المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • شيرين يونس

أعلن العميد في الاحتياط في الجيش الإسرائيلي عوفر فينتر الأسبوع الماضي إقامة حزب يميني جديد يحمل اسم "عمخا يسرائيل" ("شعبك إسرائيل") وذلك بعد أسابيع من النقاش والتكهنات بشأن الحزب الجديد والشخصيات التي سيختارها فينتر شريكة له في الانتخابات المقبلة. 

فمن هو هذا السياسي الجديد وبماذا يؤمن؟

من الجيش إلى السياسة

أمضى عوفر فينتر أربعة و ثلاثين عاما في مواقع مختلفة ورتب في الجيش الإسرائيلي من بين أبرزها قيادته لواء غفعاتي خلال الحرب على غزة العام 2014 إلى جانب قيادة وحدة "دوفدوفان"، المرتبطة بشكل كبير بلواء الكوماندوز وتنشط بشكل أساس في الضفة الغربية. 

في تشرين الأول 2018 عين فينتر سكرتيرًا عسكريًا لوزير الدفاع، وهو منصب أتاح له العمل مع أربعة وزراء بدءًا من أفيغدور ليبرمان الذي عينه في المنصب مرورًا ببنيامين نتنياهو يليه نفتالي بينيت وآخرهم بيني غانتس. أنهى فينتر عمله في هذا المنصب العام 2020 قبل أن يعود إلى صفوف الجيش ليقود الفرقة 98 التي تضم قوات من المظليين ووحدات الكوماندوز وشاركت في العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل قطاع غزة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. 

أنهى فينتر خدمته العسكرية العام 2024 في أوج الحرب بعد أن تبين له أن رئيس هيئة الأركان السابق هرتسي هليفي لا ينوي منحه رتبة لواء. وبعد ذلك ادعى فينتر في مقابلة صحافية أن هليفي أحبط تعيينه سكرتيرًا عسكريًا لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مشيرًا إلى أن لديه تسجيلات لمحادثاته مع هليفي بهذا الشأن.

تميل معظم التقارير والمعلومات الواردة عن الشخصية الجديدة في عالم السياسة إلى التركيز على سنوات خدمته العسكرية الطويلة التي برزت فيها بعض التصريحات أو المحطات التي أثارت ضجة في أوساط كثيرة، فخلال الحرب على غزة العام 2014 والمعروفة إسرائيليًا باسم "الجرف الصامد" وجه فينتر رسالة لجنود لواء غفعاتي الذين قادهم، شملت صلاة وإشارة إلى أن الحرب هي حرب دينية ضد عدو يستخدم ما وصفه بالخطاب البذيء والمسيء، وهو ما أثار انتقادات وردود فعل غاضبة في أوساط عارضت استخدام الخطاب الديني في الجيش الإسرائيلي الذي يراد له أن يكون مؤسسة علمانية رسمية وقالت إن رسالة فينتر هي نتاج واضح للخلط بين مفاهيم الدين والدولة. كما اتهم فينتر بعد الحرب بنقل معلومات حساسة تخص الحرب إلى وزير الاقتصاد الأسبق نفتالي بينيت وسط تجاوز لقادة ومسؤولين في الجيش.

وفي الحرب نفسها كان فينتر مسؤولًا عن الإيعاز باستخدام ما يعرف بـ"إجراء هنيبعل" في الأول من آب 2014 وبعد إعلان وقف إطلاق النار إذ قتل ثلاثة جنود في رفح واحتجز جثمان أحدهم (هدار غولدن) فشن الجيش الإسرائيلي غارات مكثفة وقصفًا عنيفًا لم يقتصر على الأنفاق بل طاول مساحات واسعة شملت مساكن مدنيين غزيين، ضمن إجراء قال فينتر إنه محاولة لمنع اختطاف الجثمان وفي ظل حالة من التخبط في صفوف الجيش بعد إعلان وقف إطلاق النار. هذه الحادثة أثارت ردود فعل محلية ودولية متباينة خاصة مع ارتقاء عدد كبير من المواطنين الفلسطينيين.

خلال الحرب الأخيرة على غزة بعد أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، يقول الصحافي الإسرائيلي بن كسبيت إن فينتر الذي قاد الفرقة 98 حاول تحذير قادة الألوية النظامية من المناورة البرية في قطاع غزة مشيرًا إلى أنها ستكون مجازفة خطيرة، وهو التحذير الذي حمله أيضًا لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال لقائه بعد اندلاع الحرب.

في آذار من العام الجاري وعلى خلفية نيته زيارة إيطاليا، قدم صندوق هند رجب شكوى جنائية معززة بالوثائق والتصريحات ضد فينتر تتهمه بالمسؤولية عن ارتكاب جرائم حرب خلال الحرب على غزة 2014 خاصة بعد أحداث رفح في نهاية الحرب، والتحريض على الإبادة الجماعية في أعقاب دوره العسكري في بداية الحرب العام 2023. رد فينتر على الشكوى بتأكيد أنه ليس نادمًا على أي شي وأنه مستعد لدفع ثمن الدفاع عن إسرائيل وحماية الجنود من خلال الامتناع عن زيارة إيطاليا.

الرؤية السياسية التي يحملها فينتر

لم يعد من الصعب الجزم بأن الحزب الذي أسسه عوفر فينتر يميني متشدد يميل إلى المسيانية بامتياز، وإذا كانت السطور السابقة عن تجربته العسكرية ومواقفه لا تكفي لتأكيد ذلك فقد أكده بصوته وتصريحاته مع إطلاق الحزب الجديد، حيث أشار إلى أنه دفع أثمانًا شخصية باهظة لمواقفه اليمينية في إشارة إلى عدم منحه درجة لواء أو تدرجه في المناصب في هيئة الأركان. كما أنه يهاجم إدارة الحرب على قطاع غزة عسكريًا وسياسيًا ويتهم الحكومة بالسعي للاحتواء وإنهاء الحرب بدلًا من الحسم. وسبق أن انتقد أداء إسرائيل بعد استقالته، إذ قال في تصريحات أدلى بها العام 2025 إن المشكلة الأساسية تكمن في الحديث عن المرحلة التالية ونهاية الحرب، وطالما أن "العدو يعرف مسبقًا أن هناك نهاية للضغط العسكري فيمكنه المراوغة أصلًا". ويشير إلى أن الظروف التي عاشتها إسرائيل خلال الحرب الأخيرة تحتم تغييرًا جوهريًا في الوجوه والقيادة التي يجب أن تكون يمينية صهيونية لكنه مع ذلك عندما اشتدت الانتقادات بشأن تشكيله حزبًا جديدًا يؤثر في فرص أحزاب الائتلاف اليميني المتشدد، سارع إلى التصريح بأن حزبه جزء من اليمين وأن مرشحه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية هو بنيامين نتنياهو (مع أن ذلك قد لا يعني بالضرورة بأنه لن يكون جزءًا من حكومة أخرى في حال تعثرت مساعي نتنياهو وتبدّدت فرصه).

رؤية متشدّدة في الشأن الفلسطيني

في الشأن الفلسطيني يطرح فينتر مواقف تتجاوز حتى الخطاب السائد في أجزاء واسعة من اليمين الإسرائيلي. فهو يكرر منذ تأسيس حزبه أن قطاع غزة يجب أن يكون إسرائيليًا، ويتحدث عن التهجير الطوعي للسكان باعتباره أحد مسارات الحل. كما يرفض إقامة الدولة الفلسطينية ويرى أن أي حرب مستقبلية ينبغي أن تنتهي بالاستيلاء على مزيد من الأراضي.

وتضع هذه المواقف فينتر في موقع قريب من التيار الأكثر تشددًا داخل الصهيونية الدينية، وتمنح حزبه هوية أيديولوجية واضحة منذ اللحظة الأولى.

قائمة انتخابية تعكس هوية الحزب

اختار فينتر لقائمته الانتخابية شخصيات تعكس بصورة واضحة الاتجاه الذي يريد للحزب أن يمثله. ففي الموقع الثاني وضع الناشط العربي يوسف حداد الذي برز خلال الحرب على غزة بخطابه ونشاطه المعادي للفلسطينيين، ورشحه لتولي وزارة الإعلام في الحكومة المقبلة.

وتضم القائمة أيضًا دافيدي بن تسيون، نائب رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية الذي دعا في العام 2023 إلى محو بلدة حوارة من دون هوادة.

كما تضم القائمة لالي درعي، والدة أحد الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا في قطاع غزة، إلى جانب شخصيات أخرى مرتبطة باليمين وبالتيار الديني الصهيوني.

وبذلك لا تبدو القائمة مجرد مجموعة من الشخصيات التي تسعى إلى خوض الانتخابات، بل محاولة لبناء هوية سياسية واضحة تجمع بين الخلفية العسكرية واليمين القومي والصهيونية الدينية والمواقف المتشددة تجاه الفلسطينيين.

التهديد الانتخابي الذي يشكله حزب فينتر

تكمن المفارقة الأساسية في صعود حزب فينتر في أنه لا يبدو، في مرحلته الحالية، موجها إلى اختراق معسكر خصوم نتنياهو بقدر ما يمثل منافسًا جديدًا داخل معسكر اليمين نفسه.

 وتشير استطلاعات الرأي العام الأولى التي تجريها قنوات ومعاهد أبحاث إلى أن الحزب سيحظى بعدد من المقاعد (بين 4 و6 في المرحلة الحالية)، معظمها من معسكر الائتلاف الحالي وفي بعضها على حساب حزب الصهيونية الدينية الذي يقوده وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وهو ما يثير القلق لدى بنيامين نتنياهو وحلفاؤه، إذ أن وجود الحزب الجديد لن يدعم معسكر بنيامين نتنياهو أو يحدث اختراقًا للمعسكر المناهض، بل قد يدفع بمن يوصف بأكثر الحلفاء وفاء (سموتريتش) إلى خارج الكنيست وهو ما حمل نتنياهو على إطلاق دعوات للأحزاب المتشددة بالتوحد في إطار قوائم ثنائية منعًا لحرق أصوات المعسكر المؤيد له، خاصة بعد أن تبين له أن عوفر فينتر لا يبدي أي استعداد في هذه المرحلة لتشكيل تحالف مع أحزاب أخرى.

وتشير بعض التكهنات إلى أن حزب فينتر قد يكون هدفًا لحملات الأحزاب في المعسكرين القائمين منعًا لتعاظم قوته في اليمين بشكل يملي على نتنياهو قرارات وتوليفات ليس مستعدًا لها ويؤثر في قوة الليكود بصفته حزبًا كبيرًا، أو تفاديًا لاحتمال انتقال أصوات من المعسكر المناهض لنتنياهو لمصلحة فينتر.

ومعروف أنه لدى نتنياهو واليمين المتطرّف قد تُبنى الحملة الانتخابية على أساس ضرورة الإبقاء على حزب الليكود قوة كبيرة في الكنيست المقبل طالما أن فينتر سيوصي به أمام الرئيس الإسرائيلي، وفي المعسكر المناهض سيقال إن فينتر على الرغم من انتقاده سياسة الحكومة الحالية يشكّل الوجه الآخر لنتنياهو.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات