لعل أبرز ما طغى على التحليلات الإسرائيلية هو الإجماع الواسع على أن توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق بشأن نهاية المواجهة العسكرية فيما بينهما يلحق بإسرائيل خسارة استراتيجية. ويمكن العثور على عدة مسوّغات تقف وراء هذا الإجماع، في مقدمها مسوّغان جوهريان: الأول، النواقص الكبيرة التي ينطوي عليها الاتفاق، والثاني، الربط مع الساحة اللبنانية لا سيما وأن إسرائيل لم تحقّق إنجازات استراتيجية بارزة في هذه الساحة الأخيرة. وبالنسبة إلى هذا المسوّغ الثاني، يُشار على وجه الخصوص إلى نجاح إيران في ربط قضية حزب الله ولبنان بملفها الخاص، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ عاجلًا أم آجلًا من حريّة عمل الجيش الإسرائيلي في الشمال، وأن تصبح إسرائيل أكثر تقييدًا مما كانت عليه قبل الحرب.
صادق الكنيست الإسرائيلي قبل أسبوع على مشروع قانون "الدفاع السيبراني الوطني" للعام 2026 بالقراءة الأولى. وتم ذلك من دون أي معارضة، وسيحال الاقتراح إلى لجنة الخارجية والأمن من أجل بحث وإعداد مشروع القانون. ويقضي المشروع بإرساء "إطار التنظيم والرقابة على الدفاع السيبراني الوطني" بشكل قانوني، من خلال ترسيخ صلاحيات وأدوات الدفاع السيبراني لمختلف الجهات التنظيمية الحكومية، ووضع مبادئ عمل محددة وآليات رقابية وتنظيمية منهجية.
انطلقت جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في 14 نيسان 2026 في العاصمة الأميركية واشنطن، برعاية أميركية؛ بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإعادة قدر من الاستقرار إلى الجبهة اللبنانية. جاءت هذه الجولة في ظل حرب مع إيران؛ ما جعل المسار اللبناني جزءًا من حساب إقليمي أوسع. من هذه الزاوية، تتعامل إسرائيل مع المفاوضات كجزء من ضغط متعدد الاتجاهات على حزب الله.
أدناه، نتناول كيف تنظر إسرائيل إلى المفاوضات مع لبنان؟ وما الذي تريده من الاتفاق؟ وأبرز العقبات التي تعترضه؟ ثم نناقش موقع إيران في هذا المسار بوصفه جزءًا من صورة إقليمية أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
تعكس نسخة شهر أيار 2026 من استطلاع الرأي العام الدوري لـ "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" الذي يجريه تحت عنوان "مؤشر الصوت الإسرائيلي" حالة مزاج عام مأزوم في إسرائيل، تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع التوترات السياسية الداخلية، وتراجع الثقة بقدرة القيادة الإسرائيلية على إدارة جبهات الحرب، خصوصًا أمام إيران وحزب الله. أُجري الاستطلاع بين 31 أيار و5 حزيران 2026، أي قبل جولة القتال الأخيرة بين إسرائيل وإيران في 7–8 حزيران.
يحتدم الجدل في الحكومة الإسرائيلية، في مقابل المؤسسة العسكرية وقيادة الجيش ومعها بنيامين نتنياهو، حول احتياجات الجيش المالية، في العام الجاري 2026، لكن الأهم احتياجاته في السنوات العشر المقبلة، لتمويل حروب قد تقع، وتوطيد الاحتلال وتعميقه، مع إشارة إلى مخططات احتلال قائمة في قطاع غزة وجنوب لبنان، وتبقى الفاتورة أمام إيران هي الأكبر، إذ يجري الحديث عن حاجة استثنائية، عدا الميزانية السنوية، بقيمة تتجاوز 122 مليار دولار، في السنوات العشر المقبلة، من دون إشارة واضحة إلى مصادر التمويل، سوى تقليص الميزانيات الاجتماعية، فمنذ أن عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لم يعد هناك من يطالب بدعم مالي أميركي، لا بل راح بنيامين نتنياهو يتحدث عن مخطط لاستغناء إسرائيل عن الدعم العسكري الأميركي، الذي يصل حاليا إلى 3.8 مليار دولار سنويًا.
أقر الكنيست الإسرائيلي في حزيران 2025 قانونًا يلزم كل حكومة إسرائيلية جديدة بصياغة وثيقة رسمية تحدد استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي. ويشكل هذا القانون تحولًا مهمًا في التفكير الأمني الإسرائيلي، لأنه ينقل، للمرة الأولى منذ العام 1948، مفهوم الأمن القومي من تقليد غير مكتوب تشكل منذ عهد بن غوريون حول الردع والإنذار والحسم، إلى وثيقة دولة رسمية وملزمة وقابلة للمراجعة الدورية. غير أن هذا التحول أكثر تعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى.
أدناه، استعراض للنقاشات الإسرائيلية الدائرة حول حدود هذا التحول وإمكاناته، ومدى قدرته على معالجة الأزمات التي كشفتها حرب 7 أكتوبر 2023، في وقت لا تزال إسرائيل تواجه صعوبة في ترجمة تفوقها العسكري وإنجازاتها الميدانية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستقرة بعد نحو 3 أعوام من "استعراض العضلات" في الشرق الأوسط.
الصفحة 1 من 634