لم تمض أيام قليلة على توقيع إسرائيل والإمارات العربية على اتفاق تطبيع العلاقات بينهما، حتى انحرف النقاش داخل إسرائيل، ومن مختلف الجهات الأمنية والسياسية والإعلامية، من الحديث عن الاستثمارات الضخمة والآفاق التي سيفتحها أمام إسرائيل والفوائد التي ستجنيها من وراء هذا الاتفاق (الذي شدد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لحظة إعلانه على أنه الأول الذي يجسد مبدأ عدم التبادلية وتقديم تنازلات لكونه قائما على أساس "سلام مقابل سلام")، إلى التهديد الكامن فيه، خاصة فيما يتعلق بما كشفه الصحافي الإسرائيلي ناحوم بارنياع في صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن أن الاتفاق سيمكن الإمارات من الحصول على طائرات إف 35 التي تعتبر الطائرات القتالية الأكثر تقدما في العالم، والتي لا تمتلكها أي دولة في المنطقة، وذلك كجزء من الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي المرعي أميركيا.
تشير جميع استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي التي أجريت منذ إعلان نتائج انتخابات الكنيست الثالثة والعشرين في آذار 2020، وحتى استطلاع القناة 12 في السادس من تشرين الأول الجاري، والاستطلاع الذي نشرته صحيفة "معاريف" يوم الجمعة التاسع من الشهر، إلى أن حزب العمل الإسرائيلي لن يتجاوز نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة. والاستطلاعات تعطي الحزب التاريخي الآيل للاندثار، نسبا قريبة من الواحد في المئة، وقد تكرر هذا التقدير في كل الاستطلاعات تقريبا بحيث تتساوى فرص حزب
أظهرت كتلة "أزرق أبيض" ورئيسها بيني غانتس في الأيام الأخيرة، حالة من التململ والامتعاض من نهج وسيطرة بنيامين نتنياهو على قرارات الحكومة، وظهر وكأن الأمر تهديد بحل الحكومة، رغم ضعف الكتلة في استطلاعات الرأي العام. وهناك شك بمدى جدية "أزرق أبيض". وعلى الأغلب فإن قرار حل الحكومة سيبقى بيد نتنياهو، الذي من المفترض أن يكون في حالة ارتباك حاليا، على ضوء استفحال انتشار كورونا، وهبوط حزبه الحاد في الاستطلاعات. ولكن حسابات نتنياهو الشخصية هي التي ستقرر في نهاية المطاف، وقد يصدر قراره في كل يوم من الآن، وحتى بضعة أشهر.
هل ستبدأ تظاهرات الاحتجاج ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والتي تطالبه بالاستقالة، سواء على خلفية تقديمه إلى المحاكمة بشبهة ارتكاب مخالفات فساد أو على خلفية فشل حكومته في مواجهة أزمة فيروس كورونا، تؤتي أكلها؟
هذا هو السؤال الذي يطغى على الكثير من التحليلات الإسرائيلية في الأيام القليلة الفائتة مع دخول هذه الاحتجاجات أسبوعها الـ15 واستقطابها للمزيد والمزيد من الإسرائيليين وبالأساس المتضررين من تداعيات الأزمتين الصحية والاقتصادية- الاجتماعية اللتين ترتبتا على تفشي فيروس كورونا وعلى الفشل في مكافحته.
قالت تقديرات جديدة صادرة عن مركز الأبحاث في بنك إسرائيل المركزي، في نهاية الأسبوع الماضي، إن الاقتصاد الإسرائيلي لن يدخل إلى مسار التعافي قبل نهايات العام المقبل 2021، وهذا على ضوء استفحال انتشار فيروس كورونا، إذ أن الوضعية الحالية في إسرائيل تعد من الأسوأ عالميا بعدد المصابين، من حيث عدد السكان. وبالرغم من ذلك فإن التقديرات ما تزال مختلفة بين ما يقوله البنك المركزي، الذي يقدّر بأن كلفة كل أسبوع إغلاق تصل إلى 9 مليارات شيكل (2.63 مليار دولار)، وبين تقديرات وزارة المالية التي تقول إن الخسائر هي 66% مما يطرحه البنك المركزي، ولكن كل المؤسسات المالية متفقة على أن البطالة ستقفز مع نهاية العام إلى 13.5%.
تثير القرارات التشريعية والسياسية الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، بناء على التعديل القانوني الذي أقرّه الكنيست بأغلبية أصوات الائتلاف الحكومي، تنفيذاً لطلب الحكومة ورغبتها، جملة من الأسئلة والمعضلات الجوهرية التي تمس صميم كيان الدولة الإسرائيلية، لما تنطوي عليه من آثار وانعكاسات جوهرية وخطيرة على المستويين المتوسط والبعيد بصورة خاصة. ففي موازاة الجانب الاقتصادي وما فيه من غموض وأسئلة تحيط بمستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، بكل فروعه وقطاعاته، جراء هذا الإغلاق الشامل المستمر، تشهد دولة إسرائيل هذه الأيام إحدى أعمق وأخطر أزمات الثقة التي عصفت بالدولة منذ
الصفحة 229 من 631