منذ تولي حكومة أقصى اليمين أعمالها في 29/12/2022، أصبح واضحاً أن المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية ستتحول إلى ساحة نشاط محورية بهدف ضمها وفرض السيادة عليها. فقد نصت المبادئ التوجيهية لعمل الحكومة على أن "لشعب إسرائيل حق طبيعي في أرض إسرائيل" وأن الحكومة ستعمل "على تطوير سياسات لفرض السيادة على يهودا والسامرة" عندما تحين الفرصة.[1]بعد شهرين من تنصيب الحكومة تم إنشاء "مديرية الاستيطان" التي عمدت على تقييد التوسع الطبيعي للفلسطينيين في المنطقة "ج" وتهيئتها للضم. تركز هذه الورقة على أجندة "مديرية الاستيطان لمنع التوسع الطبيعي للفلسطينيين (نحو 354 ألفًا)، وتكثيف هدم المنازل، ومنع أي دور للسلطة الفلسطينية في المنطقة "ج" في مجال تسوية الأراضي، أو تقديم مشاريع زراعية.
يقدم القسم الأول من الورقة خلفية تاريخية لسياسات إسرائيل تجاه البناء الفلسطيني في المنطقة "ج"، ويتتبع تطور سياسات التخطيط والبناء والهدم وصولاً لعام 2023 وإنشاء "مديرية الاستيطان". خلال هذه الفترة، "عممت" مؤسسات ومنظمات استيطانية خطابًا معاديًا لدور السلطة الفلسطينية في المنطقة "ج"، وحولت نمو السكان الفلسطيني هناك إلى قضية "خطر" ديمغرافي. القسم الثاني يعرض دور "مديرية الاستيطان" بعد 2023 كأداة مركزية لتشديد سياسات إسرائيل ضد البناء الفلسطيني في المنطقة "ج"، من خلال آليات الإنفاذ والهدم والتعاون مع منظمة ريغافيم و"جوالي الأراضي".
القسم الأول: سياسات إسرائيل تجاه البناء الفلسطيني في المنطقة "ج"
تبلغ مساحة المنطقة "ج" في الضفة الغربية نحو 3.6 مليون دونم، أي قرابة 62% من مساحة الضفة الغربية. وبلغ عدد المستوطنين فيها مطلع العام 2026 نحو 540 ألف مستوطن، موزعين على ما يقارب 210 مستوطنات و130 بؤرة استيطانية ومزرعة، ويبلغ عدد الفلسطينيين نحو 354 ألف شخص يعيشون في قرابة 532 قرية ومخيمًا وتجمعًا بدويًا.
مرت السياسات التخطيطية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عدة مراحل، ففي السنوات الأولى للاحتلال (1967-1977)، منعت إسرائيل الفلسطينيين من المشاركة في إعداد مخططات السكن والبناء كما كان معمولاً به وفق القانون الأردني، وربطت القرارات بالمجلس الأعلى للتخطيط وأعضائه من جهاز الإدارة العسكرية. مع ذلك، لم يشكل الازدياد في عدد السكان الفلسطينيين في الأرياف والأغوار (لاحقاً، ستتحول إلى المنطقة "ج")، مصدر قلق بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي والمشروع الاستيطاني، بل أن التقارير تشير إلى أن نحو 95٪ من طلبات البناء الفلسطيني فيما سيصبح لاحقًا المنطقة "ج" تمت الموافقة عليها من قوات الاحتلال.[2]
المرحلة الثانية كانت بعد صعود الليكود للحكم في العام 1977، الذي شكل لحظة مفصلية في تطور المشروع الاستيطاني واتساعه وترسيخه، وتحوله إلى مشروع دولة رسمي. حيث وضعت مخططات هيكلية للاستيطان، وتم الشروع بتنفيذها، وتم تقسيم الضفة الغربية إلى 6 مجالس استيطانية، كما تم مصادرة نحو 30٪ من مساحة الضفة الغربية وإعلانها "أراضي دولة". وصل عدد المستوطنات عشية اتفاقا أوسلو إلى 128 مستوطنة في الضفة الغربية. في المقابل، تراجع باطراد وبشكل حاد معدل الموافقة على طلبات الفلسطينيين للبناء مقارنة ببدايات الاحتلال.
الجدول 1: سياسات إسرائيل تجاه البناء والهدم في المنطقة "ج"- تحقيب عام
|
الفترة |
نسبة المصادقة على طلبات البناء الفلسطيني |
سياسات الهدم بحق البناء الفلسطيني |
|
السبعينيات |
نحو 95٪ |
سياسات إنفاذ وهدم متهاونة |
|
نهاية الثمانينيات |
35-32٪ |
ارتفاع في تنفيذ الهدم بدون أن يتم اتباع سياسية ملاحقة البناء الفلسطيني "غير المرخص" بشكل واسع |
|
فترة أوسلو حتى 2023 |
5-7٪ |
معدل الهدم السنوي للبناء الفلسطيني نحو 200-300 وحدة/منشأ، وهي تشكل نحو 30٪ من أوامر الهدم التي تصدرها الإدارة المدنية. |
تمثّلت المرحلة الثالثة في الفترة التي أعقبت اتفاق أوسلو، حيث ظل خلال المرحلة الانتقالية نحو 62٪ من مساحة الضفة الغربية تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي. بموجب اتفاقيات أوسلو، تخضع المنطقة "ج" عسكرياً لقائد المنطقة الوسطى في الجيش الاسرائيلي (باعتباره قائد سلطة احتلال)، لكنها من الناحية المدنية تخضع لإشراف وحدة "المنسق"، التي تحدد أهدافها في المنطقة "ج" على النحو التالي: 1) تنفيذ السياسة الإسرائيلية بما يخدم "المصلحة الإسرائيلية" وصون "السيادة الإسرائيلية"، 2) تنفيذ نشاطات الاستيطان، ومتابعة قرارات المحكمة العليا بهذا الشأن، 2) تطوير مشاريع بنية تحتية تشمل مياهًا، طرقًا التفافية، مناطق صناعية، تحسين التغطية الخلوية، 3) إدارة وحدة التفتيش المخصصة للرقابة على البناء.[3]
بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 شهدت المنطقة "ج" هجمة استيطانية عبر نشر البؤر الكرافانية على قمم الجبال. ومنذ انتهاء حكومة أولمرت عام 2009، وبدء حكم نتنياهو الطويل (2009-2021 ثم 2022 حتى اليوم)، تتعامل إسرائيل مع المنطقة "ج" باعتبارها "منطقة للضم"، وفضاءً مفتوحًا للاستيطان، وأنها ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية طويلة الأمد.[1] على ضوء التوسع المستمر في الاستيطان، والإعلانات المتكررة من السياسيين، وأعضاء الحكومة، ونواب الكنيست، بضرورة فرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة "ج"، فإن إحدى القضايا التي تطرح بشكل دوري أمام السلطات الإسرائيلية هي قضية الفلسطينيين في المنطقة "ج". يشار هنا إلى أن إسرائيل تقدر عدد الفلسطينيين في المنطقة "ج" بنحو 200 ألف فقط، وهو ما يتعارض مع الإحصاء الفلسطيني الرسمي (354 ألفًا) الذي تتبناه أيضًا الأمم المتحدة.
رؤية التيار الاستيطاني تجاه التواجد الفلسطيني في المنطقة "ج"
في البرنامج الانتخابي لحزب الصهيونية الدينية للعام 2021، اعتبر سموتريتش أن هناك "أغلبية" يهودية في المنطقة "ج"، وطالب إسرائيل بتفكيك الإدارة المدنية وإعلان وفرض سيادة إسرائيلية كاملة على المنطقة "ج".[4] وتشير التقارير، فإن معدل زيادة المستوطنين منذ نحو عقد ونصف هو نحو 10000-15000 ألف سنوياً. وحسب رؤية مجلس المستوطنات فإن الهدف هو الوصول إلى مليون مستوطن بحلول 2050 (بدون احتساب المستوطنين في القدس الشرقية)، وهذا يحتاج إلى زيادة سنوية تصل إلى نحو 20 ألف سنوياً وهو أعلى من المعدل السنوي بقليل.[5] أما تقديرات مراقب الدولة، فترى أن "النمو الاستيطاني" يقدر بنحو 750 ألفًا بحلول 2024، هذا يعني زيادة سنوية بنحو 14 ألفًا، وهو مطابق لمعدل السنوات.
في المقابل، تقوم جمعية ريغافيم، التي أسسها سموتريتش عام 2006، بالدور الأبرز في توجيه الحكومات الإسرائيلية في ما يخص النمو السكاني الفلسطيني في المنطقة "ج"، وتراقب استخدامات الفلسطينيين للأرض (سواء للسكن أو الزراعية)، وتعرض تقاريرها بشكل دوري على الحكومات الإسرائيلية.[6] ويضغط ممثلوها وأتباعها على الحكومات الإسرائيلية لتغير سياساتها حيال هذا التحول في المنطقة "ج". وحسب التقارير التي تصدرها ريغافيم (بالإضافة إلى تقارير منتدى شيلو)، فإن التواجد الفلسطيني في المنطقة "ج" هو كالتالي:
- يمتد مسطح البناء الفلسطيني في المنطقة "ج" على نحو 105 آلاف دونم،[7]وقد زادت المباني الفلسطينية في المنطقة بشكل يفوق قدرة إسرائيل على مجابهتها، لتصل إلى نحو 92 ألف مبنى في عام 2025.
الجدول 2: عدد المباني الفلسطينية في المنطقة "ج" حسب التقارير الاستيطانية
|
عدد المباني |
المساحة |
|
|
2008 |
22935 |
38 ألف دونم |
|
2017 |
50959 |
72 ألف دونم |
|
2022 |
77372 |
95 ألف دونم |
|
2025 |
92151 |
105 آلاف دونم |
المصدر: جمعية ريغافيم
- تبلغ المساحات المزروعة من الفلسطينيين في المنطقة "ج" نحو 700-900 ألف دونم، أي ما يعادل 19-22% من إجمالي مساحتها. وتشمل الأنشطة الزراعية حراثة الأرض والغرس والرعي، إضافة إلى إنشاء المصاطب الزراعية وتطوير شبكات المياه وشق الطرق، مع إقامة مساكن وخيام تتحول تدريجياً إلى تجمعات سكنية دائمة.[8]
- لدى الفلسطينيين في المنطقة "ج" نحو 40 كسارة، تمتد على نحو 2250 دونماً، أي 0.6% من مساحة المنطقة "ج".[9]
- للفلسطينيين بنية تحتية من الشوارع (وإن كانت غير متطورة)، ويبلغ طول الشوارع المعبدة والترابية في المنطقة "ج" نحو 3593 كيلومتراً، تربط بين الأراضي الزراعية والقرى.
"اليمين" يحارب عمل السلطة الفلسطينية في المنطقة "ج"
بدأ الازدياد في المباني الفلسطينية في المنطقة "ج" يتصدر اهتمام التيار الاستيطاني في إسرائيل بشكل واضح منذ تولي نتنياهو رئاسة الحكومة عام 2009. ففي العام 2013، نشر مجلس المستوطنات تقريرًا يتهم فيه رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، سلام فياض، بوضع خطة شاملة للسيطرة الفلسطينية على المنطقة "ج"، وتثبيت حقائق على الأرض.[10] وقد كان مجلس المستوطنات في هذا التقرير يقصد خطة "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة" للعام 2009، التي ركزت في سياق المنطقة "ج" على تخطيط عمراني وبناء مدن وأحياء جديدة وتكثيف القائم، وشق طرق وخدمات عامة مثل مدارس وعيادات وشبكات مياه وكهرباء وصرف صحي واتصالات، مع استثمار الزراعة والسياحة والموارد الطبيعية، وكان الهدف من هذه الخطة تثبيت حضور فلسطيني متصل مكانيًا، وتعزيز القدرة على الإدارة الذاتية، وجذب دعم دولي عبر وقائع ملموسة، وتقليص التبعية الاقتصادية لإسرائيل، مع مركزية القدس ضمن تصور الدولة. `
مع أن سلام فياض غادر مكتب رئاسة الوزراء عام 2013، فإن المنظمات الاستيطانية رأت أن خطته استمرت، وتحولت بعد عام 2015 إلى استراتيجية شاملة ومنسّقة من السلطة الفلسطينية لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في المنطقة المصنّفة "ج" عبر ما سمّته وزارة الاستخبارات الإسرائيلية بـ "المعركة على مناطق ج"، وتدعي إسرائيل أن استراتيجية السلطة الفلسطينية شملت تخطيطًا عمرانيًا، توسعًا زراعيًا، تسجيل الأراضي، وتطوير البنية التحتية، باعتبارها أدوات سياسية لتحقيق أهداف الدولة الفلسطينية في ظل تعثر المسار التفاوضي.
وتشير وثيقة وزارة الاستخبارات الإسرائيلية إلى أن الاتحاد الأوروبي اتخذ منذ 2012 قرارًا بالعمل في مناطق "ج" ليس فقط لأسباب إنسانية أو اقتصادية، بل أيضًا لدعم تسوية سياسية مستقبلية ومواجهة التوسع الاستيطاني. وتنوّع الدعم بين تمويل مباشر، مساندة سياسية ودبلوماسية، دعم إعلامي وقانوني، إعداد مخططات هيكلية، تنفيذ مشاريع بنى تحتية وتعليم وتشغيل، إضافة إلى دعم تسجيل الأراضي وتنظيمها. وقدّرت الوثيقة حجم التمويل الأجنبي بنحو 500 مليون يورو. شاركت في هذا الجهد حكومات عديدة مثل هولندا، الدنمارك، السويد، فرنسا، سويسرا، بريطانيا، بلجيكا، ألمانيا، تركيا، قطر، والأردن، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، وكالات الأمم المتحدة، ومنظمات عربية وإسلامية مختلفة. كما قامت السلطة الفلسطينية بربط البلديات مباشرة بالجهات المانحة لتسريع تنفيذ المشاريع ذات الأولوية.
على مستوى النتائج الميدانية، تشير الوثيقة إلى تحقق مجموعة واسعة من الإنجازات الملموسة. فقد غطّى مشروع تسجيل الأراضي الفلسطيني حتى نهاية 2019 نحو 45% من قطع الأراضي في الضفة الغربية بما يعادل قرابة 940 كم²، ونجحت الجهود القانونية في تأجيل هدم آلاف المباني عبر تعطيل تنفيذ أوامر الإزالة، إذ جرى منع هدم نحو 98% من البناء الخاص و94% من البناء العام المستهدف. كما أُطلقت مسارات تخطيط لعشرات التجمعات غير المرخّصة، واستُخدمت أرشيفات عثمانية (الكوشان) حصلت عليها السلطة الفلسطينية من تركيا كأداة قانونية للطعن في الملكيات.
القسم الثاني: إنشاء مديرية الاستيطان عام 2023
تُعد "مديرية الاستيطان" (أنشئت في شباط 2023) هيئة مدنية إسرائيلية تابعة لوزارة الأمن لإدارة النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية. تشمل صلاحياتها المصادقة على التخطيط والبناء، إعلان أراضي دولة، إدارة شؤون الأراضي ونقل الملكية، إنفاذ قوانين البناء وهدم المنشآت غير المرخصة، تسوية البؤر الاستيطانية، والإشراف على البنية التحتية والموارد الطبيعية، بالتنسيق مع الجيش والإدارة المدنية.
بعد عام من تأسيسها، نشرت صحيفة ماكور ريشون أن "مديرية الاستيطان" تسعى، من جملة ما تسعى إليه، إلى وضح حدّ للتوسع الفلسطيني في المناطق "ج". وعليه، تم إنشاء مجموعة تنسيق عمليات بداخل المديرية لتوثيق عمليات الهدم، وهذا يشمل 1) منازل فخمة (أو فلل)، 2) مجمعات خاصة، 3) مبانٍ ممولة من الاتحاد الأوروبي، وغيرها. الهدف هو خلق ردع اقتصادي ونفسي، وإيصال رسالة إلى الفلسطينيين (وأيضا الممول الأجنبي) أن الاستثمار في البناء سيضيع.
مديرية الاستيطان التي يرأسها يهودا إلياهو (وهو الساعد الأيمن لسموتريتش في تنفيذ سياسات الاستيطان في الضفة الغربية)، تعمل بشكل متوازٍ مع جمعية ريغافيم التي كان إلياهو (إلى جانب سموتريتش) من مؤسسيها. تعتمد ريغافيم على صور جوية وتحليل مقارن عبر الزمن لمؤشرات البناء الفلسطيني في المنطقة "ج" ومساحات الأراضي التي يتوسع عليها الفلسطينيون سنوياً.
الجدول 3: سياسات "مديرية الاستيطان" وفق مؤشرات مختارة
|
في العام 2021-2022 (قبل حكومة نتنياهو-سموتريتش) |
2024- 2025 في ظل عمل المديرية |
|
|
متوسط البناء الفلسطيني الجديد شهرياً |
600 |
263 |
|
متوسط مساحة الأراضي الجديدة التي يتوسع عليها الفلسطينيون |
520 دونمًا |
84 دونمًا |
|
نسبة الهدم من مجمل أوامر الهدم الصادرة |
19٪ عام 2021 ثم 27٪ عام 2022 |
68٪ عام 2024 |
المصدر: جمعية ريغافيم
وبشكل عام، يمكن تلخيص التحول في سياسات إسرائيل تجاه البناء الفلسطيني في المنطقة "ج" بعد إنشاء مديرية الاستيطان على النحو التالي:
- في عامي 2024 و2025 وصل عدد عمليات هدم المنشآت الفلسطينية إلى مستويات قياسية تجاوزت 1000 منشأة سنويا. حالياً، تحتفظ الإدارة المدنية بأكثر من 11,000 أمر هدم قائم ضد منشآت يملكها فلسطينيون في المنطقة "ج".[11]
- الجهة المسؤولة عن تنفيذ الهدم في المنطقة "ج" هي وحدة الرقابة التابعة للإدارة المدنية التي يسيطر على عملها مديرية الاستيطان منذ عام 2023. لكن مؤخراً، رفعت الحكومة الإسرائيلية ميزانيات هذه الوحدة بشكل كبير من نحو 17 مليون شيكل عام 2021، إلى نحو 25.3 مليون شيكل عام 2025.[12]
- مع ذلك، في أيلول 2025، تم إنشاء وحدة إنفاذ جديدة داخل سلطة أراضي إسرائيل تضم 21 وظيفة مخصصة للعمل في الضفة الغربية ضد البناء الفلسطيني، وهو ما فسرته منظمات حقوقية بأنه "ضم قانوني". وحسب المراقبين من جمعية ريغافيم، سيتطور عمل هذه الوحدة الجديدة وقد يصل طاقمها إلى أكثر من 70 شخصاً لمواجهة البناء الفلسطيني في المنطقة "ج".[13]
- أنشأ المستوطنون، بدعم من حزب الصهيونية الدينية، ميليشيات جديدة تسمى "جوالي الأراضي"، وهي تنشط على مستوى كل مستوطنة في الضفة الغربية بهدف مراقبة الأراضي ومنع البناء الفلسطيني في المنطقة "ج". تعمل هذه الوحدات بشكل يومي على رصد وتوثيق أي بناء تعتبره إسرائيل غير قانوني، عبر التصوير والمراقبة وإرسال التقارير الفورية إلى وحدة الرقابة التابعة للإدارة المدنية. خصصت وزارة الاستيطان بقيادة أوريت ستروك نحو 40 مليون شيكل سنويًا لتمويل هذه الوحدات وتزويدها بتقنيات متقدمة مثل الطائرات المسيرة وأنظمة التصوير والمركبات الميدانية. أدى التعاون بين هذه الدوريات والإدارة المدنية إلى زيادة عمليات إنفاذ قوانين البناء بنسبة تقارب 70٪ في الضفة الغربية خلال 2025، مع هدف معلن يتمثل في منع ما تصفه إسرائيل بالاستيلاء الفلسطيني على الأراضي.[14]
تقدير موقف
تشير المعطيات الواردة في هذه الورقة إلى تحوّل جوهري في سياسات إسرائيل تجاه الوجود الفلسطيني في المنطقة "ج"، خاصة بعد إنشاء "مديرية الاستيطان" عام 2023 ونقل صلاحيات التخطيط والإنفاذ من الإطار العسكري إلى إطار مدني يخضع مباشرة للقيادة السياسية الاستيطانية. ترافق هذا التحول مع تصاعد ملحوظ في عمليات هدم البناء الفلسطيني، وتطوير أدوات مؤسسية وميدانية لمراقبة التوسع العمراني والزراعي الفلسطيني والحد منه، إلى جانب تعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة والمنظمات الاستيطانية. في المقابل، ترى إسرائيل في الزيادة الديمغرافية الفلسطينية وتوسع البناء والزراعة والبنية التحتية مؤشرات على "تحدٍ استراتيجي" لمشروع الضم. وفي ضوء التحولات التي أعقبت إنشاء "مديرية الاستيطان"، لا بد من استعراض القضايا التالية باعتبارها أساسية في صياغة خطة عمل وطنية تجاه المنطقة "ج":
- يشكل إلغاء أو تحييد مخرجات مشروع تسوية وتسجيل الأراضي الذي نفذته السلطة الفلسطينية في مناطق "ج" تطورًا بالغ الخطورة، لأنه يفتح المجال أمام إسرائيل لإعادة تصنيف مساحات واسعة من الأراضي كـ"أراضي دولة" أو "أملاك غائبين" بما يخدم التوسع الاستيطاني والمصادرة الممنهجة. إن شطب السجل الفلسطيني يعني عمليًا محو قرابة عقدين من العمل الفني والقانوني الممول أوروبيًا ودوليًا، وتحويل فراغ التسجيل إلى أداة بيد الإدارة المدنية وتيارات المستوطنين المتنفذة في داخل الإدارة المدنية. في هذه النقطة، تمتلك السلطة الفلسطينية رافعة ضغط مهمة، إذ يمكنها بناء ملف سياسي وقانوني موجه للاتحاد الأوروبي والدول المانحة، يربط بين تمويلهم المشروعَ ومسؤوليتهم في حماية نتائجه من الإلغاء والاستغلال الاستيطاني، والمطالبة بخطوات ضغط لوقف إعادة هندسة ملكية الأرض في مناطق "ج".
- يتبلور اليوم تهديد حقيقي، يتمثل في الانتقال من "إمكانية" التهجير القسري والتطهير العرقي في مناطق "ج" إلى كونه سيناريو مرجّحا وملموسًا على الأرض، خاصة في القرى والتجمعات الصغيرة المعزولة. إن تصاعد إرهاب المستوطنين، ودعمه من مؤسسات الدولة، وخلق بيئة عنف دائمة وغير آمنة، يدفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل القسري تحت ضغط يومي. هذا المسار، إذا لم يُواجَه بسياسات ردع دولية وآليات حماية ميدانية، قد يقود إلى نكبة جديدة، تُنفّذ على مراحل وبغطاء قانوني-إداري. المطلوب دقّ ناقوس الخطر، وتوصيف ما يجري كمشروع تهجير ممنهج وليس "احتكاكات"، وبناء تحالف حقوقي وسياسي دولي يضع خطوطًا حمراء واضحة ويُعرّف هذه السياسات كجريمة تطهير عرقي محتملة تستوجب المساءلة.
- تمثل المنطقة "ج" الخزان الجغرافي والاقتصادي الأساسي لأي اقتصاد فلسطيني مستقبلي. في حال حصول الفلسطينيين على حرية الوصول والاستثمار في هذه المنطقة، يمتلك الاقتصاد الفلسطيني قدرة كبيرة على النمو والتحول الهيكلي.[15]تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن استغلال الموارد الاقتصادية في المنطقة يمكن أن يضيف نحو 3.4 مليارات دولار سنوياً إلى الاقتصاد الفلسطيني، أي ما يعادل زيادة تقارب 35٪ من الناتج المحلي الإجمالي. يشمل هذا الإمكان الاقتصادي عدة قطاعات رئيسة. في قطاع الزراعة يمكن استغلال نحو 326 ألف دونم من الأراضي الخصبة، مما يرفع الإنتاج الزراعي بقيمة تقارب 740 مليون دولار سنوياً. وفي قطاع التعدين والمعادن في شمال البحر الميت يمكن تحقيق عوائد تقارب 918 مليون دولار. كما يملك قطاع المقالع والحجارة قدرة على زيادة الإنتاج بنحو 241 مليون دولار إذا توفرت تراخيص واستثمارات منظمة. إضافة إلى ذلك، يسمح تطوير البناء والإسكان بتوسيع المدن والقرى الفلسطينية ويولد نحو 239 مليون دولار من النشاط الاقتصادي. ويملك قطاع السياحة، خاصة في منطقة البحر الميت والأماكن الدينية والطبيعية، قدرة على إضافة 126 مليون دولار سنوياً. كما يساهم تطوير الاتصالات والبنية التحتية الرقمية بنحو 48 مليون دولار إضافية. إلى جانب هذه العوائد المباشرة، يقود تطوير المنطقة "ج" إلى آثار اقتصادية أوسع، تشمل خلق فرص عمل واسعة، جذب الاستثمارات الخارجية، تطوير البنية التحتية، تقليل الاعتماد الاقتصادي على إسرائيل، وتعزيز الاستقلال المالي للسلطة الفلسطينية. لذلك تمثل المنطقة "ج" الركيزة الأساسية لبناء اقتصاد فلسطيني قادر على الاستدامة والنمو على المدى الطويل. إن خسارة المنطقة "ج" تعني عملياً عدم قدرة الدولة الفلسطينية على الاستمرار في الحياة وفق المساحات والتشرذمات التي هي عليها الآن.
المراجع
[1] تُعَدّ قوى مناهضة الاحتلال في إسرائيل محدودة، وتقتصر في معظمها على عدد من منظمات حقوق الإنسان، مثل مركز بتسيلم، يش دين، حركة السلام الآن، بِمكوم، كرم نبوت، وجمعية حقوق المواطن، التي تنتقد سياسات السيطرة في الأراضي المحتلة وتدعو لإنهاء الاحتلال أو تقليصه عبر تسوية تفاوضية؛ وإلى جانبها أقلية من الشخصيات والأوساط الحزبية التاريخية في ميرتس وحزب العمل التي أيّدت حل الدولتين وانسحابات تفاوضية متدرجة.
[1] راجعي، "ملف خاص- حكومة نتنياهو السادسة: يمينية استيطانية دينية متطرفة"، تقرير خاص، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، بتاريخ 29 كانون الأول 2022. انظري: https://short-url.org/1l3eF.
[2] Nir Shalev and Alon Cohen-Lifshitz, The Prohibited Zone: Israeli planning policy in the Palestinian villages in Area C”, (Jerusalem: Bimkom, 2008).
[3] المنسق، "تقرير تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق لعام 2021 بناء على قانون حرية المعلومات"، مكتب المنسق. انظري: https://short-url.org/1k-MQ.
[4] انظري برنامج حزب الصهيونية الدينية (بزعامة سموتريتش)، تحت بند "الاستيطان والسيادة"، على الرابط التالي: https://short-url.org/1k-NA.
[5] آنا برِسكي وتال ليف رام، "نحو المليون: خطة الاستيطان لتعزيز وتوسيع السامرة"، معاريف، 24 آب 2023. انظري: https://www.maariv.co.il/news/israel/article-1032637
[6] نتنياهو وافق على "تغيير النهج" في الضفة الغربية بعد أن عرضت "ريغافيم" أمامه خريطة التي تظهر انتشار البناء الفلسطيني. انظري: https://www.makorrishon.co.il/opinions/article/254708
[7] انظري مشروع منتدى شيلو الاستيطاني تحت عنوان "المعركة على الأراضي ج" على الرابط التالي: https://www.shiloh.org.il/the-battle-for-area-c.
[8] المصدر نفسه.
[9] المصدر نفسه.
[10] مجلس المستوطنات، "البناء الفلسطيني في المنطقة ج: خطة المراحل التي أعدها فياض"، 2013. الرابط: https://myesha.org.il/_Uploads/dbsAttachedFiles/34310.pdf
[11] OCHA oPt. (2015, September 6). Under threat: Demolition orders in Area C of the West Bank. https://www.ochaopt.org/he/content/c-2
[12] السلام الآن، "الحكومة تنشئ وحدة رقابة جديدة للعمل في الضفة الغربية ضد البناء الفلسطيني"، 10 أيلول 2025. الرابط: https://peacenow.org.il/demolition-unit-in-the-wb
[13] حركة ريغافيم، "حلقة خاصة: من تأسيس ريغافيم إلى تجنيد الحريديم"، برنامج "أقدام على الأرض"، يوتيوب، 17 تشرين الثاني 2025. الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=QT-76r7xdrE
[14] حزب الصهيونية الدينية، "جوالو الأراضي". الرابط: https://zionutdatit.org.il/hityashvut/tours/
[15] أودي ديكل، رام كوهين، ونوي شاليف، "من الصراع على المنطقة ج إلى فضاء تفاهمات مع السلطة الفلسطينية"، نشر خاص، معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، 17 آب 2023. الرابط: https://www.inss.org.il/he/publication/c-territory/
المصطلحات المستخدمة:
مراقب الدولة, الصهيونية, بتسيلم, الإدارة المدنية, الليكود, الكنيست