المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 13
  • المشهد الإسرائيلي- خاص

اتسمت ذكرى مرور شهر على الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في إسرائيل (بدأت يوم 28 شباط الماضي)، ربما أكثر من أي شيء آخر، بتوقع حدوث تصعيد مع انتهاء الإنذار الذي حدّده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوم 6 نيسان المقبل، والذي خاطب فيه حكام طهران قائلاً: "اقبلوا شروط الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، وإلا فإن نار الجحيم ستحلّ بكم". 

غير أنه بموازاة ذلك برزت محاولات عدة لتقديم إجمال مرحلي للحرب. 

ولعل أبرز ما يلفت النظر في هذا الإجمال هو ما يلي:

أولاً، تأكيد الأوساط المقربة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أنه تم تحقيق "إنجازات مهمة" في هذه الحرب ولكنها ليست من صنف الإنجازات طويلة المدى؛ 

ثانياً، التأكيد السالف ورد أيضاً على ألسنة العديد من المحللين العسكريين الإسرائيليين الذين وصفوا تلك الإنجازات بأنها لا بأس بها على المستوى التكتيكي، أمّا على المستوى الاستراتيجي فلا يزال من المبكر الحكم عليها لأن ذلك يحتاج إلى اختبار الزمن والتاريخ، مثلما كتب مثلاً المحلل العسكري لصحيفة "معاريف" آفي أشكنازي (29/3/2026).

وإذا ما شئنا أن نقدّم مثالاً لما يصدر عن الأوساط المقربة من نتنياهو يمكن أن نستشهد بما كتبه الرئيس السابق لـ"مجلس الأمن القومي الإسرائيلي" تساحي هنغبي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" (29/3/2026) والذي أكد أن تقييم ميزان النجاحات والإخفاقات بعد شهر من الحرب يُظهر صورةً مختلطة، فيها إنجازات للولايات المتحدة وإسرائيل ولكن في مقابل إنجازات لإيران أيضاً.

وبرأي هنغبي فإن أبرز  إنجازات الولايات المتحدة وإسرائيل هي: توجيه ضربة متعددة الأبعاد للبنى التحتية العسكرية التقليدية الإيرانية مثل أنظمة الدفاع الجوي، والصناعات العسكرية، وسلاحي الجو والبحر، ومصانع إنتاج الصواريخ الباليستية، ومرافق الاستخبارات والاتصالات والسايبر والفضاء؛ وإلحاق ضرر واسع بالبنية التحتية للأمن الداخلي (الحرس الثوري الإيراني، الباسيج، والشرطة)؛ وإحداث ضرر كبير في أوساط القيادات السياسية والعسكرية والاستخباراتية الإيرانية؛ وارتقاء التحالف السياسي والعسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى مستوى غير مسبوق من التقارب، بما من شأنه أن يشكل نموذجاً مستقبلياً للتعاون الاستراتيجي؛ وتحقيق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية نجاحاً قياسياً.

في المقابل فإن الجانب الإيراني تمكن، برأي هنغبي، من تحقيق إنجازات مهمة من ناحيته أبرزها: بقاء النظام؛ ونجاح إيران في تجيير سيطرتها على مضيق هرمز لتعزيز صورتها كجهة جريئة لا تتردد في اتخاذ خطوات تصعيدية، بينما فشل خصومها في فرض ثمن كبير على هذه التحركات، الأمر الذي عزّز موقعها في المفاوضات؛ وإظهار حزب الله قدرة ملحوظة على التعافي على الرغم من الضربات التي تلقاها، واستمراره نسبياً في تشغيل منظومات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يشير إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان لم يكن له تأثير كبير في أمن شمال إسرائيل؛ ونجاح السلطات الإيرانية في منع تجدّد الاحتجاجات الشعبية وكذلك تمكنها من تنظيم تظاهرات دعمٍ واسعة؛ وتمكن إيران من ترسيخ ما يصفه هنغبي بـ"توازُن ردع" مع دول الخليج وأوروبا، فالسعودية والإمارات تتجنبان الرد على الرغم من الهجمات اللتين تتعرض لها، كذلك تتردد الدول الأوروبية في التعاون العسكري العلني مع الولايات المتحدة. ولقد فشل ترامب حتى الآن في تشكيل تحالف دولي واسع، على غرار ما حدث في حروب سابقة قادتها الولايات المتحدة مثل الحربين اللتين تم شنهما في إبان إدارتي الرئيسين بوش الأب والابن في العامين 1991 و2003.

وفيما يتعلق بآخر التطورات الميدانية لا بُدّ من الإشارة إلى ما يلي:

أشارت عدة تقارير إلى أن ساحة الحرب في إيران شهدت خلال نهاية الأسبوع تغييراً في أهداف الضربات، حيث يركز الجيش الإسرائيلي حالياً على استهداف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية المتبقية، بهدف تدميرها وفتح المجال أمام سلاحَي الجو الإسرائيلي والأميركي للعمل بحُرية أعمق داخل إيران، كما أن هذا من شأنه أن يسمح أيضاً باستهداف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية التي لا تزال تُستخدم لضرب إسرائيل ودول الخليج. كذلك هناك استهداف لمكونات الصناعات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك المصانع الكبرى ومراكز التطوير، وحتى المورّدين الصغار، مثل الورش والمختبرات المتخصصة. وثمة محاولات لضرب مركز ثِقل البرنامج النووي الإيراني، أي السلاح غير التقليدي. 

ما زالت قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز معلقة، وتشير عدة تحليلات إلى أنه بعد إطلاق صاروخ من الحوثيين في اليمن في اتجاه إسرائيل، هناك مخاوف من أن تحاول هذه الجماعة تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر؛ ولذلك قد يضطر الجيشان الأميركي والإسرائيلي إلى العمل، أو إلى تشكيل تحالف عسكري، لضمان بقاء طرق التجارة مفتوحة.

يتواصل تسليط الأضواء على الوضع السائد في لبنان، والانطباع العام الذي يخرج منه المتابع لآخر التحليلات الإسرائيلية هو أن الوضع هناك ليس في مرمى حسم قريب، وأن خطة الجيش الإسرائيلي هي الوصول إلى نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح حتى الخط الأزرق. وبحسب ما أكد أكثر من محلل عسكري وسياسي إسرائيلي، فإن إسرائيل تسعى لإعادة إقامة "شريط أمني" في الجنوب اللبناني، وهذا يعيد إلى الأذهان تجربة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين الماضي، حين أقامت إسرائيل ما عرف باسم "الحزام الأمني" وتحولت المنطقة على مدار نحو عقدين إلى ساحة إطلاق نار بشكل شبه يومي. وخلص عدة محللين إسرائيليين إلى نتيجة متطابقة فحواها أن  إسرائيل دخلت مرة أُخرى إلى الجنوب اللبناني بقوة عسكرية كبيرة، لكن من دون رؤية سياسية واضحة، أو بدون خطة لـ"اليوم التالي"، وظهر ذلك بشكل فعلي عندما توقفت القوات وتعرضت لإطلاق النار، الأمر الذي أدى أيضاً إلى تضرُّر سكان الشمال.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات