تشير آخر التقديرات السائدة في إسرائيل بشأن آخر الأوضاع في مناطق الضفة الغربيّة إلى أن مجموعة كبيرة من القيادة السياسية في إسرائيل لديها الرغبة في دفع الأوضاع في الضفة الغربية نحو مزيدٍ من التدهور، على أعتاب الانتخابات التي لم يتبق عليها سوى أقلّ من شهرين. وبحسب ما كتبت صحيفة "معاريف" بصريح العبارة قبل أيام معدودة: "هناك مَن يُجري حسابات مفادها بأن اندلاع مواجهات في الضفة الغربية ربما يغيّر الخريطة السياسية".
وتشير الصحيفة نفسها، من دون أدنى تردّد، إلى أن ما يحدث ميدانيًا في الضفة هو حالة من الفوضى، وكذلك إلى أن الأجهزة الأمنية تقف وراء أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون، بدءًا من قيادة المنطقة العسكرية الوسطى في الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية، مرورًا بجهاز الأمن العام ("الشاباك")، وصولًا إلى شرطة لواء الضفة الغربية، والتي أصبحت غير ذات صلة منذ فترة طويلة.
ولتوضيح ما تقصد توثّق "معاريف" حادثتين من بين حوادث يصعب حصرها:
(*) الأولى، قيام جندي إسرائيلي كان في إجازة باقتحام قرية المغير (في محافظة رام الله والبيرة) برفقة عناصر من جماعات الإرهاب اليهودي، وبعد ذلك شوهد عناصر من اليمين أقاموا حاجزًا على الطريق ومنعوا حركة المركبات الفلسطينية، وحصل هؤلاء على مساعدة من الجيش الإسرائيلي، وتظهر في مقاطع فيديو توثّق الحادثة سيارة جيب تابعة للجيش الإسرائيلي وهي تؤمّن هذا الاعتداء.
(*) الثانية، الحادثة التي وقعت في قرية قصرة (بالقرب من نابلس)، حيث وصل إرهابيون يهود ملثمون إلى القرية على متن شاحنات وقاموا بأعمال تخريب وأطلقوا النار. وفشل أفراد الشرطة التابعة للواء الضفة الغربية في اعتقال مشتبهٍ فيهم، و"يبدو كأن هذه المهمة لم تعد تؤرقهم"، كما تكتب الصحيفة.
وينبغي أن نشير إلى أن تصعيد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية شهد إحدى نقاط تحوُّله في ظل ولاية الحكومة الإسرائيلية الحالية في شباط 2023، عقب قيام مجموعات من المستوطنين، في إثر عملية للمقاومة الفلسطينية، باقتحام بلدة حوّارة (بالقرب من نابلس) وإضرام النار في عشرات المنازل والمركبات. وحينها، وصفت وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية هذا الاقتحام بأنه حدث عنيف وخطِر واستثنائي، وغير مسبوق، وأثار إدانات دولية واسعة؛ كذلك لفتت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن ما يُعرف باسم "عمليات جباية الثمن" اتّسمت خلال العام 2023 بنمط واضح تمثّل في شن هجمات عنيفة ضد الفلسطينيين وأملاكهم، وخصوصًا بعد كل عملية فلسطينية يُقتل فيها مستوطنون؛ فعلى سبيل المثال، في حزيران 2023، وبعد مقتل أربعة مستوطنين جرّاء عملية إطلاق نار في محطة وقود في مستوطنة عيلي، هاجم مئات المستوطنين البلدات الفلسطينية المجاورة، ومنها أم صفا وترمسعيا، وأضرموا النار في منازل وسيارات وحقول. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل فلسطيني وإصابة عشرات آخرين؛ حتى إن قيادات في الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية وصفتها بأنها "مذبحة جماعية" و"إرهاب قومي" يجب وقفه. واعترف مسؤولون أمنيون إسرائيليون بأن تعامُل الشرطة والجهاز القضائي مع الجرائم القومية اليهودية خلال عامي 2022 و2023 كان محدودًا للغاية؛ الأمر الذي ولّد شعورًا بالحصانة لدى العناصر المتطرفة؛ إذ لم يُعتقل، أو يقدَّم للمحاكمة، سوى عدد ضئيل جدًا من مُرتكبي هذه الاعتداءات. وأشارت تقارير أُخرى إلى أن هذه الظاهرة بدأت قبل ذلك بأعوام؛ فعلى سبيل المثال، فُتحت خلال العام 2021 مئات الملفات المتعلقة باعتداءاتٍ قام بها مستوطنون، لكن عددًا قليلًا فقط منها انتهى بتقديم لوائح اتهام؛ وفي العام 2023، بقيَ الوضع مشابهًا، على الرغم من الارتفاع الحاد في عدد الأحداث.
ونعيد إلى الأذهان عند هذا الحدّ أنه قبل شنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران (في 28 شباط 2026) بثلاثة أيام، أصدرت "يش دين (يوجد قانون)"، وهي منظمة تطوُّعية إسرائيلية لحقوق الإنسان، يوم 25/2/2026، تقريرًا بعنوان: "مستوطنون بالزيّ العسكري: عنف المدنيين الاسرائيليين بزيّ الجيش ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية"، واستهلته بالقول إن إسرائيل سلّحت آلاف المستوطنين وزودتهم بالزيّ العسكري ومنحتهم القوة الفتاكة، بغياب آليات إشراف ورقابة على تفعيلها، وأن إطلاق النار، والاعتداءات، والتعدّي على الأملاك والأراضي، والسطو والسرقة، وإتلاف الأملاك، ليست سوى بعض الأمثلة للحوادث التي ارتكب فيها مدنيون إسرائيليون جرائم ضد الفلسطينيين في العامَين الماضيَين، وهم مزودون بالسلاح، وبالزيّ العسكري. هذه الاعتداءات ارتكبها مستوطنون جنود بصفة عسكرية، في تجاوُزٍ للصلاحيات والسلطة، ومستوطنون جنود كانوا في إجازة، وليس في إطار أي عمل، أو نشاط رسمي، وفي حالات أُخرى تصرّف مستوطنون يرتدون الزيّ العسكري بشكل مستقل، وبحسب أهوائهم.
ويصل التقرير إلى بيت القصيد، حين يقول: "توفّر السلطات الإسرائيلية الدعم لعنف المستوطنين بالزيّ العسكري ضد الفلسطينيين، ليس فقط بواسطة توزيع هذا الزيّ والسلاح عليهم، بل بكونها لا تطبّق القانون على المجرمين والجناة. فعندما تُقدَّم شكاوى ضد المعتدين، تحاول سلطات إنفاذ القانون التهرب من مسؤوليتها بالتحقيق في الحادث، وتدّعي النيابة العسكرية أن العنف لا يُرتكب في إطار نشاط عسكري، وبالتالي لا تقع الحادثة تحت مسؤوليتها، بينما تغلق الشرطة ملفات التحقيق، أو تزعم أن تلك الأفعال ارتكبها أشخاص يرتدون الزيّ العسكري؛ وعليه، لا تملك صلاحية التحقيق فيها. وعلى الرغم من أن كثيرين من المستوطنين، الذين تم تجنيدهم في بداية الحرب في قوات التدخل السريع وكتائب الحماية الإقليمية، لا يخدمون اليوم خدمة احتياط ناشطة، فإن الجيش سمح لهم بالاحتفاظ بالسلاح والزيّ العسكري. هذا الشكل من الاعتداءات يساعد إسرائيل على تحقيق طموحها بوضع يدها على مزيدٍ من أراضي الضفة الغربية وضم الأراضي الخالية من سكانها".
ويثبت هذا التقرير أن إسرائيل تتيح، عمدًا، طمس المعالم التي تميّز بين المستوطنين وقوات الجيش بشكل منهجي، كسياسة متّبعة، وتشجع أعمال العنف التي ترتكبها ميليشيات مدنية تعمل من أجل مصالح الاستيطان ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية. ويؤكد في الوقت عينه أن هذه الممارسات الإسرائيلية تتعارض مع التزامات الدولة، بموجب القانون الدولي، كقوة محتلة في أراضي الضفة الغربية، وتنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني هناك بشكل صارخ.
ويمكن القول إن مقاربة آخر الأوضاع في مناطق الضفة الغربية تستلزم طرح سؤال فيما إذا برزت بموازاة ذلك تخوّفات إسرائيلية من انفجار الأوضاع الفلسطينية، وهو سؤال يضمر في الوقت عينه سؤالًا صميميًا مبطنًا فحواه: هل الأوضاع منفجرة ولا أحد يبدي اهتمامًا بها؟.
ويبدو أن الإجابة عن هذا السؤال بما يضمره تعتمد، بموجب متابعة آخر التحليلات والسجالات الإسرائيلية، على تحديد أي طرف في إسرائيل يُوجّه إليه، حيث نعثر، من بين وقائع أخرى، على مؤشرات إلى وجود انقسام واضح بين رؤية المؤسسة الأمنية العسكرية ورؤية المؤسسة السياسية. وكان أبرز هذه المؤشرات (حتى لحظة كتابة هذه السطور) قيام المحلل العسكري لصحيفة "يسرائيل هيوم"، يوآف ليمور، بكشف النقاب عن قيام الجيش الإسرائيلي وخلال جلسة لدى وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بطرح "تحذير استراتيجي" فحواه أن الضفة الغربية تواجه خطر اندلاع مواجهة واسعة، على خلفية الارتفاع الحادّ في حوادث الإرهاب اليهودي، وعجز السلطات الإسرائيلية عن التعامل معه.
وقبل ليمور أشير في تحليلات أخرى إلى أن التقديرات السائدة لدى المؤسسة الأمنيّة الإسرائيلية (الجيش وجهاز الأمن العام- الشاباك) تفيد بأن الضفة الغربية على وشك انفجار شامل، نتيجة تضافر عوامل اقتصادية (احتجاز أموال المقاصة ومنع العمال الفلسطينيين من دخول إسرائيل للعمل) مع التصعيد الميداني، والتوسع الاستيطاني، ناهيك عن أن المؤسسة الأمنية ترى في ارتفاع هجمات المستوطنين العنيفة عامل اشتعال مباشر يستهلك موارد الجيش ويشتّت جهوده عن جبهات قتال أخرى.
وقد انفرد "ي. ليمور" بنشر تحذير الجيش لافتًا إلى أنه لم يُعرَض على الجمهور، وإلى أن الاجتماع لدى وزير الدفاع عقد على خلفية الأحداث الخطِرة التي وقعت في قرية قصرة، وكذلك على خلفية تحذيرات الجيش من فقدان السيطرة على الوضع في المنطقة. وقال ممثلو الجيش الذين شاركوا في الاجتماع، ومن بينهم رئيس هيئة الأركان العامة، وقائد المنطقة العسكرية الوسطى، ورئيس شعبة العمليات، ومنسّق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة منذ 1967 وآخرون، إن الإرهاب اليهودي يشكل عاملًا رئيسيًا في تأجيج الوضع.
ثمة أكثر من سبب جديد يقف وراء تأجيج مخاوف المؤسسة الأمنية من احتمال اشتعال الضفة الغربية، لا بد من التنويه بأهمها:
أولًا، أن هناك صمتًا مطبقًا للمسؤولين المنتخَبين، أو حتى ما هو أسوأ من ذلك، هناك دعم واضح للتوجه إلى مناطق A وB، وهي المناطق التي تولّد الاحتكاك مع الفلسطينيين. واعتبر التركيز على هذا السبب بمثابة انتقاد استثنائي إلى المستويين السياسي والحكومي. وقد نُشرت في وسائل إعلام إسرائيلية تصريحات مسؤول عسكري رفيع قال إن للإرهاب اليهودي ذراعًا عسكرية تعمل في الميدان، وذراعًا سياسية في الحكومة والكنيست. وفي المحصلة العامة تتخوّف المؤسسة الأمنية من لحظة فقدان السيطرة الكلية.
ثانيًا، أن الجمهور الفلسطيني يفقد صبره، ويمكن أن يُقدم على التحرّك. ووفقًا لما تدعيه المؤسسة الأمنية، منذ بداية الحرب أظهر الفلسطينيون في الضفة الغربية "قدرًا كبيرًا من عدم الانخراط، على الرغم من عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، والحملة العسكرية المكثفة في الضفة الغربية". والجيش الإسرائيلي يحذر الآن من أن ذلك ربما يتغير نتيجة تصاعد الإرهاب اليهودي، الذي يعتبره الفلسطينيون في الضفة الغربية مزيجًا من حرب دينية ومحاولة خفيّة لطردهم من المنطقة، بهدف السيطرة على أراضيهم.
ثالثًا، في مقابل تخوّف المؤسسة الأمنية يتعامل اليمين الحاكم مع هذه الحالة كبيئة مثالية لإعادة تشكيل جغرافية الضفة الغربية وفرض الضم الذي بدأ به بشكل متدرّج. بكلمات أخرى، هذا اليمين ينظر إلى الغليان الحالي ليس كخطر يجب إيقافه، بل كفرصة لتفكيك السلطة الفلسطينية، وإلغاء القيود على البناء الاستيطاني، وفرض السيادة الفعلية على مناطق (ج)، واستكمال مشروع التوسع والمضي قدمًا في إغلاق الباب أمام خيار الدولة الفلسطينية.
رابعًا، لا تملك أحزاب المعارضة الإسرائيلية، في معظمها، موقفًا نقيضًا كاملًا لسياسات الحكومة الحالية في الضفة الغربية، بل إن مواقفها تنقسم وتتقاطع مع الحكومة بناءً على توجهات كل حزب، والتركيز هو على إدارة الملف أمنيًا، وبعض هذه الأحزاب يعارض الضم المعلن والأحادي الجانب للضفة الغربيّة لتجنّب صدام مع الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي، لكنه يؤيد في الوقت نفسه بقاء الكتل الاستيطانية الكبرى والسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة، ولكن معظمها يجاهر بمعارضته للاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية أو لإقامتها في الوقت الراهن.
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.