نشر المغني البريطاني بوي جورج، في 26 تموز 2026، عبر حسابه على منصة "إكس"، أغنية جديدة حملت عنوانًا عبريًا هو "عود نركود" (أي "سنرقص مجددًا") وأرفقها بكلمة "شالوم" (سلام). ووصلت الأغنية إلى جمهور وسائل التواصل مباشرة، عبر تسجيل يتجاوز ثلاث دقائق، يقوم موسيقيًا على قالب قريب من البوب والريغي، ويُختتم بمقطع يغنيه بوي جورج باللغة العبرية، فيما لم تكن متاحة على منصات البث الموسيقي المعتادة.
تعلن هذه الأغنية موقفها السياسي منذ كلماتها الافتتاحية، إذ تقابل بين توصيف الحرب على قطاع غزة بأنها "إبادة جماعية" وبين تقديمها باعتبارها حربًا وردًّا عسكريًا. كما تستعيد أحداث مهرجان "نوفا" في 7 تشرين الأول 2023، وتنتقد موسيقيين وفنانين رفعوا الأعلام الفلسطينية أو انخرطوا في حملات التضامن مع الفلسطينيين، متهمة إياهم بترديد الدعاية وبامتلاك "ذاكرة انتقائية". وفي لازمتها يعلن بوي جورج وقوفه إلى جانب اليهود، رابطًا موقفه بشعار "سنرقص مجددًا"، الذي ترسّخ داخل الخطاب الإسرائيلي تعبيرًا عن التعافي.
أثارت الأغنية، منذ نشرها، موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط الفنية والإعلامية وعلى شبكات التواصل، واعتبر منتقدون أنها تتبنّى الرواية الإسرائيلية للحرب وتتجاهل ما خلّفته العمليات العسكرية في غزة. وامتد الجدل خلال أيام إلى مشاركة بوي جورج المرتقبة في العرض المسرحي الغنائي "يسوع المسيح سوبرستار" في لندن، قبل إعلانه الانسحاب منه. وربطت الدعوات الاحتجاجية والانتقادات الصادرة عن فنانين بريطانيين بين الأغنية ومشاركته في العرض، فيما امتنع مدير أعماله عن إرجاع الانسحاب إليها صراحة. وهكذا انتقلت الأغنية سريعًا من نطاق الموقف الفردي إلى سجال أوسع حول الفن والحرب وحدود التضامن السياسي داخل المجال الثقافي الغربي.
يأتي هذا الموقف من فنان يحتل مكانة معروفة في تاريخ موسيقى البوب البريطانية منذ صعوده في ثمانينيات القرن الماضي، مستندًا إلى مسيرة فنية طويلة مع فرقة "Culture Club" وفي الغناء المنفرد والمسرح الغنائي. كما تمتد علاقته بإسرائيل إلى سنوات سبقت الحرب الحالية، فقد أحيا مع فرقته حفلًا في تل أبيب العام 2017، وواجه دعوات المقاطعة بتأكيده أنه يغني للجمهور بعيدًا عن السياسيين، ورفض تشبيه إسرائيل بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وكتب آنذاك أن "إسرائيل في قلبي".
اتخذ هذا الارتباط طابعًا سياسيًا أكثر وضوحًا بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ففي العام 2024، انضم بوي جورج إلى أكثر من أربعمائة شخصية من العاملين في الصناعات الثقافية والترفيهية وقّعوا رسالة تؤيد استمرار مشاركة إسرائيل في مسابقة "اليوروفيجن" وترفض الدعوات إلى استبعادها. وخلال مشاركته في المسابقة العام 2026، ربط رفضه المقاطعة بصداقاته الطويلة مع يهود بريطانيين وارتباطه بالشعب اليهودي، مع تمييزه حينها بين هذا الارتباط وتبنّي موقف محدد من إسرائيل. وجاءت أغنية "سنرقص مجددًا" لتدفع بهذا المسار خطوة إضافية، ناقلةً خطابه من رفض المقاطعة والتضامن مع اليهود إلى تأييد واضح للرواية الإسرائيلية بشأن الحرب على غزة.
الموسيقى والذاكرة الإسرائيلية: من "نوفا" إلى تلقّف أغنية "سنرقص مجددًا"
أُقيم مهرجان "سوبر نوفا" للموسيقى الإلكترونية في منطقة "رعيم"، بالقرب من قطاع غزة، خلال ليلة السادس والسابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بمشاركة آلاف الإسرائيليين الذين تجمعوا للرقص والاستماع إلى موسيقى الترانس، قبل أن تصل أحداث السابع من تشرين الأول إلى موقعه. وخلال الأسابيع التالية، تجاوز اسم "نوفا" دلالته كمهرجانٍ موسيقي، ليغدو عنوانًا لـ "جماعة من الناجين وعائلات القتلى"، وإطارًا منظمًا لبرامج الدعم النفسي والتوثيق وإحياء الذكرى. وفي هذا السياق، أسّس منظمو المهرجان "جمعية مجتمع قبيلة نوفا"، التي تعرّف مهمتها بـ "دعم التعافي طويل الأمد لنحو 3500 ناجٍ و2500 من أفراد العائلات الثكلى".
رافق بناء هذا الإطار المجتمعي إنتاج متسارع للرموز والطقوس التذكارية، فتحوّل موقع الحفل قرب "رعيم" إلى فضاء للزيارة وإقامة المراسم، وأصبحت الساعة السادسة وتسعًا وعشرين دقيقة صباح 7 تشرين الأول 2023، وهي اللحظة التي توقفت عندها الموسيقى، علامةً زمنية تتكرر في الاحتفالات والنصب والمعارض. وحمل المعرض الذي افتُتح بداية في تل أبيب عنوان "6:29 صباحًا: اللحظة التي توقفت فيها الموسيقى"، وتم عرض منصات الحفل والمركبات المحترقة والمقتنيات الشخصية وشهادات الناجين، قبل انتقاله إلى مدن عدة، من بينها نيويورك ولوس أنجلس وبرلين ولندن. وقدّم الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ المعرض، خلال افتتاح نسخته الأولى، باعتباره فضاءً للذاكرة الجماعية وشاهدًا على ما جرى في ذلك الصباح.
احتل شعار "سنرقص مجددًا" موقعًا مركزيًا داخل هذه المنظومة التذكارية، إذ استخدمته جمعية "نوفا" في أنشطتها، وظهر في المعارض والنصب الفنية والحفلات السنوية التي جمعت الناجين وعائلات القتلى والفنانين الإسرائيليين. كما أصبح عنوانًا لفيلم وثائقي أُنتج بمشاركة إسرائيلية وبريطانية وأميركية، وقد تم عرضه عبر شبكات ومنصات دولية، مستندًا إلى تسجيلات المشاركين وشهاداتهم. ويحمل الشعار معنى يتجاوز العودة الفعلية إلى الرقص، من خلال ربط الموسيقى بالحياة وتحويل فعل الرقص إلى إعلان عن البقاء والتعافي واستعادة الجماعة لذاتها. ومن هنا جاء اختيار بوي جورج للعنوان متصلًا برمز متبلور مسبقًا داخل الخطاب الإسرائيلي، فنقله من المجال الإسرائيلي الداخلي إلى فضاء موسيقى البوب العالمية، وأتاح للرواية المرتبطة بالمهرجان الوصول إلى جمهور جديد عبر صوت فنان أجنبي معروف.
تبني الأغنية خطابها على مقابلة حاسمة بين مفهومي الإبادة والحرب، عبر استبعاد التوصيف الأول وتثبيت الثاني بوصفه ردًا مشروعًا على هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ويضع هذا التقابل إسرائيل في موقع الضحية التي تدافع عن نفسها، فيما يختزل السياق الفلسطيني في صورة تهديد يستهدف الإسرائيليين، وتغيب غزة بما شهدته من قتل ودمار وتهجير وحصار عن المجال السردي للأغنية. ويتعزز هذا البناء باستدعاء ضحايا "نوفا" وتثبيت الذاكرة عند لحظة الهجوم، بما يجعل التعاطف مع الضحية الإسرائيلية مدخلًا لتفسير الحرب اللاحقة وتبريرها. كما تهاجم الأغنية الفنانين المتضامنين مع الفلسطينيين، وتصف حملهم الأعلام وترديدهم المواقف المناهضة للحرب باعتباره انقيادًا للدعاية ونتاجًا "لذاكرة انتقائية". وبهذا تعيد ترتيب مجال الشرعية الأخلاقية: إسرائيل في موضع الدفاع والبقاء، والفن المتضامن مع الفلسطينيين في موضع التضليل والانتقائية.
وحظيت الأغنية بتلقّف إسرائيلي إعلامي إيجابي ومتعدد المستويات، فقد قدّمتها "يديعوت أحرونوت" وهيئة البث الإسرائيلية العامة "كان" باعتبارها "أغنية جديدة من أجل إسرائيل"، مع إبراز دفاعها عن الحرب وانتقادها الفنانين المتضامنين مع الفلسطينيين. وعلى المستوى الأهلي والرمزي، علّق الحساب الرسمي لمهرجان "نوفا" على منشور بوي جورج بعبارة "سنرقص مجددًا"، في إشارة إلى إدراج الأغنية ضمن إطار الذاكرة المرتبطة بالمهرجان. أما المستوى الرسمي، فظهر في إعادة أورن مارمورشتاين، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، نشر الأغنية عبر حسابه مستخدمًا العبارة ذاتها، وهي استجابة صادرة عن مسؤول حكومي تختلف في طبيعتها عن صدور بيان مؤسساتي عن الوزارة. كما احتفت بها منظمات مناصرة لإسرائيل تنشط في المجالين الإعلامي والثقافي، من بينها "StandWithUs" و"Creative Community for Peace"، وقدّمتها بوصفها موقفًا شجاعًا في مواجهة "الذاكرة الانتقائية" وحملات المقاطعة. ويكشف هذا التلقّف المتدرج انتقال الأغنية من تعبير فني فردي إلى مادة متداولة داخل الإعلام الإسرائيلي، وذاكرة "نوفا"، وشبكات الدبلوماسية العامة، والحملاتالمختلفة.
جاء هذا التلقّف في سياق دولي كانت قد اتسعت فيه المواجهة والجدل حول الحضور الثقافي الإسرائيلي والحرب على غزة، فقد تصاعدت دعوات المقاطعة، ووقّع أكثر من ألف موسيقي، سابقا، رسالة تدعو إلى مقاطعة مسابقة "اليوروفيجن" بسبب مشاركة إسرائيل، فيما انسحبت خمس هيئات بث أوروبية من دورة العام 2026، ورافقت المسابقة احتجاجات وفعاليات بديلة مرتبطة بغزة. وشهدت المسارح والمهرجانات وشركات الإنتاج ضغوطًا متزايدة لاتخاذ موقف من الحرب أو مراجعة صلاتها بالمؤسسات الإسرائيلية، بالتوازي مع بروز مبادرات وتحالفات فنية داعمة للفلسطينيين. وفي هذا السياق، جاءت "سنرقص مجددًا" في اتجاه معاكس لهذا المسار، عبر دفاعها عن الموقف الإسرائيلي ومهاجمتها الفنانين المشاركين في الاحتجاجات. وسرعان ما انعكس الجدل على المسار المهني لبوي جورج، مع تصاعد الدعوات إلى الاحتجاج على مشاركته في عرض "يسوع المسيح سوبرستار" في لندن، ثم انسحابه منه بعد أيام من نشر الأغنية. وتكشف هذه التطورات عن تحوّل مشاركة الفنانين وصمتهم ومقاطعتهم إلى مواقف سياسية يمكن قراءتها ضمن صراع متزايد على الرواية والشرعية الأخلاقية في المجال الثقافي والفني دوليا.
الثقافة وصناعة الرواية: من التأصيل الصهيوني إلى دلالات "سنرقص مجددًا"
احتلت الثقافة موقعًا تأسيسيًا في عدد من تيارات الفكر الصهيوني، وخصوصًا في "الصهيونية الثقافية" المرتبطة بآحاد هعام، الذي رأى أن المشروع القومي يحتاج إلى مركز ثقافي وروحي قادر على تجديد الهوية اليهودية وصوغ وعي جمعي مشترك، إلى جانب مساره السياسي والاستيطاني. وانعكس هذا التوجه في إحياء اللغة العبرية وتطوير الأدب والتعليم والفنون والرموز العامة، باعتبارها أدوات لبناء الجماعة القومية وإنتاج تصور متماسك لماضيها وحاضرها ومستقبلها. وأدت الثقافة، ضمن هذا التصور، وظيفة تتجاوز التعبير الفني والجمالي، لتصبح ميدانًا لصناعة الهوية وتثبيت الذاكرة وتوفير لغة رمزية تمنح المشروع السياسي معناه وشرعيته داخل المجتمع.
مع قيام إسرائيل، امتدت هذه الوظيفة من بناء الهوية في الداخل إلى تقديمها في الخارج عبر الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية العامة. وأصبحت الفنون والموسيقى والأدب والسينما جزءًا من الأدوات التي تستخدمها المؤسسات الإسرائيلية، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، للتواصل مع الجمهور الدولي وبناء العلاقات مع الفنانين والمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام. من هذا المنظور، يمكن فهم سرعة تلقّف أغنية بوي جورج إسرائيليًا، فهي تستعيد رمزًا مركزيًا من رموز ذاكرة "نوفا"، وتقدّم الرواية الإسرائيلية بصوت فنان عالمي ومن خلال لغة موسيقية عاطفية قابلة للتداول خارج الأطر الرسمية، حيث يكتسب موقف الفنان الأجنبي قيمة رمزية إضافية، لأن الرسالة تصل عبر شخصية ثقافية مستقلة ظاهريًا عن أجهزة الدولة ومؤسساتها.
تكشف أغنية "سنرقص مجددًا"، في هذا السياق، عن الكيفية التي ينتقل بها الخطاب الإسرائيلي من المجال السياسي الرسمي إلى فضاءات الثقافة العالمية، مستفيدًا من شهرة الفنان وقدرة الموسيقى على إنتاج التعاطف واختزال الوقائع المعقدة داخل صور ومفردات مؤثرة. فقد أعادت الأغنية بناء الحرب انطلاقًا من ذاكرة "نوفا" وموقع الضحية الإسرائيلية، وقدّمتها ضمن مقابلة بين الحرب والإبادة، فيما غابت التجربة الفلسطينية وتداعيات العمليات العسكرية على غزة عن سرديتها. ومنح التلقّف الإسرائيلي السريع للأغنية موقف بوي جورج دلالة تتجاوز التعبير الفردي، وحوّله إلى مادة متداولة داخل الإعلام والذاكرة الجماعية وشبكات الدبلوماسية والمؤسسات والمنابر العامة.
في المقابل، أظهر الجدل الذي رافق الأغنية حدود قدرة هذا النوع من الخطاب الثقافي على إنتاج توافق خارجي، في ظل تحوّل الحقل الفني الغربي إلى ساحة للتنافس على الرواية والشرعية الأخلاقية. وتنبع أهمية الأغنية أيضًا، من كونها حالة كاشفة لطريقة اشتغال الثقافة في كل ما يرتبط بتمثيل الحرب وإعادة روايتها، وترتيب مواقع الضحايا، وتحديد الوقائع التي تحضر في الذاكرة العامة وتلك التي يجري دفعها إلى هامش السرد.