الإتفاقات الإئتلافية واحتمالات البقاء
توطئة
شهد الكنيست يوم 10 كانون الثاني (يناير) 2005 تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بقيادة حزب "الليكود" وبرئاسة أريئيل شارون، تضم أيضًا كتلتي حزبي "العمل" و"يهدوت هتوراه" (ديني متشدّد). وقد أقر الكنيست هذه الحكومة، للمرة الأولى في تاريخه، بأغلبية أقل من نصف أعضائه الـ120- ثمانية وخمسين عضوًا مقابل ستة وخمسين وامتناع ستة عن التصويت. وفي حين صوّت ثلث أعضاء الكنيست عن "الليكود" ضد الحكومة فقد أيدها أعضاء الكنيست عن حزب "ياحد- ميرتس" اليساري (باستثناء عضو الكنيست يوسي سريد، الذي امتنع عن التصويت).
عادت الأزمة بين إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وحكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية، لتتصدر العناوين الرئيسة لوسائل الإعلام، خاصة في إسرائيل، منذ نهاية الأسبوع الماضي.
وبرزت الأزمة في العلاقات بين الجانبين هذه المرة على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، علما أن التوتر ومشاعر الغضب والخلافات في المواقف في كلا الجانبين كانت قد طفت على السطح منذ العام الماضي، على خلفية العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، التي وصلت إلى طريق مسدود.
وساهمت معارضة إسرائيل العلنية لمعظم التفاهمات التي توصلت إليها الدول العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مع إيران حول البرنامج النووي لهذه الأخيرة، في تصاعد التوتر بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو. ولم يتردد المتحدثون الإسرائيليون، وفي مقدمتهم نتنياهو، ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، ووزير الدفاع موشيه يعلون، في مهاجمة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بسبب مواقفه تجاه حل القضية الفلسطينية والموضوع النووي الإيراني. ووصف المسؤولون الإسرائيليون كيري بأنه "معاد لإسرائيل" و"مهووس" وأنه "شخصية غير مرغوب فيها" في إسرائيل.
يركز الخطاب العام في إسرائيل، خلال الحرب العدوانية الحالية على غزة، على القتال ضد حماس والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، ويغيّب معاناة المدنيين الفلسطينيين، الذين يدفعون أبهظ الأثمان، سواء بعدد الشهداء المرتفع للغاية أو بالدمار الرهيب جراء القصف الإسرائيلي العنيف. ولا تخفي إسرائيل تعمدها التسبّب بهذه الأهوال، وأن ذلك يندرج ضمن عقيدة قتالية تطلق عليها اسم "عقيدة الضاحية"، في إشارة إلى تدمير الضاحية الجنوبية في بيروت، معقل حزب الله، خلال حرب لبنان الثانية في العام 2006.
ويرافق هذا العدوان الوحشي، تفاقم لمظاهر العنصرية بين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، في قطاع غزة والضفة الغربية وداخل إسرائيل، ورفض أية مظاهر احتجاجية مناهضة لهذه الحرب، خاصة لدى عرب الداخل.
قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، خلال مؤتمر صحافي عقده سوية مع وزير الدفاع، موشيه يعلون، في مقر وزارة الدفاع في تل أبيب، أول من أمس الأحد، "إننا موجودون في حرب على البيت". وخاطب الجنود الإسرائيليين الذين يشاركون في العدوان على قطاع غزة بالقول "بودي أن أقول لكم إن مواطني إسرائيل يقفون من ورائكم... وإسرائيل لم تختر الدخول إلى هذه الحملة العسكرية، لكن منذ أن فرضت علينا فإننا سننفذها حتى تحقيق الهدف، وهو إعادة الهدوء لفترة طويلة، وخلال ذلك توجيه ضربة لحماس وباقي البنى التحتية الإرهابية. ولن نرتدع. وسنستمر في العملية العسكرية طالما اقتضى الأمر. والعملية (البرية) الحالية واسعة النطاق. وهذه خطوة مليئة بالمخاطر ولكنها ضرورية".
فقدَ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حليفه الأقرب في الائتلاف الحكومي، وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، الذي أعلن يوم الاثنين الماضي انفصال حزبه، "إسرائيل بيتنا"، عن حزب الليكود، بعد مرور سنة وثمانية شهور تقريبا على تحالف الحزبين وخوضهما الانتخابات في بداية العام الماضي (2013) ضمن قائمة "الليكود بيتنا".
وبرزت الخلافات بين نتنياهو وليبرمان من خلال تصريحاتهما في الأسابيع الأخيرة، في أعقاب اختطاف وقتل المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة واتهام إسرائيل حركة حماس بالوقوف وراء هذه العملية. واشتدت هذه الخلافات قبل أسبوعين، بعد أن بدأ ليبرمان يطالب بـ"احتلال غزة" وشن "عملية سور واق في قطاع غزة"، قائلاً إن "مفهوم أن الهدوء (من جانب الفلسطينيين في غزة) سيقابل بالهدوء (من جانب إسرائيل) هو أمر خطير". من جانبه ادعى نتنياهو أنه ينبغي "ضبط النفس"، علما أن الطيران الحربي الإسرائيلي كان في ذلك الوقت يشن غارات كثيفة على القطاع.
يحاول اليمين المتطرف الإسرائيلي، المتمثل بحزب "البيت اليهودي" وقسم كبير من حزب الليكود الحاكم وقادة المستوطنين عموما، دفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى اتخاذ قرارات لشن عملية عسكرية واسعة ضد الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، بادعاء القضاء على حركة حماس سياسيا وعسكريا، في أعقاب اختطاف ثلاثة مستوطنين وقتلهم.
لكن هذا اليمين يعلم أن عملية عسكرية واسعة كهذه، تشمل اجتياحا بريا للقطاع ومواصلة الاجتياح الحاصل في الضفة، ستكون موجهة بالأساس ضد المواطنين الفلسطينيين العزّل، مثلما حدث في جميع العمليات العسكرية الإسرائيلية في العقود الماضية.
الصفحة 40 من 61