في ظل توتر بعض جوانب العلاقة بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، وتراجع صورة إسرائيل داخل قطاعات من الرأي العام الأميركي عقب الحرب على إيران عام 2026، وتصاعد اتهامات ترى أنها دفعت الولايات المتحدة نحو حرب كان يمكن تجنبها، برز مسار آخر يسعى إلى ترميم ما تضرر من العلاقة ويسعى إلى إعادة بناء تحالفات جديدة أكثر متانة.
منذ توقيع اتفاقيات أوسلو العام 1993، تعاملت إسرائيل معها بوصفها إطارًا انتقاليًا مؤقتًا لإدارة الصراع، بينما تعامل الفلسطينيون معها، بالإضافة إلى معظم المجتمع الدولي، بوصفها مسارًا نحو إقامة الدولة الفلسطينية. لم تتأسس اتفاقيات أوسلو كاتفاق دولي يمتلك ضمانات ملزمة أو أجهزة رقابة وإنفاذ فعالة، بل قامت على علاقة ثنائية غير متكافئة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية تحت رعاية أميركية متغيرة. وضمن هذا الواقع، تعمل الاتفاقيات بين حكومة إسرائيلية تمتلك التفوق العسكري والسيطرة الميدانية وتتبنى سياسات توسعية معادية للفلسطينيين، وبين سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات والأدوات، تفتقر، ضمن حدود شرعيتها الدولية، إلى وسائل فعالة لوقف مشاريع فرض السيادة الإسرائيلية وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
غيّرت الأسلحة الرخيصة وغير المتناظرة طبيعة المواجهة بين الجيوش النظامية والتنظيمات المسلحة خلال العقدين الأخيرين. ففي العراق وأفغانستان فرضت العبوات الناسفة على الجيش الأميركي إعادة التفكير في الحركة، والحماية والإمداد والدوريات، حيث ضربت إيقاع الجيش نفسه وأجبرته على تحصين المركبات وتغيير المسارات وتطوير مجسات وروبوتات ومنظومات كشف. وفي قطاع غزة، أدت الأنفاق وظيفة مشابهة عندما حوّلت الأرض إلى ساحة قتال مخفية وفرضت على الجيش الإسرائيلي حربًا بطيئة ومكلفة.
تشكل حرب تشرين الأول/ أكتوبر 2023 نقطة تحول في بنية سوق العمل الإسرائيلية، حيث أوقفت إسرائيل تشغيل العمال الفلسطينيين بشكل شبه كامل، وبدأت بالتوازي في تنفيذ سياسات تهدف إلى استبدالهم بعمالة أجنبية. اعتمدت هذه السياسات على توسيع استقدام العمال من دول آسيوية وأوروبية شرقية عبر اتفاقيات ثنائية، وإعادة تنظيم قطاعات الإنتاج على أساس هذا التحول. بعد مرور نحو عامين ونصف العام، أصبح من الضروري تقييم هذه الاستراتيجية من منظور سوق العمل الإسرائيلية، وفحص مدى نجاحها في سد الفجوة التي خلفها غياب العمال الفلسطينيين، وتحليل حدودها، وتداعياتها الاقتصادية.
الصفحة 17 من 961