بعد أن حصد 24 مقعدًا في انتخابات العام 2022 للكنيست، وترأس المعارضة الإسرائيلية لولاية كاملة، يبدو حزب "يوجد مستقبل" الذي يقوده عضو الكنيست يائير لبيد في أسوأ حالاته منذ تأسيسه العام 2012 تمهيدًا للانتخابات بعدها بعام. فمع انضمام الحزب إلى قائمة جديدة يقودها رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت تحت اسم "معا" في نيسان الماضي تمهيدا للانتخابات القريبة وتراجع هذا التحالف في استطلاعات الرأي العام، يشهد "يوجد مستقبل" موجة انسحابات كبيرة تشمل نوابا من بين المؤسسين والجدد ممن باتوا على يقين بأنهم لن يكونوا جزءا من الكنيست المقبل أو أولئك الذين وجدوا لهم بيتا سياسيا جديدا في موقع مضمون في قائمته الانتخابية.
واللافت في الأمر أن معظم الانسحابات جرت بتنسيق كامل مع لبيد وبالتزام للإبقاء على دعم القائمة الجديدة والاستمرار في مؤسسات الحزب بل وفسرت أحيانا بمنح الفرصة الجديدة لجيل جديد من النواب وهو ما قد يشير إلى محاولة من جانب لبيد تحديدا لتأكيد الحفاظ على هوية الحزب وبقائها مستقلة، ليبقى السؤال الأساس: هل يتمكن "يوجد مستقبل" من النجاة والعودة إلى الساحة السياسية بقوة أم أن المرحلة الحالية بداية للانقراض وفقدان الهوية؟
كيف اكتسب "يوجد مستقبل" أهميته
قبل أن يصل إلى المرحلة الحالية؟
تأسس "يوجد مستقبل" العام 2012 بمبادرة من الإعلامي المعروف يائير لبيد في أعقاب ما عرف إسرائيليا بـ "احتجاج الكوتيج" الذي احتج فيه إسرائيليون على غلاء أسعار المواد التموينية الأساسية وخرجوا إلى الشوارع. اعتبر نفسه حزبا صهيونيا ليبراليا في وسط الحلبة السياسية، حمل خطابا تركز في قضايا اجتماعية مدنية، وشدد على ما يعرف بمسألة تقاسم الأعباء وضرورة تجنيد طلاب المعاهد الدينية الأرثوذكسية (الحريديم) في الخدمة العسكرية، وإصلاح منظومة التربية والتعليم، وتقليص عدد وزراء الحكومة وتحديد مدة تولي مرشح رئاسة الحكومة لولايتين وليس أكثر. أما رؤيته في القضية الفلسطينية فقد مرت بتغييرات عدة على مدار سنوات وجوده؛ ابتداء من حل الدولتين والحفاظ على الكتل الاستيطانية الكبرى والسيادة الإسرائيلية في القدس مرورا بشطب فكرة إقامة الدولة الفلسطينية العام 2021 وصولا إلى تأكيد أنها باتت مؤجلة بعد أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
مر "يوجد مستقبل" بنجاحات وإخفاقات عديدة، إذ حقق فوزا كبيرا في انتخابات 2013 التي كانت تجربته الأولى وبات القوة الثانية في الكنيست وشارك في حكومة بنيامين نتنياهو. تراجعت قوة الحزب في الانتخابات التي تلتها لأحد عشر مقعدا، وفي العام 2019 الذي شهد جولتين انتخابيتين كان "يوجد مستقبل" جزءا من تحالف ما سمي "أزرق أبيض" الذي قاده بيني غانتس، لكن الحزب سرعان ما انفصل عن هذا التحالف بعد انتخابات 2020 في إثر قرار غانتس الانضمام لحكومة بنيامين نتنياهو خلال جائحة كورونا. في انتخابات 2021 خاض "يوجد مستقبل" الانتخابات مستقلا وحصد 17 مقعدا بشكل مكنه من القيام بدور مركزي في إطار لم شمل معارضي نتنياهو في حكومة واحدة ترأسها نفتالي بينيت، وسميت حكومة التغيير، وشاركت في ائتلافها القائمة العربية الموحدة، وأنهت حكم نتنياهو الذي امتد في حينه لاثني عشر عاما متواصلا. شغل لبيد منصب رئيس الحكومة في ختام ولاية الحكومة وبعد إقرار حل الكنيست لمدة قصيرة تنفيذا لاتفاق التناوب مع نفتالي بينيت، وفي الانتخابات التي تلت ذلك في العام 2022 حصد "يوجد مستقبل" 24 مقعدا حولته إلى الكتلة الأكبر في المعارضة والتي تحوّل رئيسه إلى زعيمها.
ولعل النقطة المركزية في سياق "يوجد مستقبل" والتي قد تكون من بين ما يؤثر في مصيره، أنه ولد كحزب ذي هوية مدنية تخاطب بشكل أساس الطبقة الوسطى وتوصف بالمعادية لشرائح مجتمعية خاصة الحريديم، وليس حزبا أيديولوجيا كلاسيكيا يتعامل مع القضايا التي تثير اهتمام الشارع في كل الأوقات.
هل ترجم "يوجد مستقبل" نجاحاته الانتخابية لحالة من الاستقرار؟
يسجل لهذا الحزب أنه الثاني في تاريخ أحزاب الوسط (بعد تجربة كديما الذي أسسه أريئيل شارون وأعقبه أيهود أولمرت) الذي يتولى رئاسة الحكومة ويصبح حزبا حاكما في إسرائيل ضمن تجربة "حكومة التغيير" التي شملت أحزابا يمينية وأخرى محسوبة على الوسط وما تبقى من اليسار وحزبا عربيا، ويقوم بدور فاعل في هذه الحكومة على الرغم من أنه لم يكن الحزب الأكبر الذي أفرزته الانتخابات، كما نجح "يوجد مستقبل" في أن يكون المظلة الأساسية لتيار الوسط لسنوات طويلة على الرغم من إنشاء أحزاب أخرى أدرجت نفسها ضمن هذه التوليفة ولم تفلح في البقاء لوقت طويل، لكن المفارقة أن كل هذه الإنجازات التي انتهت بتبوء "يوجد مستقبل" رئاسة المعارضة في الكنيست المنتهية ولايته، لم تفلح في إخراج الحزب من دائرة حزب الرجل الواحد أو النجم الواحد، وهو ما يذكر بتجارب كثيرة لأحزاب تأسست في وسط الحلبة السياسية الإسرائيلية منذ النكبة واندثرت لاعتمادها على أفكار ومطالب محدودة وقائد واحد أو مجموعة من القادة البارزين الذين يخبو نجمهم خلال مدة قصيرة أو "تمتص" الأحزاب الكبيرة ناخبيهم من خلال التعامل مع المطالب التي يطرحونها.
عواصف "يوجد مستقبل": من غياب الوريث إلى فقدان القضية
شهد حزب "يوجد مستقبل" منافسة يتيمة على رئاسته في العام 2024 انتهت بالإبقاء على يائير لبيد رئيسا للحزب من دون تحديد وريث محتمل من بين النواب الذين شاركوه التأسيس أو الذين انضموا إلى طريقه السياسي، وبقي الحزب بكل تفاصيله وقراراته معتمدا على شخص الرئيس على الرغم من وجود مؤسسات حزبية وفروع في مختلف المدن والمواقع الإسرائيلية، كما أن صعود "نجوم" جدد في الحلبة السياسية خاصة ضمن أحزاب الوسط على امتداد سنوات عمر "يوجد مستقبل" والشراكات التي انضم إليها خلال السنوات الأخيرة ربما تكون جزءا من أسباب احتمال بداية الاندثار، أضف إلى ذلك أن القضايا المعيشية والمدنية التي كانت جزءا من هوية الحزب وأسباب تأسيسه لم تعد القضايا المركزية التي تهم الشارع الإسرائيلي أو تشكل أولوية أساسية في سلم أولوياته خلال الأعوام الأخيرة التي تلت أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن وجود "يوجد مستقبل" في قيادة المعارضة خلال الحرب على قطاع غزة والاكتفاء بالتماهي مع سياسة الحكومة في الجانب العملياتي العسكري والانتقادات المحدودة في الجانب السياسي أفقد المعارضة عموما و"يوجد مستقبل" بشكل خاص القيمة السياسية لعدم عرضهما بديلا للحالة القائمة.
سلسلة الانسحابات: الأعراض وليست المرض....
لم تبدأ الانسحابات من "يوجد مستقبل" في الآونة الأخيرة فحسب ومع تحديد موعد للانتخابات المقبلة بل جاءت بدفعات ودوافع مختلفة، فبين النواب من اختار الحياة السياسية خارج الحزب واستقال قبل سنوات مثل أورنا بربيفاي ويوئيل روزفوزوف وغيرهما، بينما آخرون انتقلوا إلى أحزاب أخرى مثل إلعازار شتيرن الذي تحول إلى حزب غادي أيزنكوت ويوآف سيغالوفيتش الذي انضم مرشحا ثانيا في القائمة العربية الموحدة، وسبقهما عيدان رول بعام في استقالة احتجاجية. أما انسحاب نواب من الجيل المؤسس فشمل مئير كوهين وميكي ليفي وكارين إلهرار وغيرهم...
وعلى الرغم من أن معظم من غادر وأعلن عدم ترشحه في قائمة "معا" (تحالف بينيت- لبيد) عبر عن رغبته في مواصلة الطريق في الحزب فإن ثمة مؤشرات إلى مخاوف بأن التحالف مع بينيت لم يكن مجرد خطوة انتخابية بل تعبير عن ضبابية مستقبل "يوجد مستقبل" في ظل كل ما سبق ذكره.
وهنا لا بد من التذكير بأن تجربة أحزاب الوسط في إسرائيل تمتد إلى سنوات طويلة، إذ تم رصد وجود أحد عشر حزبا في الوسط السياسي بين 1948 و2006 تضاف إليها الأحزاب التي أقيمت بعد ذلك كـ "يوجد مستقبل" بزعامة يائير لبيد و"كلنا" بزعامة موشيه كحلون، وتحالف "أزرق أبيض" بقيادة بيني غانتس، هذا إلى جانب أحزاب شكلت ولم تتجاوز نسبة الحسم وتمثل في الكنيست. ولعل "يوجد مستقبل" كان بين أحزاب الوسط الإسرائيلي التي سجلت سنوات لا يستهان بها من النشاط قياسا بأحزاب الوسط الأخرى التي كانت تندثر بعد ولاية أو اثنتين وهذا يعود للتحالفات التي أجراها في الأعوام الماضية والاصطفافات التي كان يقودها أحيانا ضد حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة، ليبقى المحور الأساس الذي لا يمكن معالجته في هذه المرحلة متعلقا بفرص "يوجد مستقبل" بالتجدد والبقاء في المرحلة المقبلة التي قد تكون مرحلة بقاء نتنياهو أو ما بعد نتنياهو، بالنظر إلى المزاج الشعبي العام الذي يميل في الأعوام الأخيرة إلى اليمين واليمين المتشدد وعدم ثبات جمهور أحزاب الوسط.
المصطلحات المستخدمة:
تجنيد طلاب المعاهد الدينية, الكتلة, كديما, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو, يائير لبيد, مئير كوهين, نفتالي بينيت