المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.

نشر في يوم الفاتح من كانون الثاني الحالي خبر في عدة مواقع إخبارية إسرائيلية تحدث عن لقاء على وجبة إفطار جمع بين "الطفلة الفلسطينية التي شتمت جنوداً إسرائيليين" وبين رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان.

سوف أوضح بإيجاز لمن فاتته تفاصيل الحكاية أن الأمر يتعلق بالطفلة الفلسطينية عهد التميمي (13 عاما) ابنة ناريمان وبسام تميمي من قرية "النبي صالح" قضاء رام الله. وقد نشرت حكاية "عهد" في مواقع التواصل الاجتماعي قبل بضعة أسابيع، بعدما التقطت لها صور في المظاهرة الأسبوعية في القرية بينما كانت في "مواجهة" مع جنود إسرائيليين حاولوا قمع المتظاهرين، حيث نشرت صورها على نطاق واسع لتتحول إلى بطلة فلسطين، من وجهة نظر بعض المتصفحين، والى تهديد أمني وخطر على وجود دولة إسرائيل، من وجهة نظر آخرين.

ويمكن القول، بعد تأمل مئات التعليقات التي نشرت حول الخبر، وبعد تنقيتها من العنصرية والتعصب القومي وروح الشر والكراهية التي احتوتها معظم هذه التعليقات، بأن الادعاء المركزي الذي أثير فيها يعتبر صحيحا، وفحواه: لا مكان للأطفال في الصراعات القومية التي يخوضها "الكبار".

ولكن على الرغم من صحة هذا الادعاء القائل بأن الأطفال ليسوا أدوات في لعبة الصراعات والحروب وأنهم يجب أن يبقوا بعيدا عن كل ذلك، وبعيدا عن الأضواء والسياسة، إلا أنني سررت لكون هذه الصبية الصغيرة نالت احتراما وتقديرا عاليين وحظيت بلحظات من الراحة والسكينة عقب لقائها مع رئيس حكومة أجنبي في عاصمة بعيدة.

لا أريد أن أكرس هذه الزاوية لحكاية عائلة معينة أو طفلة واحدة، ذلك لأن هناك من أمثالها كثيرات وكثيرون، ترتبط حياتهم بالحروب والنزاعات والمعاناة والصدمات، بصورة يومية. غير أن هذه القصة يمكن أن تشكل نقطة البداية لنقاش قصير حول موضوع الأطفال في هذا الواقع.

لقد سبق أن كتبت في هذه الزاوية عن المظاهرة الأولى التي شاركت فيها في قرية "النبي صالح"، قبل حوالي عامين، والتي جرح خلالها شقيق ذات الطفلة (عهد)، من دون أن يكون في صدام أو مواجهة مع الجنود الإسرائيليين، لكن أحداً لم ينشر صورا له في الشبكات الاجتماعية.. فبينما كان يتمشى مع عدد من أترابه في الشارع الرئيس في القرية أصيب شقيق "عهد تميمي" برصاصة معدنية أطلقها جنود إسرائيليون، استقرت في بطنه وتسببت بتلف خطير في الكبد والكليتين، مما تطلب خضوعه للعلاج فترة طويلة.

والسؤال هنا: ما هو الخيار المتاح لطفل أو طفلة ولدا في قرية فلسطينية يقتحمها ويسيطر عليها الجيش الإسرائيلي أسبوعا وراء أسبوع؟!

ما هو الخيار المتبقي لأطفال يقبع والدهم في سجن إسرائيلي منذ سنوات كمعتقل سياسي متهم بـ "تنظيم مظاهرات"؟

ما هو الخيار المتاح أيضا لمن يبقيه والداه في البيت ويمنعانه من الخروج... فجنود الجيش الأكثر أخلاقية في العالم سوف يقتحمون بيته تحت جنح الظلام..

أحد المعلقين على الخبر، والذي سمى نفسه بـ "يهودي فخور"، كتب في تعليقه: "كيف يمكن لأهل أن يرسلوا أطفالهم إلى مظاهرة عنيفة؟! يجب أن يسجن هؤلاء الأهل وأن يحال الأطفال على التبني". فهل هذا شيء معقول! وهل يمكن للأهل أصلا أن يبعدوا أطفالهم عن العنف؟! لست واثقا أبداً من ذلك، ولا سيما حين يدور الحديث عن أهل فلسطينيين.

لعل في القصة التي نسردها هنا ما يبرهن على ذلك.

ففي مطلع العام 2011، جرت مظاهرة في مدينة الخليل المثخنة بالنزاعات والعنف، وقد قمت بتصوير تلك المظاهرة والتقطت الصورة من مسافة بعيدة، من شارع "الشهداء" المغلق في وجه السكان الفلسطينيين بأمر من قوات الاحتلال. ويظهر في الصورة (المرفقة بهذا الكلام) أحد الأزقة المؤدية من الشارع الذي وقعت فيه مظاهرة عنيفة سارت في اتجاه أحياء البلدة القديمة (القصبة) في الخليل، مرورا بالجزء الجديد العصري من المدينة الخاضع للسيطرة الفلسطينية (والذي لم تحل الاتفاقات دون اقتحامه المتكرر من جانب الجيش الإسرائيلي وسط استخدام العنف والقوة). حاول الجنود الإسرائيليون قمع المظاهرة الصاخبة وقاموا خلال ذلك بالتوغل داخل المنطقة الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وراحوا يطلقون وابلا من قنابل الغاز المسيل للدموع والعيارات المطاطية، من فوق أسطح المنازل، مثيرين الرعب والفزع في صفوف السكان الآمنين الذين لم تكن غالبيتهم مشاركة في المظاهرة. أثناء فراري مع الآخرين، توقفت ونظرت على الوراء وصورت غلى عجل النساء والأطفال والشبان الهاربين خوفا.. الشيء الذي لا يمكن مشاهدته في هذه الصورة هو الصراخ ورائحة الغاز المدمع والفزع، بيد أنه يمكن الشعور بشيء مما احتوته الصورة، حين يشاهد الناظر أحد الرجال يمسك بقوة بطفليه المرعوبين ويرفعهما بيديه محاولا إبعادهما بسرعة من منطقة الخطر.

هذه الصورة التي التقطتها بعدستي في الخليل، والتي نشرتها في حينه على صفحتي في الفيسبوك، وحظيت بعشرات التعليقات المفعمة بالصدمة والذهول، تبرهن كحال قصة الطفلة "عهد"، إلى أي حد تبدو الخليل، أو قرية "النبي صالح"، بعيدتين عن صالون وحاسوب الإنسان الإسرائيلي- اليهودي العادي، والذي يعقب بتعليق ينم عن عصبية وتعصب في مواقع الأخبار. فكروا قليلا إلى أي حد من السهل على مثل هؤلاء الآباء (اليهود) أن يجلسوا في بيوتهم الآمنة وأن يلهجوا بألسنتهم متهمين الآباء الفلسطينيين بانعدام الشعور بالمسؤولية وبتعريض حياة أبنائهم للخطر؟! ترى، أي بلادة هي هذه التي تجعل الإسرائيليين لا يدركون بأن الواقع في الخليل و"النبي صالح" وفي أماكن أخرى (من الضفة الغربية) ما زال بعيدا كل البعد عما هم مستعدون للاعتراف والإقرار به.

إحدى المعقبات، والتي سمت نفسها "أوريت" من تل أبيب، كتبت بأن أطفالها شاهدوا صورة الطفلة من "النبي صالح" وسألوها: لماذا يصرخ العرب طوال الوقت، ولماذا هم غاضبون دائما؟! وقالت بأنه كان يجب عليها أن تشرح لهم بأن ذلك سببه كونهم عربا ليس إلا.

لا داعي بالطبع للإسهاب في الحديث عن أشياء بديهية ومعروفة، مع ذلك فإن معقبين أقل عنصرية لم ينجحوا في فهم انه لا خيار للآباء ولأبنائهم تحت احتلال وقمع. فهم في كل الأحوال جزء من الواقع، وهم في كل الأحوال يعيشون في خطر، سواء أكان هؤلاء الأطفال يلهون في الشارع أو كانوا ينامون في أسرتهم غير الآمنة في بيوتهم. ليس هناك أي أمن أو أمان، حين يكون هناك من يسيطر على حياتك، وحين يكون هناك جنود مدججون بالأسلحة من أخمص القدم وحتى الرأس، يستطيعون في أية لحظة اقتحام بيتك، وزج أهلك وذويك في السجن لفترة طويلة، دون أي سبب حقيقي، أو إطلاق النار وكل أنواع الذخائر على حيزك الخاص.

الأطفال يجب أن لا يكونوا جزءا من صراعات "الكبار"، ولا أن يجرحوا أو يستنشقوا الغاز المسيل للدموع، أو أن يعرضوا حياتهم للخطر في أثناء لهوهم في باحة بيتهم.. أجل، كذلك يجب أن لا يكونوا "رمزا"، وأن لا يصرخوا على الجنود وأن لا يتناولوا الإفطار على موائد رؤساء حكومات. ولكن، هل يمكنهم أن يصمتوا؟! هل ثمة من خيار أمامهم أو أمام آبائهم؟!

رب قائل يقول إن هناك في أماكن أخرى من العالم أطفالا في خطر، وربما يعيشون في واقع أشد قسوة وخطورة مما وصفت هنا. هذا صحيح، ومع ذلك هذا لا ينفي مسؤوليتنا كإسرائيليين وكمواطنين في أن نحتج أولا ضد المظالم التي نتحمل وزرها، هذه المظالم التي لا تبدي غالبيتنا، كما يتضح بصورة قاطعة من التعليقات، استعداداً للاعتراف بها.

ربما كان السبب يكمن في حقيقة أننا وأبناءنا وأقاربنا، بمن ذلك الجندي الذي يطلق النار الآن في "النبي صالح" أو الخليل ويروع الأطفال ويجرحهم ويبقيهم في صدمة طوال حياتهم، مسؤولون عن ذلك .

إن هذه الطفلة التي صرخت على الجنود في "النبي صالح" لم تصرخ لأنها عربية، وإنما لأنها لا تستطيع السكوت حتى وهي في سن الثالثة عشرة.

_______________

(*) طالب دكتوراه في جامعة تل أبيب ونشيط ضد الاحتلال. ترجمة خاصة.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات