يستدل من التقرير السنوي لمكتب الاحصاء المركزي الإسرائيلي، الصادر في الأيام الأخيرة، أن نسبة "هجرة العقول من إسرائيل" في تزايد مستمر، وأن السنوات الثلاث الماضية شهدت تراجعا بنسبة 23% في عدد الأكاديميين الذين عادوا بعد أن أمضوا سنوات عديدة في الخارج.

 

ويصدر مكتب الاحصاء المركزي الرسمي منذ سنوات، تقريرا سنويا حول أعداد حملة الجنسية الإسرائيلية، ذوي الالقاب الجامعية، الذين هم في عداد المهاجرين الدائمين، ويتضح من التقرير الأخير أن نسبة أصحاب اللقب الثالث (الدكتوراة)، الذين هم في عداد المهاجرين، بلغت في العام الماضي أكثر بقليل من 11%، بعد أن كانت النسبة 3ر10%، قبل خمس سنوات. وفي المجمل فإن 6ر5% من أصحاب الألقاب الجامعية هم في عداد المهاجرين، بينما هذه النسبة كانت تقل عن 5% حتى قبل ثلاث سنوات، وفي حينه اعتبرت الحكومات الإسرائيلية أنها أمام ورطة.

وقد بدأ مكتب الاحصاء قبل سنوات في اصدار هذا التقرير السنوي، بطلب من وزارة العلوم، في واحدة من الحكومات الأخيرة، بعد أن تزايدت أعداد المهاجرين إلى الخارج، وبشكل خاص من ذوي القدرات العلمية والمهنية. وحسب التقديرات، فإن حوالي 850 ألفا من أصحاب الجنسية الإسرائيلية، وبغالبيتهم الساحقة جدا من اليهود، هم في عداد المهاجرين، وهم يشكلون قرابة 10% من اجمالي السكان، ولكن القانون الإسرائيلي لا يلزم هؤلاء بالتخلي عن الجنسية الإسرائيلية، خوفا من اختلال الميزان الديمغرافي بين اليهود والعرب في إسرائيل، إذ حسب التقديرات فإن أكثر من 12% من اليهود الإسرائيليين باتوا في عداد المهاجرين، مقابل أقل من 4 بالمئة من بين الفلسطينيين في الداخل.

ويتعامل تقرير مكتب الاحصاء فقط مع من هم حاصلون على لقب جامعي منذ العام 1980 ولاحقا. وتبين من التقرير أن نسبة حملة اللقب الثالث الذين كانوا في عداد المهاجرين في العام 2012 كانت 3ر10%، وارتفعت النسبة في العام 2015 إلى 9ر10%، وفي العام الماضي تجاوزت بقليل 11%، كما ذكر. كما تبيّن أن 24% من حملة اللقب الثالث في الرياضيات هم في عداد المهاجرين.

ويقول التقرير إن نسبة أصحاب اللقب الثاني الذين هم في عداد المهاجرين ارتفعت من 8ر3% في العام 2012، إلى 5ر4% في العام الماضي. أما أصحاب اللقب الأول فقد ارتفعت النسبة بينهم من 9ر4% في العام 2012، إلى 7ر5% في العام الماضي، وكل المؤشرات تدل على أن هذه النسب ترتفع باستمرار.

ويستدل أيضا أن نسبة الهجرة ترتفع لدى المتخصصين في مواضيع مثل الهندسة والعلوم العصرية، وبشكل خاص علم الحاسوب والتقنية العالية، على الرغم من ازدهار هذا القطاع بشكل خاص في الاقتصاد الإسرائيلي. وكما ذكر فإنه في عداد المهاجرين، 1ر24% من حملة لقب الدكتوراة في الرياضيات، و19% من حملة شهادة الدكتوراة في علم الحاسوب، و5ر18% من حملة الدكتوراة في هندسة المواد، و17% في هندسة الفضاء. كما تبين أن 6ر13% من حملة شهادة الدكتوراة في الطب، هم في عداد المهاجرين، في حين أن جهاز الطب الإسرائيلي، وعلى الرغم من أنه يُعد من الأجهزة المتطورة في العالم، يواجه نقصا في الأطباء، خاصة في المناطق البعيدة عن مركز البلاد.

كذلك فإن 5ر15% من حملة اللقب الثاني في الرياضيات هم أيضا في عداد المهاجرين، وهذا أكثر بثلاثة أضعاف من نسبة اجمالي حملة اللقب الثاني المهاجرين. ويليهم 15% من أصحاب اللقب الثاني في هندسة الفضاء.

أما بين الحاصلين على اللقب الأول، فتبين أن قرابة 21% من الحاصلين على اللقب الأول في الموسيقى هم في عداد المهاجرين، يليهم 15% من حملة اللقب الأول في موضوع اللغة الإنجليزية وآدابها، و5ر15% من الذين أنهوا اللقب الاول في العلاقات الدولية.

خطط التحفيز والاستقدام

وكان موضوع "هجرة العقول" قد طرح على جدول أعمال الحكومات الأخيرة في السنوات الأخيرة مرارا، واكثر من ذي قبل، وهذا كما يبدو على ضوء انحسار الهجرة إلى إسرائيل، التي كانت تحمل معها اعدادا كبيرة من الخبراء المهاجرين، خاصة من دول الاتحاد السوفييتي السابق.

وأمام التراجع الحاد في الهجرة، فقد بدأ الحديث في إسرائيل عما يسمى بـ "الهجرة النوعية"، أو "هجرة النخب"، كما جاء في عدة أبحاث ومؤتمرات، وهذا بقصد فريقين: الأول، كبار أصحاب رأس المال وأصحاب المشاريع الاقتصادية في الخارج، والثاني آلاف الخبراء الإسرائيليين.

وقد وضعت حكومة نتنياهو السابقة برنامجا لتحفيز "الأدمغة" التي هاجرت من إسرائيل على العودة اليها، وهذا بعد سلسلة من البرامج من أجل تحفيز كلا الفريقين للهجرة أو العودة إلى إسرائيل، إلا أن كل واحدة من تلك الخطط سجلت فشلا ذريعا، لأن واقع الحال في إسرائيل من ناحية اقتصادية واستقرار اقتصادي لا يمكن مقارنته مع الدول التي يتواجدون فيها، ليس فقط بسبب العروض المالية وفرص التقدم، بل أيضا بسبب فرص التنقل بين الخيارات المتاحة.

والبرامج التي أقرتها حكومة بنيامين نتنياهو، هي بالأساس موروثة عن الحكومة السابقة التي أقرتها ولم تحقق منها شيئا، رغم أن منها ما كان مليئا بالإغراءات المالية لتحفيز الذين هاجروا من إسرائيل على العودة إليها وبشكل خاص من ذوي الخبرات.

فقد وضعت حكومة إيهود أولمرت هدفا لتحقيقه في العام 2008، هو إعادة 15 ألف شخص من الذين غادروا إسرائيل من أصل 750 ألف شخص إلى 850 ألف شخص متواجدين بشكل دائم في الخارج مع اتجاهات هجرة، لكن البرنامج سجل فشلا ذريعا، بعد أن كان عدد العائدين اقل بكثير من الهدف.

ووضعت حكومة بنيامين نتنياهو السابقة خطة في مركزها أن توظف الحكومة والقطاع الاقتصادي ما لا يقل عن 420 مليون دولار لتشجيع ما لا يقل عن 500 خبير لاستقدام خبراء يهود من أوطانهم، أو استعادة خبراء إسرائيليين هاجروا في السنوات الماضية، على أن ينتشر المخطط على مدى خمس سنوات، من منطلق أن عودتهم واندماجهم في سوق العمل من شأنه أن يحقق أرباحا تفوق الميزانية المخصصة لعودتهم، على أن تعوض الحكومة هذه الأموال مستقبلا من خلال الأرباح التي ستجنى من عمل هؤلاء، ومن زيادة الناتج القومي. إلا أن خبراء يؤكدون عدم قدرة الخطط الحكومية على أن تحقق هدفها، كون ظروف العمل الجيدة والعالية تبقي الآلاف من الخبراء خارج إسرائيل، فهم يعملون في مجال عملهم بشروط عمل جيدة جدا، وحتى منهم من لا يجد ما يلائم تخصصه في مجالات الصناعات العالية والتقنية المتقدمة.

ويقول التقرير الأخير لمكتب الاحصاء، إن كل هذه المخططات، التي أهمها دخل حيز التنفيذ منذ العام 2010، لم تحقق هدفها، لا بل إنه في السنوات الثلاث الماضية، تراجعت أعداد العائدين بنسبة 23%، مقارنة مع الفترة التي سبقتها.

وقالت صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية إن تقليص الميزانيات لاستقدام الخبراء واستعادة الذين هاجروا في السنوات الأخيرة، ضرب تطبيق مخططات الحكومات السابقة، مما ساهم هو أيضا في تراجع أعداد العائدين.

واستنادا إلى تقرير مكتب الاحصاء الصادر في العام الماضي، فإن 60% من حملة الشهادات الجامعية يعملون في دول الاتحاد السوفييتي السابق، ما يمكن التقدير أن الغالبية الساحقة جدا من هؤلاء هم من الذين هاجروا في العقود الثلاثة الأخيرة إلى إسرائيل، وعادوا إلى أوطانهم لغرض العمل بشهاداتهم.

ولم يتضمن تقرير مكتب الاحصاء المركزي الصادر قبل أيام عن العام 2016، جدولا بانتشار المهاجرين في دول العالم، وهو الجدول الذي صدر في العام الماضي، وكان يرتكز على انتشار أكثر من 55 ألفا من حملة الألقاب. وتبين أن قرابة 33 ألفا متواجدون بشكل دائم في دول الاتحاد السوفييتي السابق، علما أنه وفق تقارير سابقة، فإن ما بين 130 ألفا إلى 140 ألفا، من الذين هاجروا من دول الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل، منذ العام 1989 ولاحقا، عادوا إلى أوطانهم الأم، فيما أن أعدادا كبيرة وغير محددة ما تزال تقسم حياتها بين وطنها الأصلي وإسرائيل، إذ حسب التعريف الرسمي فإن المهاجر هو من غادر البلاد لمدة عام كامل دون أن يعود ولو لبضعة أيام، ولذا فإن الذين يتنقلون باستمرار لا يتم اعتبارهم مهاجرين.

كذلك يتبين أن قرابة 8400 شخص في الولايات المتحدة الأميركية، وأكثر من 4300 شخص في الأرجنتين، التي تعد أبرز مصدر للهجرة إلى إسرائيل في أميركا اللاتينية. وفي فرنسا هناك قرابة 3200 شخص، وفي بريطانيا قرابة 2200 شخص، وفي جنوب أفريقيا قرابة 1500 شخص.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الإثنين, نوفمبر 11, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية