي تمنعه من الترشح مجددًا، فشطبت قائمته العام 1988. اغتيل في نيويورك في تشرين الثاني 1990، وتم حظر حركة "كاخ" العام 1994. اليوم، عادت الكهانية إلى "صدر البيت" الإسرائيلي عبر حزب إيتمار بن غفير. 

من فصل "التناقض النهائي"

من زنزانته في سجن الرملة، كتب كهانا كتابًا بعنوان "يجب أن يرحلوا" (They Must Go) ونشره العام 1981. جاء الفصل السادس من الكتاب بعنوان "التناقض النهائي" وفيه يبني الحجة المتعلقة بمشاركة العرب في كنيست دولة إسرائيل. ما يلفت في الفصل أنه لا ينطلق من التوراة ولا من العداء للعرب، بل من النص المؤسِّس للدولة، أي "وثيقة الاستقلال". يرى كهانا أن الصدام قائم داخل وثيقة الاستقلال نفسها بين الجزء الذي أنشأ الدولة اليهودية، والجزء الذي وعد بـ "مساواة تامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها" حتى لو كانوا عربًا لا يهودًا. وبكلمات أخرى، وبينما رأت الدولة في حينها في وثيقة الاستقلال رمزًا جماليًا يفتخر به أمام الدولة الغربية والليبرالية، وعلامة على تبييض صفحة إسرائيل بعد كارثة النكبة، فإن كهانا في المقابل كان يقرأ وثيقة الاستقلال بشكل حرفي، وذكي واستشرافي.  

بكلمات أخرى، ذهب كهانا بمسألة المساواة إلى نهايتها المنطقية (ومن هنا عنوان فصله السادس). إن كانت المساواة التي تعد بها وثيقة الاستقلال حقيقية، فهي لا تقتصر على الخدمات والميزانيات، بل تشمل حق العرب في أن يغيّروا طبيعة الدولة نفسها عبر صناديق الاقتراع. من هنا يكتب كهانا في مقدمة الفصل: "ثمة تناقض لا يمكن حلّه في نهاية المطاف بين دولة يهودية، ودولة يتمتع فيها العرب واليهود بحقوق متساوية، بما في ذلك حق العرب في أن يضعوا حدًّا للدولة اليهودية بصورة ديمقراطية وسلمية". ويضيف مباشرة: "إن من يرفضون منح العربي هذا الحق، ويقولون له في الوقت نفسه إنه متساوٍ، يظنّونه أحمق".

بهذه العبارة يصيب كهانا الصهيونية الليبرالية أكثر مما يصيب خصومها. فهو لا يقول إن الوعد بالمساواة خطأ أخلاقي، بل يقول إنه وعد كاذب، وإن العرب أنفسهم يدركون أن مساواتهم داخل اللعبة الديمقراطية كاذبة. وعليه، فالتهديد الذي يحذّر منه ليس العربي الذي يحمل السلاح، بل العربي الذي يحمل ورقة اقتراع.

لكي يبرّر الحسم، يعرّف كهانا اليهود بأنهم «أمة-دين» (religio-nation)، ويسرد في كتابه تاريخ الاضطهاد من الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش إلى الهولوكوست. ويستخلص منه درسًا واحدًا: "لا تكونوا أقلية أبدًا. أبدًا مرة أخرى!". بعد ذلك يطبّع كهانا الفكرة بالمقارنة عندما يكتب ويقول إن الجمهوريات الإسلامية تثبّت هويتها العربية والإسلامية في دساتيرها، فلماذا يتعذر الأمر نفسه على اليهود؟ الشرط الذي يضعه كهانا لاستمرار وجود العرب في دولة اليهود واضح؛ فهو يريد أغلبية يهودية دائمة، أما الأقلية العربية فعليها دائمًا أن تكون "صغيرة، هامشية، وهادئة" ومن يُخلّ بهذا الشرط يجب أن يرحل.

المثل يقول: "دجاجة حفرت على رأسها عفرت"

دفعت تصريحات كهانا هذه إلى تعديل "قانون أساس: الكنيست" العام 1985، وفي ضوء هذا التعديل تم استبعاد حزب كهانا نفسه! فقد أقرت الكنيست التعديل في 31 تموز 1985، عبر إضافة المادة 7أ التي تحدد أسباب استبعاد قوائم المرشحين من الانتخابات، وهذا نص المادة:

"تمتنع قائمة مرشحين عن المشاركة في انتخابات الكنيست، ويمتنع أي شخص عن الترشح لانتخابات الكنيست، إذا تضمنت أهداف القائمة أو أعمالها، أو أعمال الشخص، بما فيها تصريحاته، بحسب مقتضى الحال، صراحة أو ضمنًا، أحد الأمور التالية: 

(1) إنكار وجود دولة إسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية؛

(2) التحريض على العنصرية؛

(3) تأييد كفاح مسلح تخوضه دولة عدوة أو منظمة إرهابية ضد دولة إسرائيل".

لكن الصورة لم تكن بهذه البساطة، إذ كان في خلفية هذا التعديل على قانون أساس الكنيست جدلان اثنان.

