في يوم 29 تموز 2021، خرج آلاف المزارعين الإسرائيليين إلى الشوارع للاحتجاج، وأغلقوا ثمانية مفترقات رئيسية في البلد. وبالإضافة إلى رفع يافطات تنديد، وإطلاق شعارات غاضبة، قام المزارعون بإتلاف مئات الأطنان من الخضروات والبيض.{ref}موشيه كوهين، مزارعون يحتجون على الإصلاح المتعلق بالاستيراد: من المستحيل إنهاء الزراعة في إسرائيل، معاريف، 29 تموز 2021. أنظر الرابط التالي: https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-856021{/ref} ويقوم المزارعون بالاحتجاج ضد الإصلاح الزراعي الذي تدفع به الحكومة الإسرائيلية الجديدة بكل إصرار، والذي قد يشكل ضربة قاضية لقطاع الزراعة الإسرائيلي الذي يعتبر في المخيال الصهيوني عماد الاستيطان، والعودة إلى الأرض. على ما يبدو، السياق الذي بدأ في منتصف الثمانينيات وأحدث انعطافة من إسرائيل الاشتراكية نحو إسرائيل النيو ليبرالية لم يطل كل القطاعات بشكل متساوٍ، وظل قطاع الزراعة مستفيدا من سياسات حمائية تدافع عن المزارع الإسرائيلي من فوضى السوق المفتوحة والمضاربات الحرة. الآن، يكشف اليمين الإسرائيلي الجديد عن أنيابه النيو ليبرالية، ويسعى إلى خصخصة كل ما يمرّ تحت مقصلته، ابتداء من مجلس الحاخامات (الرابانوت)، هيئة الموافقة على الأكل الحلال (الكشروت) وصولا إلى قطاع الزراعة.
شكلّت الهبّة الفلسطينية في شهر أيار الفائت، من بين أمور أخرى، بمثابة محكٍ لإخضاع العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى الفحص والتحليل على صعيد التحوّلات التي طاولت موقف الإدارة الجديدة في البيت الأبيض من جهة، وموقف الجالية اليهودية الأميركية من جهة أخرى. وفي الوقت عينه فإن هذه التحوّلات بدورها كانت بمنزلة إيذان ببدء حملة هجوم يمينية سرعان ما استعرت ضد تلك الجالية، كما سبق أن نوهنا في أكثر من مناسبة في الماضي القريب.
ويمكن القول إن الدور التدريجي الذي تقوم به جهات راديكالية أو ليبرالية في صفوف اليهود في الولايات المتحدة، إلى ناحية تغيير مواقف الحزب الديمقراطي الحاكم حيال إسرائيل، ويبدو أنه دور مُرشّح للاتساع، هو ما يُؤجّج زيادة وتيرة الهجوم اليمينيّ على هذه الجهات، التي تشمل في ما تشمل تصعيداً في حدّة اللهجة، وفي كيل الاتهامات.
تقف في رأس حملة الهجوم هذه صحيفة "يسرائيل هيوم"، التي لا تنفك تركّز هجومها على ما ترى أنه مُستجدّ ومثير للقلق على مستوى الخطاب العام، أو على صعيد السردية، وبشكل خاص في محور ما يوصف بأنه "تبدّل المصطلحات"، الذي يؤول إلى طرح فحوى جديد لا سابق له، على غرار عدم الاكتفاء مثلاً بالحديث عن احتلال إسرائيلي بدأ في العام 1967، إنما أيضاً عن تكوّن نظام أبارتهايد، وكيف أن بعض من
يشكّل حجم التشغيل المتساوي لمختلف شرائح المواطنين في المجتمع امتحاناً آخر لمدى تطبيق مبدأ المساواة. ويستدلّ من تقرير جديد نشره مكتب مراقب الدولة الإسرائيلية، مطلع هذا الشهر، أن العلامة في هذا الامتحان ما زالت بعيدة عن جعل نظام الحكم الإسرائيلي يعبر المعايير الدولية، وحتى المحلية التي حددتها حكومات ومؤسسات في السابق، نحو التصريح بثقة بأن المساواة مبدأ محترم في هذه الدولة فعلاً وليس قولاً فحسب.
أقرت الحكومة الإسرائيلية واحدة من أكبر ميزانيات الدولة، للعامين الجاري والمقبل 2022، بعد أن انتهى العام 2020، ولأول مرّة منذ 73 عاما، بدون أن تقرر له ميزانية خاصة، بفعل الأزمة الحزبية التي امتدت لأكثر من عامين. وتمشيا مع توصيات بنك إسرائيل المركزي، لم تقر الحكومة تقليصا كبيرا في الميزانية لسد العجز، بهدف تجاوز أزمة كورونا وما تخلفه من أزمات اقتصادية. ورغم ذلك فإن جمود ميزانيات بعض الوزارات هو بحد ذاته تقليص، في حين أن ميزانية الجيش وحدها ارتفعت بنسبة 14%. وخلافا للتقارير الإسرائيلية، فإن هذه الحكومة وائتلافها الضيق في الكنيست، قادران على تمرير الميزانية كليا، حتى الرابع من تشرين الثاني المقبل.
الصفحة 307 من 976