أعلن السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (Mike Huckabee) أنه بعد انتهاء مذكرة التفاهم الحالية (2019-2028)، التي تحصل إسرائيل بموجبها على نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأميركية، فإن المذكرة المقبلة لن تتضمن مساعدات عسكرية مالية مباشرة. هذا ما أكده أيضًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة، بالقول إن إسرائيل تسعى، على المدى البعيد، إلى تقليص اعتمادها على المساعدات الأميركية المباشرة والانتقال إلى صيغة شراكة مختلفة مع واشنطن.
منذ سبعينيات القرن الماضي، وبصورة مؤسسية منذ توقيع أول مذكرة تفاهم أمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1999، شكّلت المساعدات الأميركية أحد الأعمدة المركزية في بناء الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وعلى امتداد عقود، تداخلت الصناعات العسكرية في الجانبين، وتقاربت تصورات الأمن القومي، وتشابكت الأهداف السياسية والإقليمية، بما جعل المساعدات العسكرية أكثر من مجرد أداة دعم مالي، بل آلية لتنظيم العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.
في هذا السياق، يفرض التحول الجاري في هذه العلاقة أسئلة جوهرية تستدعي التوقف عندها.
فوفق الرؤية التي يطرحها نتنياهو، تتجه إسرائيل نحو إنهاء اعتمادها على المساعدات الأميركية بصورة تدريجية بعد عام 2028، وصولًا إلى تقليصها بشكل شبه كامل بحلول عام 2038. يحمل هذا التحول جملة من التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية على إسرائيل والولايات المتحدة وطبيعة علاقتهما الاستراتيجية. وتسعى هذه الورقة إلى استعراض أبرز هذه التداعيات وتحليل دلالاتها المحتملة.
تنقسم الورقة إلى ثلاثة أقسام. يقدم القسم الأول سياقًا تاريخيًا لتطور المساعدات الأميركية لإسرائيل، مع تركيز خاص على مرحلة مذكرات التفاهم (1999-2028) التي كرست الطابع المؤسسي والاستراتيجي للعلاقة. ويشرح القسم الثاني كيفية إسهام هذه المساعدات في صياغة التحالف الأميركي–الإسرائيلي، من خلال دمج الصناعات العسكرية، وترسيخ التفوق العسكري الإسرائيلي، وتطوير آليات التأثير والرقابة الأميركية. أما القسم الثالث، فيتناول الانتقال من حقبة المساعدات العسكرية المباشرة إلى مرحلة السعي نحو "الانفطام" عنها، ويستعرض القوى السياسية الدافعة لهذا التحول، ليخلص إلى أن ما يجري يعبر عن إعادة هيكلة للدعم الأميركي أكثر مما يعبر عن تراجعه، عبر قنوات جديدة تقوم على الشراكات الصناعية والعسكرية وتخضع بدرجة أقل للرقابة السياسية التقليدية.
أولًا: السياق التاريخي للمساعدات الأميركية لإسرائيل
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى 2025 التزمت الولايات المتحدة بما يقارب 174 مليار دولار،[1] من المساعدات لإسرائيل (عسكرية، اقتصادية، ودفاع صاروخي)، وبالتالي فهي أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأميركية. وقد مرت المساعدات الأميركية لإسرائيل بمراحل عدة، على النحو الآتي:
- مرحلة الدعم الأميركي الاقتصادي (1949-1973)
تميّزت هذه المرحلة بطابع اقتصادي وتنموي واضح، إذ تعاملت الولايات المتحدة مع إسرائيل باعتبارها دولة ناشئة تحتاج إلى الدعم المالي لاستيعاب موجات الهجرة اليهودية، وبناء البنية التحتية، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والمؤسساتية. خلال هذه الفترة، تجنبت واشنطن الانخراط المباشر في الصراع العربي-الإسرائيلي من خلال تقديم مساعدات عسكرية واسعة، وفضّلت الحفاظ على توازن نسبي في المنطقة، خاصة في ظل التزاماتها ضمن "الإعلان الثلاثي" (أميركا-بريطانيا-فرنسا) عام 1950 الذي قيّد مبيعات السلاح لدول الصراع. لذلك شكّلت المساعدات الاقتصادية الأداة الرئيسة للعلاقة الثنائية، قبل أن يؤدي التحول الذي أعقب حروب إسرائيل عام 1967 ثم 1973 إلى انتقال تدريجي نحو نموذج الشراكة الأمنية والعسكرية الذي أصبح السمة المميزة للعلاقة بين البلدين لاحقًا. ما بين 1949-1967، بلغ إجمالي المساعدات الأميركية المتراكمة نحو مليار دولار.

- مرحلة التعاون العسكري القائم على مساعدات (1973-1999)
شكلت هذه المرحلة نقطة التحول الأهم في مسار المساعدات الأميركية لإسرائيل، إذ انتقلت العلاقة من نموذج الدعم الاقتصادي إلى نموذج الشراكة الأمنية والعسكرية. جاء هذا التحول في أعقاب حرب 1973، عندما اعتبرت واشنطن إسرائيل حليفًا استراتيجيًا مركزيًا في مواجهة النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط. خلال هذه المرحلة ارتفعت المساعدات العسكرية بصورة كبيرة وأصبحت المكون الرئيس للمساعدات الأميركية، بينما تراجع الوزن النسبي للمساعدات الاقتصادية تدريجيًا. كما تعزز التعاون في مجالات التسليح والتكنولوجيا العسكرية والتدريبات المشتركة، وربطت الولايات المتحدة جزءًا متزايدًا من استراتيجيتها الإقليمية بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي. وفي نهاية هذه المرحلة، ترسخت أسس التحالف الأمني بين البلدين وأصبحت المساعدات العسكرية أداة مركزية في إدارة العلاقة الاستراتيجية بينهما.

- مرحلة مذكرات التفاهم (1999- 2028)
في هذه الفترة، انتقلت المساعدات الأميركية لإسرائيل من إطار الدعم السنوي المتغير إلى إطار مؤسساتي واستراتيجي أكثر استقرارًا. بدأت هذه المرحلة مع توقيع أول مذكرة تفاهم عام 1999، ثم تعززت بمذكرات لاحقة ضمنت لإسرائيل تدفقات مالية وعسكرية ثابتة لسنوات طويلة. خلال هذه الفترة، ترسخ الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل داخل منظومة من القوانين والقرارات والمبادرات التشريعية، وعلى رأسها مبدأ الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" الإسرائيلي في المنطقة. كما تحولت المساعدات إلى أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية الأميركية إجماعًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، واكتسبت مكانة شبه ثابتة في الخطاب السياسي الأميركي، على الأقل حتى اندلاع الحرب على غزة في 2023.

تجدر الإشارة الى أن مذكرة التفاهم المعمول بها اليوم (2019-2028) تشمل مساعدات تصل قيمتها إلى نحو 3.8 مليار دولار سنويًا (انظري الشكل 1). في 2022، زادت المساعدة عن 3.8 إلى 4.8 مليارات لأن الكونغرس أقر تمويلًا إضافيًا للدفاع الصاروخي المشترك (مثل القبة الحديدية) بقيمة تقارب مليار دولار استجابةً لتحديات تهديدية متزايدة. أما في 2024، جاءت الزيادة بـ8.7 مليارات فوق 3.8 من خلال حزمة طوارئ تضمنت 3.5 مليارات كمنح إضافية، و5.2 مليارات للدفاع الصاروخي ومنظومة الدفاع الجوي، كاستجابة مباشرة لحرب غزة وتوسّع الجبهة (غزة، لبنان، إيران)، أي أنها "مساعدات حرب" وليست تعديلًا دائمًا على القاعدة السنوية.

ثانيًا: كيف ساهمت المساعدات العسكرية في صياغة شكل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟
لا تقتصر المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل على كونها تحويلات مالية، بل تشكل آلية بنيوية تربط المنظومتين الأمنيتين في البلدين، وترسخ مبدأ التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة ضمن الإطار القانوني والسياسي الأميركي، وفي الوقت نفسه تمنح واشنطن أدوات تأثير ورقابة على إسرائيل. ثمة ثلاثة أبعاد مهمة لدور المساعدات الأميركية لإسرائيل:
2.1 الاعتماد البنيوي والاندماج بين الصناعات العسكرية
تشير التقديرات أنه في 2026، كانت المساعدات الأميركية تشكل نحو 15% من ميزانية الأمن الإسرائيلية، لذلك فإن أي تقليص أو وقف لهذه المساعدات سيتطلب تعديلات مالية كبيرة لسد العجز في ميزانية الأمن التي بلغت في عام 2026 نحو 112 مليار شيكل (نحو 34.6–35.6 مليار دولار).
لا بد من الإشارة إلى أن إحدى أهم ركائز العلاقة العسكرية بين البلدين تكمن في آلية اشتغال المساعدات الأميركية لإسرائيل، والتي تعزز دورة مشتريات واسعة بين البلدين. فمذكرة التفاهم الموقعة عام 2016 ألزمت إسرائيل بإنفاق 75% من أموال المساعدات داخل الولايات المتحدة عام 2019، ارتفعت النسبة إلى 92% عام 2026، وستصل إلى 100% بحلول عام 2028. لا تعني هذه الاشتراطات التي بموجبها على إسرائيل إنفاق المساعدات الأميركية على شراء أسلحة أميركية بالذات (أي أن المساعدات تعود الى الاقتصاد الأميركي)، أن إسرائيل غير مستفيدة. فقد أصبحت الصناعات العسكرية الإسرائيلية وفي مقدمتها الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، ورافائيل، وإلبيت سيستمز، تمتلك حضورًا واسعًا داخل السوق الأميركية، وتزود الشركات الأميركية بمكونات فرعية وأنظمة تكنولوجية. هذا يعني أن المجمّعين العسكريين-الصناعيين للبلدين متشابكان فعليًا لا مجرّد حليفين، ويتشاركان في رؤوس الأموال، وخطوط الإنتاج، وسلاسل التوريد.
2.2 التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي (QME)
يشكل مبدأ "التفوق العسكري النوعي" (Qualitative Military Edge - QME) أحد الأعمدة الأساسية للمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل منذ عقود، وقد اكتسب هذا المبدأ مكانة قانونية ملزمة عام 2008، عندما أقر الكونغرس الأميركي تشريعًا يفرض على الإدارة الأميركية التأكد من أن أي صفقة سلاح مع دولة في الشرق الأوسط لا تمس بالتفوق العسكري النوعي الإسرائيلي.
يعمل هذا المبدأ في اتجاهين متكاملين. فمن جهة، يلزم الولايات المتحدة بفحص تأثير أي صفقة سلاح إقليمية على ميزان القوة مع إسرائيل. ومن جهة أخرى، يضمن لإسرائيل أولوية الوصول إلى أكثر المنظومات العسكرية الأميركية تقدمًا. وتبقى معظم التقييمات الرسمية المتعلقة بالتفوق العسكري النوعي وثائق سرية غير متاحة للجمهور.
بذلك، يحول مبدأ التفوق العسكري النوعي التفوق الإسرائيلي من خيار سياسي تتبناه الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى التزام قانوني مؤسسي يوجه سياسة التسليح الأميركية في الشرق الأوسط ويجعل الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي جزءًا من البنية القانونية الناظمة للعلاقة بين البلدين.
2.3 قانون ليهي والاستخدام الأخلاقي للمساعدات وآليات الرقابة الأميركية
يشكل قانون ليهي، الذي يحمل اسم السيناتور الأميركي باتريك ليهي (Patrick Leahy)، أحد أبرز الأطر القانونية التي تربط المساعدات العسكرية الأميركية بـ "اعتبارات حقوق الإنسان". وينص القانون على حظر تقديم المساعدات العسكرية أو التدريب أو الدعم الأمني لوحدات تابعة لقوات أمن أجنبية (بما فيها إسرائيل) يثبت تورطها بشكل موثوق في "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان". ومنذ عام 2008 أصبح هذا المبدأ جزءًا دائمًا من قانون المساعدات الخارجية الأميركي.
غير أن الممارسة الفعلية تكشف عن فجوة واسعة بين النص القانوني وتطبيقه. فعلى الرغم من سنوات طويلة من التقارير الحقوقية والاتهامات المتعلقة بانتهاكات ارتكبتها وحدات إسرائيلية، لم تعلن وزارة الخارجية الأميركية حتى اليوم حرمان أي وحدة إسرائيلية من المساعدات بموجب قانون ليهي، في حين طُبقت الإجراءات نفسها على وحدات عسكرية وأمنية في دول أخرى، من بينها أوكرانيا والأردن ومصر. يعود ذلك إلى وجود آلية خاصة بإسرائيل تعرف باسم "منتدى الفحص الإسرائيلي لقانون ليهي" (ILVF)، وهي آلية استثنائية لا تطبق على أي دولة أخرى.
في عام 2024 كشفت ProPublica أن وزير الخارجية الأميركي آنذاك، انطوني بلينكن، امتنع عن تبني توصيات دعت إلى فرض عقوبات على وحدات إسرائيلية اتهمتها جهات أميركية بارتكاب انتهاكات خطيرة. تكشف هذه الحالة أن التحالف الأميركي–الإسرائيلي يقوم على ما هو أكثر من مجرد الدعم المالي والعسكري.
تكشف هذه الأبعاد الثلاثة أن المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، خلافًا للمساعدات الموجّهة إلى دول أخرى في الشرق الأوسط كمصر أو الأردن، تتجاوز كونها علاقة تبعية مالية أحادية الاتجاه، وتحولت عبر السنين إلى بنية اندماجية مركّبة. والنتيجة هي تحوّل العلاقة بين البلدين من تحالف سياسي إلى ما يشبه نظامًا أمنيًا-صناعيًا عابرًا للحدود، يقوم على مصالح مادية مشتركة تشمل شركات، ولجان كونغرس، وأجهزة دفاع؛ وهؤلاء يملكون مصلحةً مادية في استدامة التشابك بصرف النظر عن حسابات السياسة الخارجية المتغيّرة أو الكلفة الأخلاقية المترتبة عليه.
ثالثًا: تقدير موقف
ماذا يعني انتهاء حقبة المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل؟
في ظل الحرب على غزة، لكن ليس بالضرورة بسببها، تبلورت في إسرائيل والولايات المتحدة نقاشات جدّية حول جدوى استمرار المساعدات العسكرية الأميركية البالغة 3.8 مليار دولار سنويًا، وتُمثّل نحو 15٪ من ميزانية الدفاع الإسرائيلية، وارتفعت إلى ما يقارب 35% بعد الزيادات التي أعقبت السابع من أكتوبر. وقد أعلن نتنياهو صراحةً رغبته في "خفض الدعم المالي الأميركي إلى الصفر" تدريجيًا على مدى عقد، معتبرًا ذلك انعكاسًا لنضج إسرائيل كقوة عسكرية مكتفية ذاتيًا. ويمكن التميز بين ثلاثة مواقف رئيسة تجاه الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل:
- التيار الأميركي الديمقراطي التقدمي: ظهر خلال حروب إسرائيل الأخيرة على غزة، ابتداء من هجوم أيار 2021، وصولًا إلى حرب الإبادة في 2024-2025، تيار متنامٍ في الولايات المتحدة يطالب بوقف أو تقييد تحويلات الأسلحة لإسرائيل، تدفعه اعتبارات قانونية-أخلاقية، أهمها انتهاك إسرائيل للقانون الدولي الإنساني، وعرقلتها دخول المساعدات الإنسانية لسكان قطاع غزة. ففي نيسان 2026 صوّت مجلس الشيوخ على قرارين قدمهما السيناتور بيرني ساندرز (Bernie Sanders) لوقف صفقات أسلحة لإسرائيل. ورغم سقوط القرارين، فإنه من المهم التأكيد على أن أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء الكتلة الديمقراطية (أكثر من 35 عضوًا من أصل 47) أيدوا وقف إحدى الصفقتين على الأقل، مما يشكل سابقة. يعود هذا التحول إلى تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل بين الديمقراطيين، إذ أظهر استطلاع لمركز بيو في آذار 2026 أن 80% من الديمقراطيين والمستقلين الميالين للحزب يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. وفي مجلس النواب، قاد 18 نائبًا تقدميًامشروع "Block the Bombs Act". ويساندهتحالف من أكثر من 80 منظمة حقوقية ودينية وتقدمية. وتشير استطلاعات الرأي أن 60% من الأميركيين يعارضون إرسال السلاح، وحوالي 75% من الناخبين الديمقراطيين يعارضون ذلك. لكن قوة هذا التيار تبقى محدودة تشريعيًا؛ فلا تزال أغلبية الكونغرس، والبنية الحزبية الرسمية، تدعم استمرار الـ3.8 مليار دولار سنويًا.
- تيار "أميركا أولًا" المحافظ الجمهوري: ينطلق هذا التيار من منطق ربح-خسارة، ويرى أن المساعدة الخارجية، على سبيل المثال لكن لا الحصر الـ 3.8 مليار دولار سنويًا لإسرائيل، تضع أعباء على دافع الضرائب الأميركي لكنها لا تخدم مصالحهالمباشرة، خصوصًا إذا توجهت إلى بلد يوفر لمواطنيه رعاية صحية شاملة وتعليمًا مجانيًا (أي إسرائيل)، وهو ما يفتقده الأميركيون أنفسهم. أبرز وجوههالنائبة مارجوري تايلور غرين (Marjorie Taylor Greene)، والنائب توماس ماسي (Thomas Massie)، والسيناتور راند بول (Rand Paul)، ومن الشخصيات الإعلامية تاكر كارلسون (Tucker Carlson) وستيف بانون (Steve Bannon). ينتقد هذا التيار سياسات الولايات المتحدة الحالية ويصفها، ساخرًا، بأنها سياسات "إسرائيل أولًا" بدلًا من أن تكون "أميركا أولًا" وهم يرفضون حتى تمويل الإيباك (AIPAC). قوة هذا التيار صاعدة لكنها محدودة مؤسسيًا. مثلًا، 51% من الجمهوريين الشباب يفضّلون مرشحين يخفضون المساعدة، و53% يعارضون تجديدها. لكن هشاشة هذا التيار أمام المؤسسة الحزبية تجلّت في خسارة النائب توماس ماسي (Thomas Massie) الانتخابات التمهيدية الجمهورية في كنتاكي (2026) أمام إيد غالرين (Ed Gallrein) المدعوم من ترامب؛ وهو خسارة عزتها مارجوري تايلور غرين إلى نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل، معتبرةً أن "مقعدًا في الكونغرس يمكن شراؤه".
- تيار إسرائيلي يميني يتزعمه نتنياهو: يتبنّى نتنياهو خطابًا يقدّم إسرائيل كقوة مكتفية ذاتيًا، معلنًا في مقابلة مع The Economistثم على برنامج 60 Minutesرغبته في "خفض الدعم المالي الأميركي إلى الصفر" خلال عشر سنوات، وقال: "حان الوقت لنفطم أنفسنا عن الدعم العسكري المتبقي". وتدعم هذا التيار بعض المعطيات: فقد نما الاقتصاد الإسرائيلي نحو 115% بالقيمة الحقيقية خلال عقدين، وبلغ نصيب الفرد من الناتج 64 ألف دولار متجاوزًا ألمانيا وبريطانيا، فيما وصلت صادرات إسرائيل الدفاعية إلى نحو 14.8 مليار دولار سنويًا بحلول 2024. ويجادل أنصار هذا التوجه بأن المساعدات تُضعف القاعدة الصناعية الدفاعية الإسرائيلية، وتعمل أساسًا كتدفق مضمون لمتعهدي السلاح الأميركيين. ويعزّز هذا الموقف توجّه إسرائيل نحو سلاسل إنتاج أرخص عبر الهند. فخلال زيارة رئيس الهند ناريندرا مودي (Narendra Modi) إلى القدس، وُقّعت صفقات دفاعية بـ8–10 مليارات دولار حوّلت العلاقة من مجرّد بيع وشراء إلى تطوير وتصنيع مشتركين ضمن مبادرة "Make in India"، مثل مشروع بنادق Adani–IWI، ما يخفّض الكلفة ويوسّع قاعدة الإنتاج الإسرائيلية.
ومع أن هذه التيارات تختلف في منطلقاتها الفكرية والسياسية أثناء دعوتها إلى وقف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، فإنها تتفق فيما بينها على الأمر.
المساعدات الأميركية قد تزداد فعليًا، لكن عبر قنوات بديلة
يوحي النقاش الدائر حول مذكرة التفاهم المقبلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأن مرحلة المساعدات العسكرية المباشرة التي تبلغ حاليًا 3.8 مليارات دولار سنويًا تقترب من نهايتها. غير أنّ هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع الدعم الأميركي، بل قد يقود إلى زيادة حجمه وتغيير طبيعته.
ففي النموذج القائم اليوم، تحصل إسرائيل على 3.3 مليارات دولار سنويًا من برنامج التمويل العسكري الخارجي، إضافة إلى 500 مليون دولار للتعاون في الدفاع الصاروخي، ضمن سقف ثابت يبلغ 3.8 مليار دولار سنويًا مدةَ عشر سنوات. كما استفادت الصناعات العسكرية الإسرائيلية لسنوات من آلية "المشتريات الخارجية" (OSP) التي أتاحت إنفاق جزء من المساعدات داخل إسرائيل، وهو ما وفر دعمًا غير مباشر قارب 825 مليون دولار سنويًا. ومع انتهاء هذه الآلية بحلول عام 2028، يتوقع كثيرون تراجع استفادة الصناعات العسكرية الإسرائيلية. إلا أن الاتجاه المستقبلي يشير إلى انتقال العلاقة من نموذج "المساعدات" إلى نموذج "الشراكة الصناعية العسكرية". ففي هذا النموذج لا يرتبط التمويل بسقف سياسي محدد، بل بحاجات الإنتاج والتسليح داخل المنظومة الدفاعية الأميركية نفسها. وعليه، تستطيع الشركات الإسرائيلية تحقيق عوائد أكبر عبر التصنيع المشترك، وترخيص التكنولوجيا، والصيانة، والتحديث، والإنتاج طويل الأمد.
يقدم مشروع إنتاج صواريخ "تامير" التابعة لمنظومة القبة الحديدية مثالًا واضحًا على هذا التحول. فقد أُنشئت خطوط إنتاج مشتركة داخل الولايات المتحدة بين شركة "رافائيل" الإسرائيلية وشركة "رايثيون" الأميركية، وحصل المشروع عام 2025 على عقد بقيمة 1.25 مليار دولار. في هذه الحالة تستفيد الولايات المتحدة من الوظائف والإنتاج المحلي، بينما تستفيد إسرائيل من التكنولوجيا والملكية الفكرية والعوائد الصناعية المستمرة.
من هذا المنظور، يشكك بعض المراقبين في خطاب نتنياهو حول "الانفطام عن المساعدات الأميركية"، ويرون أن ما يجري يعبر عن انتقال من نموذج المنح العسكرية المباشرة إلى نموذج أكثر اندماجًا يقوم على الشراكات الصناعية والعسكرية. يتجسد ذلك في توسيع مشاريع البحث والتطوير المشتركة، ودمج الشركات الإسرائيلية في برامج الإنتاج والتسليح الأميركية، وتعزيز اتفاقيات الترخيص والتصنيع المشترك، والاستفادة المتزايدة من التكنولوجيا والملكية الفكرية الإسرائيلية داخل المنظومة الدفاعية الأميركية. كما ينقل هذا التحوّل العلاقة من إطار المساعدات الخارجية الخاضع لإشراف الكونغرس ووزارة الخارجية، إلى إطار تديره مؤسسات الدفاع والصناعات العسكرية ويرتكز إلى اعتبارات الجاهزية العسكرية والقدرة الإنتاجية والمصالح الاستراتيجية المشتركة. بذلك، قد يتخذ الدعم الأميركي أشكالًا جديدة وربما أوسع حجمًا، مع تراجع هامش الرقابة السياسية التقليدية عليه.
|
الخلاصة |
من المتوقع أن تسعى إسرائيل تدريجيًا (2028-2038) إلى إنهاء اعتمادها على المساعدات العسكرية الأميركية. وخلال 2026، بدأ نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس جهودًا لصياغة مذكرة تفاهم جديدة (2029-2038) تحلّ محلّ الحالية التي ينتهي العمل بها أواخر عام 2028. في 2 حزيران 2026، أكد السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، للمرة الأولى بشكل علني عبر منصة X أن "مذكرة التفاهم الأمنية المقبلة ستنهي المساعدات المباشرة". يفترض أن تنص المذكرة الجديدة على تقليص المساعدات المباشرة تدريجيًا بدءًا من عام 2029، وصولًا إلى إلغائها بالكامل بين عامي 2038 و2039.
إن مخطط إسرائيل لإنهاء المساعدات العسكرية الأميركية خلال العقد القادم يتجاوز كونه إعادة هندسة تدفقات المال والسلاح، ويعبّر عن لحظة تأسيسية في تطور عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي. فبعد ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة على غزة ولبنان وإيران، خرجت إسرائيل بصورة دولة معسكرة إلى حد بعيد، توظف اقتصادها وتكنولوجيتها وصادراتها الدفاعية بوصفها مصادر دائمة للقوة، وتربط أمنها واستمرار تفوقها بقدرتها على إدارة الحروب وإنتاج أدواتها. ويشكل "الانفطام" المعلن عن المساعدات الأميركية البعد المالي لهذا التحول، عبر الانتقال من موقع المتلقي للدعم إلى موقع الشريك المساهم في إنتاج القوة العسكرية والتكنولوجية.
يكمن جوهر التحول في انتقال إسرائيل نحو نموذج يسعى إلى إنتاج عناصر القوة العسكرية ذاتيًا، من خلال شراكات صناعية وتكنولوجية متعددة المصادر تمتد من الولايات المتحدة إلى الهند وغيرها. ويدفع ذلك باتجاه ترسيخ تفوق عسكري يستند إلى قدرات إنتاجية وصناعية محلية وشبكات تعاون دولية واسعة، بما يعزز هامش الاستقلال الاستراتيجي الإسرائيلي وقدرته على فرض وقائع جديدة في محيطه الإقليمي.
أما تداعيات هذا التحول فتطال الفلسطينيين والمنطقة بأسرها. فتراجع أدوات الرقابة الأميركية المرتبطة بالمساعدات العسكرية، بما في ذلك آليات الإشراف على استخدام السلاح، يمنح المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مساحة أوسع للحركة ويقلص أدوات الضغط الخارجية. كما أن تعاظم الاكتفاء الذاتي في مجال التسليح يعزز قدرة إسرائيل على مواصلة سياسات الحسم العسكري والضم والتوسع الاستيطاني مع قدر أقل من التأثر بالضغوط السياسية الدولية. وفي هذا السياق، يفقد الرهان على المساعدات الأميركية باعتبارها أداة محتملة للضغط على إسرائيل جزءًا مهمًا من فاعليته.
[1] وذلك حسب القيمة الحالية (غير معدّلة للتضخم). أما في حسب القيمة الثابتة (قيمة الدولار في 2024)، فتقدَّر المساعدات الكلية لإسرائيل بحوالي 298 مليار دولار.