من جهة، أثار برنامج كهانا العنصري جدلًا حول صلاحية استبعاد حزبه. بينما سمحت المحكمة بمشاركته العام 1984 لغياب سند تشريعي صريح، فأضاف تعديل 1985 التحريض على العنصرية سببًا للاستبعاد، ومهد لحظر مشاركته العام 1988.

لكن من جهة ثانية، كان هناك جدل آخر حول القائمة التقدمية للسلام بقيادة محمد ميعاري. اتهمت لجنة الانتخابات القائمة بإنكار وجود إسرائيل، وسمحت المحكمة بمشاركتها العام 1984 لقصور الأدلة. أضاف التعديل إنكار وجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي سببًا للاستبعاد، فأصبح التعريف القومي للدولة معيارًا لأهلية الترشح. 

عقيدة "الأغلبية اليهودية"

على هذا النحو، رسم تعديل قانون أساس: الكنيست حدود المشاركة السياسية حول قطبين، حماية الطابع اليهودي للدولة وحماية الديمقراطية من التحريض العنصري. تكشف قراءة هذين القطبين معًا عن التوتر الذي تناوله كهانا، والطرق التي طورتها المنظومة لإدارته. فالعربي يدخل الكنيست بوصفه مواطنًا، وتواجه مشاركته سؤالًا متجددًا حول مقدار التأثير الذي يستطيع ممارسته حين يتعلق الأمر بهوية الدولة وحدودها ومستقبلها السياسي؛ أو اختصارًا: في دولة إسرائيل "الديمقراطية"، هل يحق للعربي التدخل في قرارات الدولة المصيرية؟

منذ ذلك الوقت، تمحور الجدل في إسرائيل حول من يملك شرعية اتخاذ القرارات المصيرية في إسرائيل. هل هي أغلبية النواب المنتخبين من جميع المواطنين، أم أغلبية النواب اليهود تحديدًا؟ اكتسب السؤال أهميته خلال مسار أوسلو، عندما منح دعم النواب العرب حكومة إسحق رابين القدرة على تمرير توجهاتها السياسية.

يرى عودة بشارات، أن اعتماد رابين على النواب العرب حمل تحوّلًا ديمقراطيًا، لأنه منح المواطنين العرب، عبر ممثليهم، دورًا فعليًا في تقرير مستقبل الدولة. في المقابل، طعنت أصوات في اليمين بشرعية إقرار أوسلو بسبب اعتماد الأغلبية المؤيدة له على أصوات عربية، وطالبت أصوات في أقصى اليمين بحصر القرارات الجوهرية باليهود. ويعد بشارات هذا الطعن أحد عناصر التحريض الذي سبق اغتيال رابين. بذلك، تعلق الخلاف بمعنى المواطنة وحدود تأثيرها. يقوم منطق الأغلبية المدنية على تساوي أصوات النواب وقدرتهم على حسم القرار، بينما يمنح معيار "الأغلبية اليهودية" الهوية القومية للنائب وزنًا إضافيًا في تحديد شرعية النتيجة. 

ويرى عالم الاجتماع تامير سوريك أن رابين هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة. فبحسب روايته، دافع رابين عن اعتماد حكومته على خمسة أصوات عربية ولم يخجل من ذلك، ورفض ما يسمّى "الأغلبية اليهودية" ووصفها بأنها عقيدة عنصرية. فماذا حصل؟ تم اغتيال رابين، وبقي المعيار. ويرى تحليل منشور العام 2021 أن الجدل حول حكومة رابين رسّخ لدى أغلبية اليهود قناعة بأن القرارات الأمنية والسياسية المهمة تحتاج إلى أغلبية يهودية، وأن الائتلاف الذي يعتمد على الأحزاب العربية غير شرعي. وفي استطلاع العام 2019، لم يؤيد ضمّ الأحزاب العربية إلى الائتلاف سوى أقل من خُمس اليهود. ² وبكلمات أخرى، ما رآه كهانا موقفًا هامشيًّا صار قناعة عامة.

هنا تبدأ إسرائيل بالانجراف نحو كهانا. لا يعني ذلك أنها تتبنى الترحيل، بل إنها تقبل تشخيصه وتعيد صياغة علاجه بلغة إدارية. في العام 2018 حصر قانون القومية حق تقرير المصير في الشعب اليهودي. وفي العام 2024 أقرّت الكنيست بالقراءة التمهيدية مشروع أوفير كاتس لتوسيع أسباب منع الترشح، وهو مشروع رأت فيه منظمات حقوقية تطبيقًا لرؤية كهانا للنواب العرب. وكتب باحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن دعوة كهانا إلى الحسم لصالح اليهودية سُمعت أخيرًا بعد أن نضجت شروطها.

حين تصبح الأقلية العربية "غير هادئة"، يملك النظام خيارين فقط، كما رأى كهانا. إما أن يكفّ عن كونه يهوديًّا بالمعنى الذي يريده، أو أن يكفّ عن كونه ديمقراطيًّا بالمعنى الذي يدّعيه. كل المؤشرات أعلاه تميل إلى الخيار الثاني. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات