فلسطينيون داخل إسرائيل يحتجون على إقرار قانون القومية العنصري-صورة أرشيفية

 يشكل قرار المحكمة الإسرائيلية العليا الذي رفض طلبات التماس قدمتها جمعيات حقوقية لإلغاء "قانون القومية الإسرائيلي" أو تعديل أي بند فيه، والذي اتخذ بأغلبية عشرة قضاة ضد قاض واحد- هو القاضي العربي الوحيد في هذه المحكمة- أحدث دليل على ماهية النظام السياسي في إسرائيل. ومثلما كتبت صحيفة "هآرتس" في الافتتاحية الخاصة التي أنشأتها أمس (الأحد)، فإن المحكمة العليا أثبتت بذلك أنها في طليعة الهيئات التي تقف وراء قانون أساس (دستوري) يرسي نظام الفوقية اليهودية والدونية العربية ويمس بقيمة المساواة. وكأنها بذلك تريد أن تدرأ عن نفسها التهمة التي ما انفكت جهات يمينية إسرائيلية كثيرة توجهها إليها، وهي تآكل الوزن الذي تقيمه لهوية إسرائيل اليهودية في قراراتها، وهي تهمة تروم هذه الجهات منها الحدّ من حقوق الإنسان، وكبح احتكام الجهاز القضائي عموماً إليها.

بالتأكيد لا يُعدّ قرار المحكمة العليا هذا الدليل الوحيد على ماهية نظام إسرائيل السياسي، فلقد سبقته دلائل كثيرة، كما تتوازى معه دلائل أخرى آخذة بالتراكم يوماً بعد يوم. مهما تكن هذه الدلائل، اخترنا أن نسلط الضوء في هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" على كيفية وقوف هذا النظام السياسي من وراء عمليات نهب الأراضي والممتلكات الفلسطينية ولا سيما في القدس الشرقية المحتلة، كما في سائر أراضي 1967، ومثلما كانت الحال عليه في أراضي 1948 ولا تزال، وذلك من خلال ترجمة مقالة مدعمة بالقرائن كتبها أحد ناشطي جمعية "عير عاميم" ("خمسون طيفاً للتهويد في القدس الشرقية") وشدّد فيها بشكل خاص على أن هذه العمليات هي نتاج تخطيط وتنفيذ تقوم به دولة الاحتلال.

ويشير كاتب المقالة مثلاً إلى الدور الذي تقوم به إحدى جمعيات المستوطنين (عطيرت كوهانيم) في هذا الشأن في القدس الشرقية بدعم مباشر من الحكومة، غير أن الواقع الإسرائيلي نفسه قدّم وما زال يقدّم الكثير من الشواهد على وجود العديد من مثل هذه الجمعية، والتي سبق لأستاذ الألسنية في "جامعة بن غوريون" في بئر السبع، عيدان لاندو، أن أجرى حولها دراسة مطوّلة توقف بالتفصيل فيها عند ما أسماها ظاهرة "البلطجة السلطوية المُخصخصة للمهمات القذرة (الـ"بسملق")" مشيراً إلى أنها ازدهرت في إسرائيل خلال العقدين الفائتين بغية تطبيق سياسة نظام حكمها اليميني، وبالأساس فيما يرتبط بسرقة الأرض الفلسطينية، وبقمع أي معارضة داخلية لهذه السياسة يمكن أن تشكل سنداً للمعارضة من الخارج.

وفي مطلع العام 2015 أصدرنا في "مركز مدار" العدد 65 من سلسلة "أوراق إسرائيلية" وكان بعنوان "خزينة الدولة الإسرائيلية- الحاضنة الحقيقية للاحتلال والاستيطان". ومن ضمن ما اشتمل عليه هذا العدد تقرير هو عبارة عن تحقيق أجراه "مولاد - المركز لتجديد الديمقراطية في إسرائيل"، حول نشاطات "وحدة الاستيطان" العاملة في إطار "الهستدروت الصهيونية العالمية" التي تعتمد ميزانيتها على أموال عامة، يثبت بالاستناد إلى أحدث المعطيات والوقائع أن هذه "الوحدة" أضحت بمثابة "الخزينة الخاصة والسرية لليمين الاستيطاني" التي تستخدمها الأحزاب المتماثلة مع المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، وفي مقدمها حزبا "البيت اليهودي" و"يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا)"، بهدف دفع وتعزيز مشاريع الاستيطان والتوسّع في أراضي الضفة الغربية، وتوطيد القاعدة السياسية والأيديولوجية لهذا اليمين الاستيطاني في سائر أنحاء الدولة.

وقد أشرنا في حينه إلى أنه فضلاً عن كمّ المعلومات الدامغة المُتضمّن في هذا التحقيق، فإنه يؤكد أن الحقائق التي يوردها واضحة لكل من في رأسه عينان على نحو جليّ للغاية، وبالرغم من ذلك ثمة حاجة في إسرائيل إلى جهد كبير من أجل ملاحظتها. ولئن كان هذا التوكيد يتوخّى قول شيء مُحدّد، فهو أن مثل هذه الرعاية التي تحظى بها المشروعات والممارسات الاستيطانية في المناطق الفلسطينية من جانب خزينة الدولة الإسرائيلية والجهات الحكومية المعنية ما كانت لتمرّ مرور الكرام لولا وجود رأي عام يؤيدها، ولولا تجنّد وسائل إعلام تتغاضى عنها بالمطلق إلى درجة التواطؤ معها بالصمت لصرف الأنظار عنها.

وتطرّق التحقيق إلى دور جهاز القضاء الإسرائيلي وعلى رأسه المحكمة العليا في تطبيع حالة الاحتلال. ومنه يستشف أنه ظاهرياً توجد في الأراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي منذ 1967 إجراءات قانونية، لكن ما يحدث في واقع الأمر هو عمليات سلب وضم ضخمة تشترك فيها المحاكم، وبناء على ذلك يمكن القول إن جهاز القضاء الإسرائيلي هو وسيلة مهمة لإضفاء الشرعية على ضم الأرض الفلسطينية.

هكذا كانت الحال قبل سنّ "قانون القومية" الذي يكرس إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، ويمنح أفضلية للغة العبرية على العربية وللاستيطان اليهودي، ويمنح اليهود فقط حصرية حق تقرير المصير في فلسطين، ويعتبر القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل. فلكم أن تتخيلوا كيف هي عليه بعد سنّه وأكثر فأكثر عقب حصوله على مباركة المحكمة العليا.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

إسرائيل والصراع: 1967 للهروب من تبعات 1948

يشير أحد مقالات هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" إلى "ولادة" مصطلح جديد يتعلّق بقضية فلسطين في الخطاب السياسي الإسرائيلي العام منذ أعوام قليلة، هو "تقليص الصراع"، إلى جانب مصطلحين سابقين هما "تسوية الصراع"، و"إدارة الصراع". كما يتوقف المقال عند هوية من سكّ هذا المصطلح، وعند ما يمكن أن يمهّد له ويجعله مُطبقاً ميدانياً. ولعل الأهم من ذلك أنه مصطلح لقي، عند ظهوره، هوًى لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي نفتالي بينيت، المنتمي إلى الصهيونية الدينية، بحسب ما سبق أن صرّح هو بنفسه.

وما يهمنا حقيقة هو أن المصطلحات السابقة كلها، إذ تستخدم تعبير الصراع (مع الفلسطينيين) فهي تقصد، على نحو مسبق البرمجة والأدلجة، ذلك الدائر على مستقبل الأراضي المحتلة منذ العام 1967، كما لو أن قضية فلسطين بدأت في إثر هذا الاحتلال، ولم تكن قائمة قبله.

وهذا القصد ليس جديداً الآن، بل إنه ملازم لكثير من المقاربات الإسرائيلية المتعلقة بالتسوية، على الأقل منذ انطلاق قطار ما يسمى بـ"التسوية" في طريق لم تكن مشقوقة من قبل في بداية تسعينيات القرن العشرين الفائت. ومنذ ذلك الوقت راجت كثير من المقولات المرتبطة بالموضوع ذاته، لعل أشهرها أن 1967، هذه الأرقام الأربعة، هي "كلمة السرّ" لإنقاذ "دولة إسرائيل" على أساس التخلي عن مطامعها الجغرافية في "أرض إسرائيل الكبرى". وعندما كان يتم التداول في ماهية التسوية المطلوبة للصراع، سرعان ما كانت تتشكّل أغلبية تؤكد أنه لا بديل عن "حل الدولتين" على أساس حدود 1967 مع تعديلات فائقة، مثل الإبقاء على القدس موحدة، والاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى، وذلك في مقابل ترتيبات أمنية صارمة (في مقدمها سيطرة إسرائيل أمنياً على منطقة غور الأردن)، وتجريد الدولة

للمزيد
امرأة تبحث عن بقايا طعام أمام متجر إسرائيلي خلال الجائحة.  (عن: واي نت)

تقليص الدعم الحكومي خلال أزمة كورونا زاد معاناة مئات ألوف الأطفال المحتاجين لدعم التغذية في إسرائيل

يعد انعدام الأمن الغذائي، خاصة بين الأطفال، مشكلة اجتماعية خطيرة لها تأثير سلبي على الصحة البدنية والصحة النفسية لمن يعانون منه، وقد تسبب ضرراً حقيقياً لنمو الأطفال والمراهقين وتساهم في إدامة حلقة الفقر والحد من الحراك الاجتماعي- هذا ما جاء في مقدمة بحث صدر مؤخراً عن معهد الأبحاث التابع للكنيست وتناول الموضوع من زاوية عمل الحكومة الإسرائيلية في هذا الشأن في الأوقات الاعتيادية وخلال أزمة جائحة كورونا المتواصلة بوتائر مختلفة.

للمزيد
تجدد "كورونا" في إسرائيل: الجرعة الثالثة.  (إ.ب.أ)

الكنيست يبدأ عطلة شهرين في أوج جدل حول شكل مواجهة موجة كورونا الجديدة

يبدأ الكنيست الإسرائيلي، مع انتهاء هذا الأسبوع، عطلة تستمر لمدة شهرين، ولكن خلالها ستطلب الحكومة من الكنيست إقرار مشروع الموازنة العامة، للعامين الجاري والمقبل، بالقراءة الأولى، تمهيدا لإقرارها نهائيا في مطلع تشرين الثاني. هذا في الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل حول شكل مواجهة موجة تفشي الكورونا الجديدة، التي نسبة عالية من الإصابات فيها هي بين الفتية والأطفال. ويتمحور الجدل حول تطعيم الوجبة الثالثة، وكيفية لجم سفر السياحة إلى خارج البلاد، وكيفية سير التعليم في السنة التعليمية المدرسية، التي ستفتتح في مطلع أيلول المقبل.

للمزيد
الأربعاء, أغسطس 04, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الاشتراك في قناة التيليجرام

telegram

متابعينا الأعزاء يرجى متابعة قناة مدار على التيليجرام

 إشترك الآن