المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  إسرائيل الجديدة..انعزالية تعاكس توجهات يهودية متنامية في العالم.  (أ.ف.ب)
  • كلمة في البداية
  • 177
  • أنطوان شلحت

منذ ظهور النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية العامة التي جرت يوم 1 تشرين الثاني الحالي وأظهرت أن بنيامين نتنياهو بات، إذا ما رغب، قادراً على تأليف حكومته السادسة فقط عبر إقامة ائتلاف حكوميّ مع من يوصفون بأنهم "حلفاؤه الطبيعيون"، وهم أحزاب "الصهيونية الدينية" واليهود الحريديم المتشددين دينياً، ازدادت التحذيرات من أن مثل هذه الحكومة ستؤدي إلى اتساع الشرخ بين إسرائيل واليهود في الولايات المتحدة، ما سينعكس بشكل شبه أكيد على العلاقات بين الدولتين عموماً.

وأشير في سياق إطلاق هذه التحذيرات إلى أنه من السذاجة اعتبار تأييد يهود الولايات المتحدة لإسرائيل بديهياً وذلك لأسباب عديدة، لعلّ أبرزها هو واقع أنه في الوقت الذي يتعمق فيه انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين أكثر فأكثر فإن المزيد من أبناء الجالية اليهودية في الولايات المتحدة يسيرون في الاتجاه المعاكس. ومثلما كتبت شيرا رودرمان، المديرة العامة لـ"صندوق عائلة رودرمان" الذي يعمل في مجال تعزيز العلاقات بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، مثلاً، بعد انتهاء الانتخابات وظهور نتائجها النهائية، كلما كان اليهودي الأميركي أكثر شباباً كلما كان أكثر ليبرالية. فضلاً عن ذلك، فإن أغلبية اليهود في الولايات المتحدة ينتمون إلى التيارين الإصلاحي والمحافظ. كما أن معظم اليهود في الولايات المتحدة مؤيدون للحزب الديمقراطي.  

وأوضحت أنه في إطار استطلاع جديد للرأي العام أجراه "صندوق رودرمان" في صفوف يهود الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، أكد العديد منهم أن الصلة الخاصة التي تربطهم بإسرائيل آخذة بالتآكل. وعندما سئلوا في الاستطلاع ذاته عن الأسباب المركزية لهذا التآكل ذكروا الأسباب التالية: صعود نفوذ أحزاب اليمين المتطرّف وأحزاب اليهود الحريديم (32%)، والسياسة التي تنتهجها إسرائيل حيال الفلسطينيين (24%)، والعلاقات الحميمة التي نشأت بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب (24%)، وتوسع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 (24%).  

ويتوازى هذا التآكل في الصلة الخاصة بين يهود الولايات المتحدة وإسرائيل مع تآكل في ما يسمى "التضامن اليهودي"، كما بيّن "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية" الذي نشر قبل عامين. وهذا "التضامن اليهودي" يشكّل "الدبق الذي وحّد الشعب اليهودي على مر آلاف الأعوام"، كما يقول مدير "مركز القومية، الدين والدولة" في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" الذي يتولى إعداد هذا المؤشر منذ أكثر من عقدين.

وللتمثيل على ما جاء في "المؤشر"، يمكن ذكر أنه أظهر أن 51% من اليهود الإسرائيليين فقط يشعرون بأن لديهم مصيراً مشتركاً مع سائر اليهود في العالم الذين يوصفون بأنهم "يهود الدياسبورا". كما أظهر أن 60% من اليهود الإسرائيليين يعتقدون بأن إسرائيل لا ينبغي أن تأخذ في الاعتبار مواقف اليهود في العالم في شتى القرارات التي تتخذها، بما في ذلك سياستها الإقليمية. 

غير أن الجانب الأهم يظل ذلك المتعلّق بمحور العلاقة بين القومية والدين والدولة. وهو محور مشحون منذ أن علقت الحكومة الإسرائيلية في العام 2017 قراراً يقضي بضمان الصلاة التعددية الدائمة لغير اليهود الأرثوذكس في حائط المبكى (البراق) بسبب الضغوط التي مورست عليها من طرف زعماء أحزاب اليهود الأرثوذكس، فيما اعتبر بأنه تراجع عما كان يُنظر إليه كدرجة من الاعتراف بتيارات اليهودية غير الأرثوذكسية التي تشكل أغلبية يهود أميركا.

لا بُدّ عند هذا الحدّ من ذكر أن العلاقة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة بدأت تتسم بوجود تباين واضح في شؤون الدين اليهودي، كذلك في بعض المحاور السياسية وتحديداً منذ تولي الإدارة الأميركية السابقة برئاسة دونالد ترامب شؤون البيت الأبيض. ووفقاً لمؤشرات استطلاعات الرأي العام بهذا الشأن في تلك الفترة، أعلن 80% من اليهود الإسرائيليين دعمهم لسياسة ترامب في ما يرتبط بإدارة العلاقات الأميركية مع إسرائيل، وقال 85% منهم إنهم يؤيدون خطوة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، في حين أن 57% من اليهود الأميركيين فقط يؤيدون طريقة ترامب في إدارة العلاقات مع إسرائيل، وعارض 46% منهم نقل السفارة الأميركية، وأعلن 59% منهم تأييدهم لـ"حل الدولتين" للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. وداخل هذه المعطيات كان ثمة وزن متصاعد لآراء الشباب. ونشير مثلاً، استناداً لدراسة أجرتها إحدى المؤسسات اليهودية في أميركا، إلى أن 57% فقط من الطلاب اليهود في الجامعات والكليات الأميركية عبروا، في العام 2016، عن تأييدهم لإسرائيل في سياق الصراع مع الفلسطينيين في مقابل 84% في العام 2010. وبيّنت الدراسة أنه بينما كان 95% من الطلاب الجامعيين اليهود في الولايات المتحدة يحملون آراء إيجابية عن إسرائيل في العام 2010، هبطت هذه النسبة إلى 82% في العام 2016، بالإضافة إلى أن الأغلبية الساحقة منهم أصبحت تعتقد بأن "دولة إسرائيل تنتهك حقوق الإنسان". وهذا عنى في ذلك الحين أنه في الوقت الذي كانت العلاقات بين الرئيس الأميركي السابق ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو تتعزّز، فإن الشرخ بين يهود الولايات المتحدة وإسرائيل آخذ بالاتساع. 

تتقاطع هذه الوقائع مع تباين آخر في المواقف بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة على خلفية قيام نتنياهو بتعميق الانقسام مع الحزب الديمقراطي، وأساساً من طريق تعزيز تحالفه مع عتاة المسيحيين الأفنجيليين من قادة وأنصار الحزب الجمهوريّ، الذين يعتبرهم مؤيدين متحمسين لإسرائيل وسياستها الإقليمية ولا سيما حيال المسألة الفلسطينية.  

والآن مع قرب انطلاق حكومة نتنياهو السادسة، وبدء الاستعداد للانتخابات الرئاسية التي ستجري في الولايات المتحدة، تتزايد الأصوات التي تحذّر من مغبّة المُضي قدماً في هذا المسار. وبعضها يقول إنه كلما اتجهت إسرائيل نحو اليمين، ازداد تأثير الأفنجيليين في العلاقات بين الدولتين، ناهيك عن وجود قوى في هذا اليمين تسعى لأن يكون التأييد الأميركي لإسرائيل معتمداً حصرياً على الأفنجيليين، ما من شأنه أن يتسبب بتآكل إضافي في مكانة إسرائيل وسط مراكز قواها التقليدية، وفي طليعتها يهود الولايات المتحدة، الذين يعتبرون الأفنجيليين خطراً حقيقياً على قيمهم، من جانب واحد. ومن الجانب الآخر يؤدي ذلك في الوقت عينه إلى تعميق الانقسام مع الديمقراطيين، وبناء عليه، في حال انتخاب رئيس وكونغرس ديمقراطيين فإن ذلك سيشكّل مشكلة خطرة لإسرائيل إذا ما ظلّ نتنياهو في سدّة الحكم.

المصطلحات المستخدمة:

بنيامين نتنياهو, الصهيونية, مركز

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات