المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 8
  • هشام نفاع

حين تبيّن أن 3% فقط من طلاب الصف التاسع الذين خضعوا العام 2025 لاختبار "ميتساف" في العلوم تمكنوا من بلوغ الحد الأدنى المطلوب وفق المنهاج الدراسي، فيما رسب 54% منهم، قرر وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، يوآف كيش، إلغاء نشر هذه العلامات بعد اطلاعه عليها، مدعيًا وجود عيوب في الاختبارات. لكن هذه النتائج كُشفت في القناة 12، بعدما أفاد التقرير بأن وزارة التربية والتعليم نقلتها إلى المدارس.

كشف الاختبار الذي يفحص "مؤشرات النجاعة والنمو المدرسي" هذا العام وضعًا قاتمًا في التحصيل الدراسي للطلاب في المدارس الإسرائيلية، إذ أن 37% فقط من طلاب الصف السادس الذين خضعوا لاختبار الرياضيات بلغوا الحد الأدنى الذي حددته وزارة التربية والتعليم، وفي اختبار اللغة الإنكليزية للصف السادس لم يتمكن سوى 36% من الطلاب من بلوغ هذا الحد. والحد الأدنى المقصود هو الذي حددته الوزارة بخصوص تحقيق مستوى الإتقان المطلوب وفق المنهاج الدراسي، أي أن يحصل الطالب على العلامة المتوقعة لطالب في مرحلته الدراسية بعد أن يكون قد درس المنهاج الذي أعدته وزارة التربية والتعليم نفسها.

هذه البيانات التي جعلت ممثل الحكومة الإسرائيلية يلجأ إلى الرقابة بدلًا من مواجهة الواقع، جزئية فقط، وليست البيانات الكاملة التي أعدتها "الهيئة الوطنية للقياس والتقييم في التربية والتعليم" (تسمى اختصارًا، راماه). فما زال الوزير كيش يحجبها، لذلك لم تُنشر رسميًا أيضًا. وتتضمن معلومات عن متوسط علامات الطلاب ككل، ومتوسط علامات كل قطاع من قطاعات جهاز التعليم، بمن في ذلك الطالبات في المدارس الحريدية.

قبل نحو أسبوعين نُشرت نتائج اختبارات "ميتساف" للعام 2025 في اللغة الإنكليزية للصف التاسع، وأظهرت أيضًا إخفاق الطلاب في جهاز التعليم الإسرائيلي، إذ لم يتمكن سوى نحو 20% منهم من بلوغ المستوى المتوقع الذي حددته وزارة التربية والتعليم، بينما جاءت نتائج طلاب التعليم الرسمي الديني والطالبات الحريديات دون المعدل العام. في الشهر الماضي، نُشرت أيضًا نتائج الامتحانات القطرية في اللغة الأم، حيث بلغ من حققوا المستوى المطلوب في اللغة الأم 38% فقط.

الوزير يدّعي: "المعطيات ليست موثوقة وليست دقيقة"

يزعم الوزير كيش أنه ألغى نشر نتائج الاختبارات بسبب "عيوب" قال إن جهات مهنية في الوزارة أثارتها بشأن عمل الهيئة الوطنية للقياس والتقييم. بعد نشر نتائج اختبارات العلوم والرياضيات قال إن هناك مشكلة في عملها، لأنها تجري اختبارات تستند إلى المنهاج الدراسي، "لكن لا يمكن اختبار الطلاب من دون التأكد من أن الامتحان يتناول ما تم تدريسه فعليًا"، أي إنه ينبغي اختبار الطلاب فقط في المادة التي يعرفونها، وليس في المادة التي يُفترض أن يكونوا قد تعلموها. وهو بهذا يتجاهل – أو يعترف عمليًا - بالتقصير في تعليم الطلاب كل ما يجب أن يتعلموه بحسب منهاج الوزارة بذاتها.

زعم الوزير أنه تلقى: "وثيقة من عدد من الجهات المهنية في الوزارة، أُثيرت فيها ادعاءات قاسية وخطيرة بشأن طريقة إدارة عملية إعداد الاختبارات والبيانات والاستنتاجات. وبدلًا من التعامل مع هذه الادعاءات بصورة موضوعية ومهنية، اختارت هيئة (راماه) تسريب بيانات غير مستندة إلى أساس، وإدارة حملة إعلامية هدفها صناعة العناوين الإعلامية والتغطية على الحاجة إلى فحص مهني حقيقي".

من جهتها، توجهت صحيفة "ذي ماركر" إلى وزارة التربية والتعليم طالبةً التحدث مع الجهات المهنية التي قالت إنها نقلت انتقادات بشأن إعداد اختبارات الوزارة وعمل "راماه"، كما طلبت الحصول على رد مسؤولي الهيئة، إلا أن وزارة التربية والتعليم رفضت التعقيب.

في المرحلة التالية، قرر وزير التربية والتعليم إقالة المدير العام لهيئة (راماه)، غال ألون، وذلك بعدما رفض الأخير طلبه إخفاء نتائج الامتحانات القطرية لطلاب الصف التاسع في موضوع العلوم. واللافت، أن إدارة "راماه" قد علمت بقرار الإقالة من خلال التقارير الإعلامية، فيما رفض وزير التربية التعقيب على الموضوع.

وفقًا لقناة "كان"، اتُّخذ قرار الإقالة خلال اجتماع لإدارة وزارة التربية والتعليم، إلا أن كيش لا يملك الصلاحية القانونية لاتخاذ هذا القرار؛ إذ تنصّ قرارات الحكومة على أن مدة شغل المنصب هي ثماني سنوات، وأن المدير العام يُعدّ من أصحاب المناصب التي "تكتسب فيها الاستقلالية وعدم التبعية أهمية خاصة". وقالت مصادر في جهاز التعليم لصحيفة "هآرتس" إن "قرارات الحكومة تهدف إلى ضمان استقلالية هيئة (راماه) ورئيسها، ومنع أي وزير من الإضرار بالمصلحة العامة عبر إخفاء المعطيات أو تشويهها أو محاولة توجيه نتائج الأبحاث، كما فعل الوزير كيش".

اتخذ كيش القرار في اجتماع بمقر مؤسسة "يد فاشيم" لتخليد ضحايا المحرقة النازية. وهنا قال مسؤول رفيع في جهاز التعليم لصحيفة "هآرتس": "استغل يوآف كيش ذكرى المحرقة لتشويه السمعة ونشر الأكاذيب، وقد فعل ذلك داخل مؤسسة (ياد فاشيم). كما اشترط ألا يحضر المدير العام لـ(راماه) الجلسة، لضمان عدم تمكنه من الرد على الاتهامات، واختار أن يؤلب أعضاء إدارة الوزارة بعضهم على بعض". لكن الحكومة لم تكتفِ بكل هذا بل أصدر وزيرها كيش تعليمات بإنشاء وحدات للقياس والتقييم تعمل من داخل مكتبه. وقالت "هآرتس" إنه في الآونة الأخيرة، يبدو أن وزير التربية والتعليم يمارس ضغوطًا على الهيئة ويتدخل في طريقة نشر نتائجها.

معطيات: تراجع مرتبة إسرائيل في الاختبارات الدولية أيضًا

في سياق متصل، عقدت لجنة العلوم والتكنولوجيا التابعة للكنيست جلسة متابعة حول مستقبل تدريس العلوم في إسرائيل. من بين القضايا التي طُرحت، وفقًا لبروتوكول اللجنة: نقص المدرسين في مجال العلوم، وضرورة توسيع عدد الطلاب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والنهوض بالنساء والفئات المهمشة، وتعزيز الصلة بين النظام التعليمي والأكاديمية والصناعة، والاستعداد للتحديات المستقبلية، بما في ذلك ثورة الذكاء الاصطناعي. تهدف الجلسة إلى "دراسة الخطوات التي اتُخذت منذ الجلسة السابقة، والتوصيات التي اعتُمدت، ووضع تنفيذها، والعوائق والاحتياجات الإضافية اللازمة لضمان احتفاظ دولة إسرائيل بتفوقها العلمي والتكنولوجي أيضًا في العقود القادمة".

 عُرضت خلال الجلسة معطيات تُشير إلى تراجع المرتبة التي تحتلها​ إسرائيل في الاختبارات الدولية. فبحسب معطيات وزارة التربية والتعليم، تراجعت إسرائيل من المركز السادس عشر في الرياضيات والعلوم العام 2019 إلى المركز الخامس والعشرين في الاختبارات الأخيرة. كما عُرضت فجوات كبيرة بين مختلف الفئات السكانية، ونتائج تُشير إلى تفاوت كبير في التحصيل الدراسي.

 وقدّم د. أريئيل هيمان، رئيس لجنة التعليم التابعة لـ "المجلس القومي للبحث والتطوير"، نتائج التقرير الشامل الذي أعدته اللجنة على مدار عامين. وقال: "إن إسرائيل تواجه أزمة وطنية في مجال تدريس العلوم. وقد أوصينا بإنشاء مجلس قومي لتدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ووضع سياسة متكاملة لتدريس العلوم والتكنولوجيا، وصياغة وتنفيذ خطة خمسية استراتيجية للارتقاء بجودة مدرِّسي العلوم، وتحسين البنية التحتية لتدريس العلوم، وزيادة عدد المتعلمين منذ الصغر، وتعزيز اندماج النساء والفئات المهمشة".

 وتابع: "لقد أثبتنا أن العائد على الاستثمار في التعليم العلمي أعلى بـ 17 مرة من الاستثمار نفسه - فإذا استثمرت دولارًا واحدًا في طفل منذ صغره، فإن العائد على الاقتصاد عندما يصبح بالغًا يصل إلى حوالي 17 دولارًا. لذلك، فهذا ليس استثمارًا قيّمًا وتعليميًا فحسب، بل هو أيضًا خطوة اقتصادية مربحة لدولة إسرائيل". وأشار د. هيمان إلى أن توصيات اللجنة قد تم اعتمادها من وزير التربية والتعليم وشكلت الأساس للخطة الحكومية التي عرضت خلال الجلسة.

"الإخفاق في نتائج العلوم كان حتميًا"

وعرضت د. مايا غوردين، مديرة قسم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في وزارة التربية والتعليم، ما سُمّيت خطة "إسرائيل العلمية" والتغييرات الهيكلية التي نُفذت في الوزارة عقب الأزمة التي كشفت عنها الاختبارات الدولية، قائلةً: "لم يعد مجال العلوم والتكنولوجيا مجرد مادة دراسية في النظام التعليمي. فكل فجوة نراها في المعطيات لا تمثل مجرد رقم تعليمي، بل مسألة تتعلق بالحصانة الوطنية والاقتصادية والأمنية. لقد كانت نتائج اختبارات TIMSS وPISA بمثابة جرس إنذار. تحملت وزارة التربية والتعليم مسؤولية النتائج، ووضعت خطة وطنية، وأقرتها الحكومة. وتم تركيز المواد العلمية تحت قسم جديد للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وأُنشئ مجلس وطني للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ووُضعت آلية تنفيذ تربط مسؤولي وزارة التربية والتعليم بالمناطق والمدارس".

أمام هذه الوعود الرسمية، كتب البروفسور بيرتس لافي، الرئيس السابق لـ التخنيون (المعهد الإسرائيلي للتكنولوجيا)، والرئيس السابق "للمجلس الوطني للبحث والتطوير"، مقالا بعنوان "الإخفاق في نتائج العلوم كان حتميًّا". ويقول فيه بسخرية مرّة: جاء نشر الخبر عن نسب النجاح المتدنية للغاية لطلاب إسرائيل في اختبارات العلوم متزامنًا مع فوز إسرائيلي بالمركز الثاني في مسابقة اليوروفيجن، فدُفع الخبر إلى الهامش، بالرغم من أنه يمثل إخفاقًا يبعث على القلق الشديد. غير أن النتائج المتواضعة جدًا التي حققها طلاب إسرائيل لم تكن مفاجئة؛ فقد كان الفشل المدوي في اختبارات "ميتساف" مكتوبًا على الجدار بأحرفٍ واضحة لا لبس فيها.

وأشار إلى أنه في العام 2021، فحَص المجلس الوطني للبحث والتطوير واقع تدريس العلوم في المدارس. وضمت اللجنة نخبة من الخبراء في هذا المجال، وأنجزت عملًا شاملًا في جمع المعطيات وتحليل واقع تدريس العلوم خلال السنوات السابقة. وكانت نتائجها خطيرة؛ إذ إن أكثر من نصف خريجي برامج إعداد معلمي العلوم لا يلتحقون أصلًا بجهاز التعليم، كما أن نحو 40% من معلمي العلوم تزيد أعمارهم على خمسين عامًا. ومع ارتفاع معدلات الانسحاب خلال مرحلة إعداد المعلمين، كانت الخلاصة واضحة: في غضون نحو عقد من الزمن قد تواجه دولة إسرائيل نقصًا حادًا في معلمي العلوم. وعلى الرغم من أن وزارة التربية والتعليم تشترط أن يكون معلم العلوم حاصلًا على درجة البكالوريوس على الأقل، فإن بعض المعلمين لا يستوفون هذا الشرط. وفي حالات كثيرة، يتولى تدريس العلوم معلمون لم يتلقوا تأهيلًا متخصصًا في هذا المجال.

وتابع: تضاف إلى ذلك مشكلة التمويل؛ إذ يُخصص لتدريس العلوم تمويل مماثل لذلك المخصص لمواد العلوم الإنسانية، بالرغم من أن تدريس العلوم يحتاج إلى موارد أقرب إلى تلك المطلوبة للتخصصات التكنولوجية. فالتدريس الجيد للعلوم يتطلب مختبرات، وتعلمًا تجريبيًا، والعمل ضمن مجموعات صغيرة، ووظائف لفنيي المختبرات. وقد وجدت اللجنة أن ثلث المدارس التي شملها الفحص لا يضم مختبرات أصلًا، وفي نصفها لا يعمل فنيو مختبرات. وقد قُدمت استنتاجات اللجنة وتوصياتها إلى وزير التربية والتعليم في حزيران 2023. غير أنه يبدو أن هذه التحذيرات لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه. فنتائج اختبارات العلوم ليست خللًا عابرًا، بل هي ثمرة سنوات طويلة من الإهمال. وربما يعود هذا الإهمال أيضًا إلى توجه فكري يشكك في أهمية المواد الأساسية وفي إسهامها في مستقبل الدولة، كما عبّر عن ذلك رئيس لجنة المالية في الكنيست بقوله: "ما الفائدة التي تقدمها المواد الأساسية؟".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات