الاتصال الهاتفي من الرئيس جورج بوش مساء يوم الاثنين، بشر شارون بانتهاء "فترة الانتظار" الطويلة للحرب في العراق، وبداية فصل جديد في تاريخ الشرق الأوسط. حدثان اثنان شكَّلا دليلاً على العلاقة الوثيقة بين الأزمتين في المنطقة، في العراق وفي المناطق الفلسطينية: تعيين ابي مازن رئيسا للحكومة الفلسطينية، في ظل الانذار الأمريكي لصدام حسين؛ وتصريح بوش حول الالتزام بتطبيق "خارطة الطرق" التي يفترض ان تؤدي، بعد الحرب، الى اقامة دولة فلسطينية.من جهة شارون، فترة الانتظار بدأت في تموز الماضي، عقب خطاب بوش ودعوته الى تغيير القيادة الفلسطينية. رئيس الحكومة تبنى آنذاك توصية الجيش باعتماد سياسة "ادارة المخاطر" التي من شأنها خفض "الارهاب الفلسطيني" الى درجة معقولة، من خلال الامتناع عن التصعيد في المناطق (الفلسطينية) وفي الحدود الشمالية، وتوثيق التنسيق بين اسرائيل والولايات المتحدة. الجنرالات عرضوا امام شارون ثلاثة سيناريوهات قد تساعد اسرائيل ان هي حافظت على الانضباط: الحرب المتوقعة في العراق؛ تراجع قوة ومكانة (الرئيس ياسر) عرفات وصعود قيادة بديلة في الجانب الفلسطيني؛ وبناء الجدار الفاصل. رئيس الحكومة، من جهته، لم يقتنع تماماً بالأبعاد السياسية للجدار الفاصل واستغرب كون الموانع في الضفة الغربية اكثر اهمية من الجدران في الجليل وفي غزة. لكنه عاد في النهاية واقتنع. ولاحظ وزراء رافقوه هذا الاسبوع في جولة على طول "خط التماس" ان شارون "ذوَّت" الجدار، الذي هو المشروع المركزي في فترة رئاسته للحكومة.
صرح مسؤولون اسرائيليون ان الولايات المتحدة ابلغت اسرائيل ان قواتها تنشط حاليا في غرب العراق، المنطقة الوحيدة التي يمكن لجيش الرئيس العراقي صدام حسين اطلاق صواريخ سكود منها. وقال هؤلاء المسؤولون الذين طلبوا عدم كشف هوياتهم ان جنودًا اميركيين في وحدات صغيرة من القوات الخاصة على الارجح، يعملون حاليا على ضمان امن هذه المنطقة الصحراوية لتجنب اطلاق صواريخ سكود على اسرائيل كما حدث في حرب الخليج (1991).وكان العراق اطلق 39 صاروخ سكود برؤوس تقليدية على اسرائيل اثناء حرب الخليج عام 1991. وامتنعت اسرائيل انذاك عن الرد لكي لا يؤدي ذلك الي انهيار تماسك التحالف الدولي المعادي للعراق بقيادة الولايات المتحدة والذي كان يضم دولاً عربية. وكانت واشنطن اكدت لاسرئيل ان ارسال قوات الى غرب العراق لتدمير مواقع محتملة لاطلاق الصواريخ سيكون من اولوياتها في حال اندلاع الحرب.
تختلف النظرة للامور، بين الشارعين، العربي واليهودي، في البلاد. فعلى الرغم من الخوف المشروع جراء التهديدات بضربة عسكرية متوقعة على اسرائيل، الا ان سلم الاولويات في الوسطين يختلف تماماً. فالجماهير العربية في اسرائيل قلقة جدًا على الشعب العراقي، ومن النتائج التي من الممكن أن تحققها الحرب العدوانية على العراق من جهة، وما قد يجري في المناطق المحتلة بعد انشغال العالم بالحرب ضد العراق. هذا الاعتبار لم يكن قائماً عام 91، لأن الخارطة السياسية اختلفت تمام الاختلاف عما هو عليه الوضع الآن. والتوتر الفلسطيني - الاسرائيلي كان قائما ولكن ليس بهذه الحدة
عرب الداخل هم في الصورة، لأنهم يعيشون في إسرائيل، وما يضيرها قد يضيرهم (تبًا لهذه المعادلة!!). ولكن الصورة الوحيدة التي لم يدخلوا فيها حتى الآن، ويبدو أنهم لن يدخلوها أبدًا، هي صورة الفرحة العارمة التي تكتسح "شعب إسرائيل" لمناسبة الهجوم القريب على العراق. عرب الداخل لا يمكنهم أن يكونوا جزءًا من هذه الصورة. فأمريكا التي تقصف العراق، هي نفسها أمريكا التي تزود إسرائيل بأسلحة القتل في الضفة والقطاع. وفي حالة العجز العربي العام، تتحول الـ 600 كيلومتر التي بين العراق والضفة، إلى ثلاثة أمتار بين شاشة التلفاز وبين المتحكم عن بعد، في صالوناتنا الرقمية!
الصفحة 971 من 1047