المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 501
  • أنطوان شلحت

صادق الكنيست الاسرائيلي بالقراءة الأولى، يوم 13 آذار 2023، على إلغاء بنود مُتضمنة في ما يعرف باسم "قانون الانفصال (فك الارتباط) الأحادي الجانب عن قطاع غزة و4 مستوطنات في شمال الضفة الغربية"، وذلك بعد 18 عاماً على إقراره في العام 2005

ويهدف مشروع القانون هذا الذي قدمه أساساً يولي إدلشتاين، عضو الكنيست من حزب الليكود ورئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، إلى إلغاء بنود في القانون المذكور كانت تحظر على المستوطنين دخول نطاق 4 مستوطنات أخليت في الضفة الغربية المحتلة في العام 2005، وهي مستوطنات جانيم وكديم وحومش وسانور، على نحو يفتح المجال أمام إعادة توطينها من جديد.

واعتبرت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، التي دانت هذه المصادقة في سياق بيان صادر عنها، أن مشروع القانون يشكّل خطوة أساسية على طريق شرعنة العديد من البؤر الاستيطانية العشوائية الواقعة في شمال الضفة، وسيمهّد لعودة المستوطنين إليها، والبناء فيها، بما يؤدي إلى نهب مزيد من الأراضي الفلسطينية وتعميق الاستيطان، وتوسيع قواعد الإرهاب اليهودي في الضفة.

وكان إلغاء هذه البنود جزءاً من الشروط التي وضعتها أحزاب اليمين الدينيّ المتطرف لقاء الانضمام إلى ائتلاف حكومة بنيامين نتنياهو الحالية. وما زال مشروع القانون بحاجة إلى التصويت عليه في القراءتين الثانية والثالثة ليصبح ساري المفعول.

ولا بُدّ من القول إن مشروع القانون يُعدّ عنصراً حيوياً في مسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية الذي يرمي إلى إضفاء الشرعية على بؤرة حومش الاستيطانية غير القانونية، والتي حاول المستوطنون مراراً إعادة بنائها. وقالت جمعيات إسرائيلية متخصصة في مراقبة الاستيطان في الأراضي المحتلة ومعارضون لمشروع القانون إنه سيُستخدم من أجل توسيع النشاط الاستيطاني في المنطقة بشكل عام، وسيؤدي إلى ضم فعلي لأجزاء كبيرة من أراضي الضفة الغربية.

وجاءت مصادقة الكنيست بعد أن وافقت الحكومة على تشريع 9 بؤر استيطانية غير قانونية، وعقب مصادقتها على خطط لبناء أكثر من 7000 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات، الشهر الماضي. وفي كانون الثاني الفائت، بلّغت الحكومة المحكمة الإسرائيلية العليا بأنها تراجعت عن التزامها السابق بإخلاء حومش، وبدلاً من ذلك هي تسعى لتشريع البؤرة الاستيطانية من خلال إلغاء المادة ذات الصلة من قانون الانفصال الذي أُقرّ في العام 2005. وقد ورد ذلك في إطار ردّ الحكومة على طلب التماس قدمته إلى هذه المحكمة منظمة "يش دين" المناهضة للاستيطان، وطالبت فيه بإزالة البؤرة الاستيطانية والسماح للسكان الفلسطينيين في قرية برقة المجاورة بالوصول إلى أراضيهم الخاصة التي أقيمت البؤرة الاستيطانية في داخلها.

من الجدير أن يُقال عند هذا الحدّ بأن حزب الليكود نفسه يبدو جاهزاً تماماً، ومنذ فترة طويلة، لاتخاذ مثل هذه الخطوة حتى من دون اشتراطها من طرف أحزاب اليمين الدينيّ المتطرف. ولعل من أقرب العلائم على هذه الجهوزيّة، إذا ما شئنا تذكير من يحتاج إلى إنعاش الذاكرة، مصادقة مركز هذا الحزب بالإجماع في نهاية العام 2017 على فرض "السيادة الإسرائيلية على مناطق المستوطنات اليهودية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)". ففي إثر تلك المصادقة، قال رئيس مركز الحزب الوزير حاييم كاتس إن هذه المناطق هي جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل وستظل تحت سيادة دولة إسرائيل إلى أبد الآبدين. وشارك في جلسة المركز آنذاك أغلبية وزراء الليكود ولكن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تغيّب عنها. وقال الوزير جلعاد إردان في حينه إن هناك الآن رئيساً أميركياً (دونالد ترامب) يدرك بكل جلاء أن الاستيطان اليهودي في أراضي 1967 ليس عقبة أمام السلام بل إن العقبة كامنة في الرفض والتحريض الفلسطينييْن، ودعا إلى عدم تفويت هذه الفرصة. وأشاد حزب "البيت اليهودي" بهذا القرار، كما أشاد به رئيس الكنيست في ذلك الوقت يولي إدلشتاين مشيراً إلى أن إعلان الرئيس الأميركي ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل هو بداية حقبة جديدة في تاريخ الصراع مع الفلسطينيين.

وفي إطار التعقيب على ذلك قال رئيس حزب العمل وتحالف "المعسكر الصهيوني" في حينه آفي غباي إن منتسبي الليكود من مستوطنات الضفة الغربية استكملوا الاستيلاء على هذا الحزب وهم يوضحون الفارق بين "مبدأ ضم ملايين الفلسطينيين وموقف ’المعسكر الصهيوني’ المنادي بالانفصال عنهم، على حدّ تعبيره. كما نوهت حركة فتح بأن هذا القرار يؤدي إلى إنهاء بقايا "عملية السلام"، وشدّدت على أن هذه الخطوة هي بمثابة نسف لكل الاتفاقيات الموقعة واستفزاز لا يمكن السكوت عنه، كما أنها تشكل انتهاكاً صارخاً لقرارات منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

في ذلك الوقت تعالت أيضاً أصوات، حتى من جانب بعض المؤيدين لليكود، اعتبرت قرار مركز الحزب بمثابة حدث مفصليّ، كونه يرمز إلى تحوّل الليكود إلى فرع من تيار الصهيونية الدينية الذي يتبنى مقاربة مسيانية. ووفقاً لما قاله بعض هؤلاء، وظهر على صفحات جريدة "يسرائيل هيوم"، على ناخبي الليكود المعتدلين الذين ينتخبونه من أجل المحافظة على الوضع القائم، الستاتيكو، إلى أن يجري التوصل إلى تسوية للانفصال عن الفلسطينيين، أن يفهموا أن هذا الحزب لم يعد يشكل خياراً بالنسبة إليهم، فقد تحوّل برأيهم من حزب يميني براغماتي إلى حزب يميني متطرف، يفضّل "سلامة أرض إسرائيل" على "سلامة شعب الدولة".

في ضوء هذا، يمكن القول إن مشروع القانون الجديد الذي يهدف إلى إلغاء الأقسام المتعلقة بشمال الضفة من "قانون الانفصال"، مُضافاً إلى ما سبقه من نصوص وقرارات اتخذها الليكود، يُقدّم أكثر من علامة يمكن الاهتداء بها في طريق البحث في التحولات التي طرأت على هذا الحزب وجعلته أكثر يمينية وتدّيناً مما كان عليه حتى الآن.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات