خصصنا معظم مواد هذا العدد لموضوعين متصلين:

الأول، موضوع تصعيد هجوم اليمين الإسرائيلي الجديد الحاكم على الجهاز القضائي وفي طليعته المحكمة العليا؛

الثاني، موضوع شبه تبخر "اليسار" بماركته الإسرائيلية المعروفة باسم "اليسار الصهيوني"، وبالأساس على خلفية أدائه المتناقض والمعطوب وما أسفر عنه ذلك من تلاشي التأييد الجماهيري العام تقريباً له، كما أظهرت نتائج آخر جولة من جولات الانتخابات الثلاث التي جرت خلال العام الأخير، شأن ما كانت عليه نتائج الجولتين اللتين سبقتاها.

ولئن كان مقال رئيس الكنيست الجديد ياريف ليفين من الليكود، الذي كتبه قبل نحو عامين وقمنا بترجمته الآن، فيه ما يمثّل ببريق أخّاذ على ماهية الموضوع الأول، فلا بُدّ من أن نشير في الوقت عينه إلى أن ليفين نفسه كان من المؤسسين لوجهة هذا الهجوم اليميني الأرعن نحو الجهاز القضائي والمحكمة العليا منذ بدء ما أصبح يُعرف بـ"عهد بنيامين نتنياهو" مع عودته إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية قبل أكثر من عقد، وهو ما سبق أن توقفنا عنده مرات عديدة.

ومع أن الهجوم على المحكمة العليا يأتي هذه المرّة تحت غطاء الشروع في محاكمة نتنياهو بشبهات فساد، فإن غاياته أبعد مدى بكثير.

وهي الغايات التي تشفّ عنها أقوال ليفين التالية: "تسبب القطيعة القائمة بين قضاة المحكمة العليا، من جهة، وجمهور المواطنين في إسرائيل وممثليهم المنتَخَبين، من جهة أخرى، في كثير من الأحيان، مساً خطيراً بطابع الدولة اليهودي. منذ قيام الدولة، سنّ منتخبو الجمهور قوانين الهدف منها هو المحافظة على هوية الدولة، بكونها دولة القومية اليهودية، إلا أن قضم المحكمة العليا الحاد والمتواصل بصلاحيات المشرِّع أدى، بصورة فعلية، إلى مس مباشر بمكانة القومية اليهودية في دولة إسرائيل. وهذا، وسط تعلّق القضاة المتصنّع بحقوق كونية، ظاهرياً، وتفضيلها على قيم الأساس التي تشكل قاعدة الصهيونية. في المقابل، لا يحظى ما يعتبره الجمهور الواسع، بأغلبيته الساحقة، "قيمة أساسية عليا" (حق شعب إسرائيل على أرض إسرائيل الكاملة) بأي وزن أو اعتبار في قرارات المحكمة العليا، على نحو يغيّب هذه القيمة الأساسية، بصورة فعلية، ويفضل عليها كل القيم الأخرى التي يعتبرها القضاة، لا الجمهور الواسع، أكثر أهمية"!

لا شك في أن هذا الهجوم يعبّر، من ضمن أمور أخرى، عن فائض القوة لدى هذا اليمين الجديد، الآخذ بالتراكم أكثر فأكثر، والذي يستمدّه من جهة مكملة وموازية، بالإضافة إلى حجم التأييد الذي يحظى به من فئات القاع، من ضعف القوى التي تطرح نفسها كبديل له وهي في الواقع الفعلي أقرب إليه، ولا سيما من حيث طروحاتها السياسية، ومن حيث رخاوتها في مكافحته على الصُعد كافة، بل وزحفها إلى التحالف معه، كما دلت على ذلك مؤخراً اتفاقية الائتلاف الحكومية التي تم إبرامها بين حزبي الليكود و"أزرق أبيض" ووضعت الأساس لتأليف الحكومة الإسرائيلية الجديدة. وكان في طليعة هذه القوى "اليسار الصهيوني" بقيادة حزب العمل، الذي قرر الانضمام إلى حكومة نتنياهو الخامسة، وكشريك مع حزب "أزرق أبيض" برئاسة هذا الأخير.

ومعروف أن العمل حصل في الانتخابات الأخيرة، التي جرت يوم 20 آذار 2020، على ثلاثة مقاعد ضمن التحالف بين أحزاب العمل وغيشر وميرتس. وهي أسوأ نتيجة حصل عليها الحزب في تاريخه.

وتجمع كثير من التحليلات على أن حزب العمل بخطوته هذه أنهى دوره التاريخي بشكل شبه نهائي، وسوف يتكرس ذلك في اندماج الحزب ضمن تحالف "أزرق أبيض". وحتى هذا الاندماج، كان العمل هو الحزب الأكبر في كل التحالفات التي قام بعقدها، وطبعاً فشلت في تحقيق حلمه بالعودة إلى صدارة الحلبة السياسية- الحزبية، ولكن هذه المرة ينضم الحزب إلى "أزرق أبيض" وهو صغير جداً (ثلاثة أعضاء كنيست، واحدة منهم اختارت البقاء في المعارضة).

هنا تجدر الإشارة إلى أن القواعد الانتخابية للعمل كانت في العقدين الفائتين قواعد انسيابية وغير ثابتة، وكان همها الوحيد هو العودة إلى سدّة الحكم، فكانت تترك التصويت لحزب العمل وتقوم بالتصويت لكل حزب يظهر ويقدم بديلاً عن حكم اليمين، وإن في الظاهر، ولذا كانت هذه الانسيابية أحد أهم أسباب فشل الحزب، خاصة وأنه أيضاً لم يقدم على ما من شأنه أن يكبح هذه الانسيابية بل أدى إلى تعزيزها على خلفية صراعاته الداخلية المستمرة، ومن جراء انضمامه إلى حكومات يمينية أفقدته هيبته كحزب سلطة (كما حدث عند انضمام بنيامين بن إليعازر إلى حكومة مع الليكود برئاسة أريئيل شارون، وانضمام عمير بيرتس إلى حكومة مع حزب كديما المنحل برئاسة إيهود أولمرت، وانضمام إيهود باراك إلى حكومة مع الليكود برئاسة نتنياهو). ويمكن التقدير بأن القواعد الانتخابية للحزب كانت تنتقل بسرعة لمجرّد ظهور أي بارقة أمل جديدة بالتغيير، فمرة صوتت لكديما، ومرة لحزب "يوجد مستقبل"، وهذه المرة صوتت على ما يبدو لتحالف "أزرق أبيض".

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية