المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 18
  • عبد القادر بدوي

تتحرك قوى اليمين الحريدي- القومي في إسرائيل داخل لحظة سياسية تتيح لها إمكان تحويل أفكار كانت تُعد هامشية أو وعظية إلى مشاريع تشريعية ومؤسسية قابلة للتنفيذ. يظهر هذا التحول بوضوح في الحملة التي تقودها منظمة "توراة الدولة" و"مركز ياخين" لتغيير ما يُعرف بوثيقة "روح الجيش الإسرائيلي". تكتسب هذه الحملة دلالتها النقدية من مفارقة أساسية: الوثيقة المذكورة، رغم لغتها التي تتحدث عن "كرامة الإنسان" و"طهارة السلاح" و"الالتزام بالقانون"، شرعنت للجيش الإسرائيلي خوض حروب مدمرة، وارتكاب مجازر واسعة، كان آخرها حرب الإبادة في قطاع غزة، وحرب مدمرة طاولت دول المنطقة بأسرها. ومع ذلك، تبدو هذه الوثيقة بالنسبة إلى هذا التيار مقيدة أكثر من اللازم، ومشبعة بقيم كونية وحقوقية ينبغي التخلص منها. هكذا يتحول النقد اليميني الديني للوثيقة من اعتراض على الفجوة بين "الأخلاق المعلنة" والممارسة العنيفة، إلى مطالبة بإزالة ما تبقى من "القيود الرمزية" و"الأخلاقية" التي تضبط استخدام القوة ولو شكليًا فقط.

تطرح هذه الحملة مشروعًا أكثر تطرفًا من الواقع العسكري القائم نفسه؛ فالوثيقة التي صيغت في منتصف التسعينيات استندت إلى مفاهيم مثل "كرامة الإنسان"، "طهارة السلاح"، "الولاء للدولة" و"الالتزام بالقانون"، وشكّلت مرجعية تربوية- قيمية داخل الجيش، حتى وإن لم تتحول في الممارسة إلى حاجز فعلي أمام جرائم الجيش في القتل والتدمير والعقاب الجماعي. أما البديل الذي تسعى إليه "توراة الدولة" فيقترح نقل أخلاق القتال إلى مجال مختلف تمامًا، حيث يصبح "القانون اليهودي" بديلًا عن القانون الدولي الذي حاولت إسرائيل تسويقه لسنوات، وتصبح "أرض إسرائيل" و"توراة إسرائيل" و"شعب إسرائيل" مصادر مباشرة لتحديد وظيفة الجندي وحدود العنف المسموح به. وفقًا لهذا التصور، فلا بد من تفريغ الأخلاق العسكرية من وظيفتها الكابحة، وتحويلها إلى أداة تعبئة وتحفيز وتوسيع لاستخدام القوة، بحيث لا يعود المطلوب تبرير العنف بعد وقوعه، بل منحه شرعية مسبقة بوصفه واجبًا دينيًا وسياديًا.

تكمن خطورة هذا المسار في أنه يتقدم من داخل أدوات الدولة ومؤسساتها وليس من خارجها؛ فـ"مركز ياخين" اليميني يقدم نفسه كمركز دراسات استراتيجية وقومية، وينتج أوراق سياسات ومقترحات قوانين بلغة مهنية، بينما يدفع في الوقت نفسه تصورًا هلاخيًا (من هلاخاه- الشريعة اليهودية) محافظًا يمسّ القضاء والتعليم والمجال العام والجيش، وقد ساهم المركز، إلى جانب منظمة "توراة الدولة"، في دفع تشريعات لتوسيع صلاحيات المحاكم الحاخامية، وتعزيز الفصل الجندري في المجال العام، وإدخال الهلاخاه إلى مسارات ترقية القضاة، وتقييد حضور النساء داخل المؤسسات الدينية والتعليمية، وهو ما يحوله إلى واجهة مؤسسية لتطبيع مشروع ديني- قومي يستخدم لغة السياسة العامة كي يوسّع حضور الهلاخاه داخل بنية الدولة.

من ناحية ثانية، تمنح الشخصيات التي تقف خلف هذه الحملة دلالتها السياسية الأوضح، بدءًا من سيمحا روتمان، رئيس لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست وأحد أبرز وجوه مشروع "الانقلاب القضائي"، الذي يتعامل مع وثيقة "روح الجيش الإسرائيلي" القائمة باعتبارها وثيقة عامة تصلح لأي جيش، لكنها لا تلائم الدولة اليهودية الوحيدة في العالم (على حد تعبيره). ويليه الحاخام أبراهام زربيف، الذي اشتهر خلال حرب الإبادة على غزة بقيادة جرافة D9 وتوثيق هدم المباني بنفخ "الشوفار" والاقتباسات التوراتية، وهو يقدم نموذجًا ميدانيًا للدمج بين العنف العسكري والرمزية الدينية. أما الحاخامان يائير كرتمان وكوبي يكير، فيوفران الأساس الفكري والتنظيمي لهذا التحول عبر تحويل مفاهيم الهلاخاه إلى لغة سياسات وتشريع، وعبر الدفع نحو تصور يعتبر "العدو" جماعة مطلقة واحدة، ويقلّص الفاصل، أو الحدود، بين "المدني" و"المقاتل"، ويجعل من "النصر" و"استئصال الشر" و"قداسة المعسكر" مفاهيم مركزية في أخلاق الجيش الإسرائيلي.

تقدم هذه المساهمة، استعراضًا شاملًا لتقرير موسع أعدته صحيفة "هآرتس" خلال الفترة الماضية،[1]والتي اعتبرت جهود "توراة الدولة" و"مركز ياخين" خطوة جدية يراد من خلالها إعادة تشكيل الجيش الإسرائيلي من الداخل" "أخلاقيًا ورمزيًا وسياسيًا". تجدر الإشارة هنا إلى أن المصطلحات والأفكار الواردة أدناه مصدرها الصحيفة وكاتب تقرير "هآرتس" ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر  كاتب المساهمة أو مركز مدار.

*****

يشير التقرير إلى أن إسرائيل في السنوات الأخيرة شهدت انتقالًا متسارعًا لأفكار اليمين الحريدي- القومي من المجال الدعوي والأيديولوجي إلى قلب المؤسسة السياسية والتشريعية والعسكرية، حيث يظهر هذا الانتقال بوضوح في الحملة التي تقودها منظمة "توراة الدولة" و"مركز ياخين" لتغيير وثيقة "روح الجيش الإسرائيلي"، وهي الوثيقة التي شكّلت منذ منتصف التسعينيات "مرجعية أخلاقية وتربوية" داخل الجيش. حيث تسعى هذه الحملة إلى استبدال الكود القائم على قيم مهنية ومدنية، مثل كرامة الإنسان، وطهارة السلاح، والالتزام بالقانون، بوثيقة تستند إلى الهلاخاه، وتتعامل مع الحرب بوصفها فعلًا دينيًا- قوميًا مرتبطًا بالخلاص والسيادة ورسالة "شعب إسرائيل" في أرضه.

تأتي أهمية هذه الحملة من موقعها داخل مسار أوسع يتجاوز الجيش إلى الدولة والقانون والتعليم والمجال العام؛ فالمبادرون إليها ينشطون ضمن شبكة مؤسساتية أخذت تطوّر أدوات عمل جديدة داخل اليمين الديني: مراكز أبحاث، أوراق سياسات، مقترحات قوانين، حضور دائم في لجان الكنيست، وعلاقات مباشرة مع سياسيين مؤثرين، وبذلك، لم تعد هذه الأفكار محصورة في مجالس الحاخامين أو المستوطنات أو المعاهد الدينية، وباتت تتحرك في أروقة التشريع، وتخاطب الدولة بلغتها الإجرائية، وتستخدم أدوات "السياسة العامة" لتطبيع مشروع هلاخي يطمح إلى إعادة تعريف مصادر الشرعية في إسرائيل.

انعقدت نقطة الانطلاق الرمزية لهذه الحملة في مركز تابع لمنظمة "توراة الدولة" في شرقي القدس، خلال أمسية إطلاق كتاب "مَشيف هاروح" الذي يطرح "بديلًا يهوديًا لوثيقة روح الجيش الإسرائيلي". بحسب الصحيفة، فقد بدا المشهد في ظاهره محدودًا: عشرات الرجال، أغلبهم من ذوي المظهر الحريدي- القومي، بعضهم يحمل السلاح، وفعالية محاطة بأجواء ثقافية عادية، غير أن مضمون الحدث كشف عن محاولة منظمة لإعادة تعريف "أخلاق الجيش" من داخل مرجعية دينية صريحة، فقد قدّم القائمون على المشروع الحرب باعتبارها "وصية" و"رسالة إلهية" وطريقًا لـ "إصلاح العالم"، وهاجموا المقاربة التي اعتادت النظر إلى الحرب كضرورة قاسية، ولا مفر منها أحيانًا، ينبغي ضبطها أخلاقيًا وقانونيًا.

تستند الوثيقة المقترحة إلى نقد جذري لفكرة تقييد المقاتل، حيث يرى المبادرون إليها أن الجيش الإسرائيلي تشرّب تصورًا أخلاقيًا «غريبًا» و«فردانيًا» ومتأثرًا بما يسمونه "عبادة حقوق الإنسان". في تصورهم، أدت هذه الأخلاق إلى كبح الجندي، وإضعاف روح القتال، وإنتاج تردد عملياتي أمام "العدو". لذلك يقترحون وثيقة "تحفيزية" تذكّر الجندي بأنه امتداد للملك داود والمكابيين، وأنه يقاتل باسم الرب وباسم "شعب إسرائيل" كله. وبذلك، تنتقل وظيفة الكود الأخلاقي من ضبط القوة إلى شحنها، ومن وضع حدود للفعل العسكري إلى منحه معنى دينيًا وسياديًا بحسب الصحيفة.

يمثل حضور عضو الكنيست سمحا روتمان في أمسية الإطلاق مؤشرًا مهمًا إلى موقع هذه الحملة داخل التيار السياسي الحاكم. روتمان، رئيس لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست وأحد أبرز وجوه مشروع "الانقلاب القضائي"، وصف "الوثيقة الأخلاقية" القائمة بأنها "الوثيقة التي كانت ذات مرة روح الجيش الإسرائيلي"، واعتبر أنها تصلح لأي جيش في أي دولة، لكنها لا تلائم "الدولة اليهودية الوحيدة في العالم". بالنسبة إليه، تحتاج إسرائيل إلى وثيقة تعكس تداخل "الشعب، والأرض، والتوراة، والقتال بروح العزة والقداسة والبطولة". بحسب الصحيفة، تكشف هذه اللغة عن انتقال واضح في خطاب روتمان من التركيز على الإجراءات والمؤسسات إلى تبنّي مضمون ديني- قومي يطاول بنية الدولة نفسها.

بحسب الصحيفة، فإن العلاقة بين روتمان وقادة "توراة الدولة" ليست طارئة، فقد أسس العام 2013، إلى جانب الحاخاميْن يائير كرتمان وكوبي يكير، جمعية "الحركة للحكم والديمقراطية"، التي عملت منذ بداياتها على إضعاف مكانة الجهاز القضائي. وشارك لاحقًا في مؤتمرات لمنظمة "توراة الدولة" حول "قضاء توراتي في دولة إسرائيل"، ودعم حملاتها ضد اتفاقية إسطنبول الخاصة بمكافحة العنف ضد النساء، بحجة أنها تهدد التقاليد اليهودية القائمة على أدوار جندرية محددة. اليوم يظهر روتمان كحلقة وصل مركزية بين هذا التيار وبين الكنيست، خصوصًا عبر لجنة الدستور والقانون والقضاء التي تحولت إلى قناة مهمة لتمرير أفكار ذات طابع ديني- قومي في قوالب تشريعية.

وكما يظهر في التقرير، يقف خلف الحملة الحاخام يائير كرتمان والحاخام كوبي يكير، وهما من قادة منظمة "توراة الدولة" وناشطان أساسيان في مركز "ياخين- مركز الأبحاث الاستراتيجية والقومية"، ويقدّم المركز نفسه بصفته مؤسسة بحثية، لكنه يعمل عمليًا كذراع صياغة سياسية وتشريعية لأجندة هلاخية محافظة، وقد حقق خلال الأشهر والسنوات الأخيرة اختراقات واضحة داخل الحقل التشريعي، من بينها المساهمة في توسيع صلاحيات المحاكم الحاخامية للنظر في قضايا مدنية، وهي خطوة تفتح الباب أمام بناء منظومة قضائية دينية موازية، كما شارك في مبادرات تهدف إلى تكريس الصلاة بالفصل الجندري في المجال العام، وإلزام القضاة بامتحانات في الهلاخاه كشرط للترقية.

يتحرك "مركز ياخين" وفق استراتيجية تقوم على ترجمة المفاهيم الدينية إلى لغة سياسات عامة، فقد عبّر كرتمان عن ذلك بصراحة حين قال إن لديهم "قبعة" تُسمى "مركز ياخين"، وظيفتها ترجمة مفاهيم من التوراة إلى "إسرائيلية محكية". بحسب الصحيفة، فإن هذه العبارة تختصر كثيرًا من آلية العمل: تحويل الرؤية الهلاخية إلى مقترحات قوانين، وأوراق سياسات، ومذكرات مهنية، ثم دفعها داخل الكنيست والحكومة عبر شبكة علاقات سياسية. لذلك يظهر المشروع كدعوة مباشرة إلى دولة دينية من خلال مسار تدريجي يعيد صياغة الدولة من داخل أدواتها القانونية والإدارية.

من ناحية أخرى، يمتد تأثير "ياخين" أيضًا إلى التعليم والمجال العام وقضايا الجندر، وقد وقف خلف مشروع  إصلاح "الجذور" الذي أطلقه وزير التربية والتعليم يوآف كيش، الهادف إلى تعزيز الهوية اليهودية والصهيونية لدى الطلاب عبر تقوية دراسات اليهودية وتعريف التناخ كمادة مركزية، كما ساهم في صياغة قانون لتغيير تركيبة الهيئة العامة لاختيار الحاخامين، بهدف منع دمج نساء ذوات تعليم توراتي في تركيبتها، كما دفع، بالتعاون مع أعضاء كنيست من الصهيونية الدينية، مبادرة لتوسيع صلاحيات مجلس التعليم الرسمي- الديني، بما يسمح له بتحديد ما هو "نمط حياة ديني" داخل المؤسسات التعليمية.

من داخل هذا المسار أيضًا، كما تشير الصحيفة، يبرز الحاخام أبراهام زربيف كشخصية مركزية، فقد اشتهر زربيف خلال حرب الإبادة في غزة بوصفه جندي احتياط يقود جرافة D9، وطوّر، بحسب ما نُسب إليه، طريقة لتدمير وهدم المباني بسرعة وفعالية، وروّج لذلك كإنجاز بلغة شديدة القسوة، قائلًا إن "عشرات آلاف العائلات لم يعد لديها ورق، ولا صور طفولة، ولا بطاقات هوية، ولا بيوت"، وقد وثّق نفسه وهو يدمج الهدم بأقوال توراتية ونفخ في الشوفار، ثم تحول إلى شخصية محبوبة في أوساط اليمين، وصولًا إلى دعوته لإشعال شعلة في "جبل هرتسل". في مؤتمر "توراة الدولة"، قدّمه روتمان كنموذج لمن يجمع "روح التوراة" بالقتال، ووصفه بأنه يمسك بيدٍ جرافة D9 وبالأخرى التوراة، وهما معًا "تبنيان مملكة إسرائيل".

بحسب التقرير، تكمن دلالة زربيف في اللغة التي حملها إلى المجال العام، فقد قال في المؤتمر إن 70% من خادمي الاحتياط هم من رجال الصهيونية الدينية، إضافة إلى 20% من المتدينين السابقين، وفق ما نسبه إلى رئيس شعبة القوى البشرية في الجيش، ورغم هذه الأغلبية، رأى أن الجمهور الديني- القومي لم يجرؤ حتى الآن على تشكيل الجيش على صورته، كونه انشغل بقضايا الطعام الحلال والاحتشام... إلخ، وترك "أخلاق الحرب" لمن وصفهم بـ "المنفلتين"، ثم أعلن أن هذا العهد انتهى، وأنه ينوي قيادة مرحلة جديدة تفرض حضور التيار الديني- القومي في تعريف "أخلاق الجيش".

تشير الصحيفة إلى أن تصريحات زربيف تمنح الحملة بُعدًا تعبويًا مباشرًا، كونه يتحدث عن "اختراق وعي شعب إسرائيل" وخلق "حركة جماهيرية تطالب بالنصر"، ويعتبر أن اللغة الحادة ضرورية من أجل جرّ الجماهير وإلهابها. من ناحية أخرى، تظهر هنا وظيفة التطرف اللغوي كأداة سياسية؛ فعبارات مثل "كيّ النصر" و"زرْببة غزة" تتحول إلى مفردات تعبئة وشرعنة، وتدفع في اتجاه نقل العنف من مستوى الضرورة العسكرية إلى مستوى الفخر الجماعي، فعندما يتحدث زربيف عن مليون طفل في غزة لن يجدوا مكانًا للنوم لعقود، تصبح الكارثة المدنية جزءًا من تصور "النصر" و"الردع". 

بالعودة إلى المشروع الذي يتم العمل عليه، تستهدف الحملة كما أشير أعلاه وثيقة "روح الجيش الإسرائيلي" التي صيغت في منتصف التسعينيات، بمبادرة من رئيس هيئة الأركان العامة آنذاك إيهود باراك، وبمشاركة لجنة كان البروفيسور آسا كاشير من أبرز أعضائها. وقد سعت الوثيقة إلى ترسيخ "منظومة قيم للجيش" تجمع بين النجاعة العملياتية والالتزام بالقانون الدولي وقيم مثل: "كرامة الإنسان، والولاء للدولة، وحفظ قوانينها، وطهارة السلاح، والتمسك بالمهمة والسعي إلى النصر". وعلى الرغم من أنها ليست وثيقة قانونية ملزمة، فإنها أصبحت "مرجعية تربوية وقيمية" داخل الجيش، وأداة لتحديد الانحرافات عن السلوك العسكري المقبول.

بحسب التقرير، فإن تيار "توراة الدولة" يرفض هذه الوثيقة لأنها، في نظره، لا تمنح الهوية اليهودية موقعًا تأسيسيًا في أخلاق القتال، كما ينتقد قادته غياب مفاهيم مثل "شعب إسرائيل" و"أرض إسرائيل" و"توراة إسرائيل"، ويرون أن الوثيقة تستند إلى أخلاق كونية تؤدي إلى تفضيل حياة "العدو" على حياة جنود الجيش. ينطلق هذا النقد من رفض التمييز المتعارف عليه بين المقاتلين وغير المقاتلين، أو بين المتورطين وغير المتورطين، باعتباره تمييزًا يقيّد الجيش ويمنع "سحق العدو"، وقد عبّر كرتمان عن بديله بوضوح حين قال، في سياق حديثه عن معركة جنين في عملية "السور الواقي" في العام 2002: "إن الحل كان ينبغي أن يكون تسوية المنطقة كلها بالأرض، وقصفها مسبقًا".

تبلغ الرؤية الجديدة ذروتها في الوثيقة البديلة التي تقترحها "توراة الدولة"، حيث تستمد هذه الوثيقة، بحسب كرتمان، مصدر سلطتها من "بطولة المقاتلين" و"توراة الرب"، وتتضمن مبدأ "العدو كجماعة"، الذي ينص على أن مدنيي "العدو" الذين لا يدعمون القتال ليسوا الهدف بحد ذاته، لكن وجودهم في منطقة القتال لا يشكل مانعًا أمام ضرورة "سحق العدو"، كما تؤكد أن قيود استخدام القوة يجب أن تستند إلى "القانون اليهودي" لا إلى "القانون الدولي" الذي تصفه بأنه سخيف، وتدعو الجندي إلى القتال من منطلق "حب أرض إسرائيل" باعتبارها البيت الأبدي لـ "شعب إسرائيل"، وإلى استخدام القوة مع شعور بالمعنى والحزم والقوة الروحية. أما بند "النصر" فيستند إلى آية من المزامير: "أطارد أعدائي وأدركهم ولا أعود حتى أفنيهم". وتضيف الوثيقة قيمة بعنوان "قداسة المعسكر"، التي تطالب الجندي بالحرص على "الطهارة والاحتشام".

بناءً على ذلك، تشير الصحيفة إلى أن هذه الوثيقة تعيد بناء الحرب داخل أفق خلاصي، وكما عبّر الحاخام شلومو فايتسن، حاخام مستوطنة "بساغوت"، عن ذلك حين قال إن "الحروب جزء من حلمنا"، وإن الحرب لا تأتي لأن إسرائيل بلا خيار، بل لأنها جزء من "كود الخلاص"، واصفًا قتلى الجيش بأنهم "ماسة الحرب" التي يختارها الرب لتسليم النفس، واعتبر أن الحروب الإسرائيلية ليست "حروبًا دفاعية"، وإنما "حرب ارتقاء". أما الحاخام يكير فصاغ الأمر بلغة أكثر عملية حين قال إنه "لا يوجد إنقاذ نفس في الحرب، لأن الجميع ملتحمون بالتعريف الجمعي للأمة؛ الفرد هنا يتحول إلى عضو في جسد الأمة، ويمكن تعريض العضو إلى الخطر من أجل إنقاذ النفس الكلية".

يمنح تحليل البروفيسور ياغيل ليفي لهذه الظاهرة إطارًا اجتماعيًا- عسكريًا أوسع؛ فمنذ خطة "فك الارتباط" العام 2005، يعمل التيار الحريدي- القومي على توسيع حضوره في الوحدات القتالية والقيادية داخل الجيش، وعلى دفع تصور يضع "النصر" فوق القيود الأخلاقية والقانونية. بالتوازي، صعدت مجموعة تضم جنودًا ميدانيين من خلفيات اجتماعية متوسطة ودنيا، تباهى بعضهم خلال الحرب باستخدام عنف غير مقيد. ويرى ليفي أن المجموعتين تدفعان معًا نحو تغيير هوية الجيش الإسرائيلي، بعيدًا عن النموذج الذي صاغته النخب العلمانية الليبرالية. في هذا السياق، تصبح وثيقة "روح الجيش الإسرائيلي" أحد آخر المعاقل الرمزية لتلك النخب داخل المؤسسة العسكرية القائمة.

في الختام، تؤكد الصحيفة أن حملة "توراة الدولة" تعكس صورة مكثفة عن التحول الجاري داخل اليمين الإسرائيلي، حيث لم يعد المشروع الديني- القومي يكتفي بتعزيز مكانته داخل الجيش أو التأثير في وحداته القتالية، وصار يسعى إلى إعادة صياغة "اللغة الأخلاقية" التي تمنح الجيش شرعيته، وهو ما يترتب عليه تحويل الحرب، وفقًا لهذا الخطاب، إلى فعل تعبّدي وسيادي، ويتحول السكان المدنيون في معسكر "العدو" إلى جزء من الجماعة المعادية، ويتراجع القانون الدولي أمام "القانون اليهودي"، وتدخل مفاهيم "الطهارة" و"الاحتشام" و"الخلاص" إلى قلب تعريف الجندي ووظيفته، وبهذا المعنى، تمثل معركة "روح الجيش الإسرائيلي" ساحة مركزية في الصراع على هوية إسرائيل: دولة تستند إلى قانون مدني وتدّعي الانتماء إلى منظومة أخلاقية كونية، أم دولة تعيد بناء جيشها وقانونها ومجالها العام وفق منطق الهلاخاه اليهودية وتوراة الحرب.

[1] التقرير من إعداد هيلو غلازر بعنوان: "هل شعرتم بالخوف من منتدى كوهيلت: لدى معهد اليمين الجديد خطط أكثر ثورية"، ونشر في الصحيفة بتاريخ 06/05/2026.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات