المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
دعاية ليكودية على حافلة في تل أبيب عشية انتخابات تشرين الثاني 2022.  (أ.ف.ب)
  • كلمة في البداية
  • 169
  • أنطـوان شلحـت

1- لعل أول ما تثبته نتائج انتخابات الكنيست الـ25 التي جرت يوم 1 تشرين الثاني 2022، والتي تطالعون تحليلاً موسعاً ومعمقاً لها ولإسقاطاتها في معظم مواد العدد الحالي من "المشهد الإسرائيلي"، أن اليمين الإسرائيلي بات منذ فترة طويلة يحتل الأكثرية في الكنيست، فضلاً عن أن ما يسمى بـ" معسكر قوى الوسط- اليسار" لا يتبنى طروحات بعيدة جداً عن طروحات هذا اليمين، ولا سيما في ما يتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية، وفي سائر مفاصل السياسة الخارجية الإقليمية والعالمية. وسبق أن تطرقنا إلى هذه المسألة بتفصيل أكبر يوم 22 آب 2022 لدى توقفنا عند جوهر المعسكرات السياسية المتنافسة في الانتخابات، بما يعفينا من عناء التكرار.

وثمة من يعتقد أن احتلال اليمين الأكثرية في الكنيست أصبحت صيرورة ووصلت إلى نقطة اللاعودة، وذلك لأسباب شتى قد تكون أبرزها التركيبة الديمغرافية للمجتمع الإسرائيلي التي تشير كل التوقعات بشأنها إلى استمرار ارتفاع نسبة اليهود الحريديم المتشددين دينياً في الأعوام القليلة المقبلة، وحقيقة أن هناك تحالفاً تاريخياً عقدته أحزاب هؤلاء اليهود الحريديم مع اليمين في إسرائيل منذ العام 1990 وصار إلى رسوخ أكثر فأكثر في الأعوام التي تلت ذلك العام. وهو ما سينعكس أيضاً في كل ما يتعلّق بتعزيز أرثوذكسية المجال العمومي في إسرائيل.

2- أما جديد هذه الانتخابات فهو تحوّل الأحزاب الرئيسة في تيّار "الصهيونية الدينية" في نسخته الحالية، التي تمثّل أقصى اليمين الإسرائيلي، إلى القوة الثالثة في سياق عام يجعلها مؤثرة في الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي تؤكد التقديرات أنها ستكون برئاسة بنيامين نتنياهو وأنها ستكون مركّبة أساساً من حزب الليكود وحلفائه الطبيعيين وهم "الصهيونية الدينية" وأحزاب اليهود الحريديم.

وسبق أن توقفنا مرات كثيرة في السابق عند التحوّلات التي خضع لها هذا التيار، الذي يمكن القول إنه كان بمثابة تيار واحد وتلاشى، وعلى أنقاضه تشكلت مجموعات اجتماعية مختلفة يمكن القول إن ما يفرّق بينها أكثر مما يوحّدها بكثير!

وقد تمثل التيّار المذكور أساساً في الحزب القومي- الديني (المفدال)، وكان في العقود الثلاثة الأولى لقيام إسرائيل أكثر اعتدالاً وبراغماتية منه اليوم، وقد تجلى ذلك في "تحالفه التاريخي" مع التيار المركزي في الصهيونية العلمانية، ممثلاً في حزب مباي ثم في حزبي المعراخ والعمل، والذي استمر حتى العام 1977، وبعد هذا العام (الذي شهد ما يعرف بـ "الانقلاب" الذي أطاح بالعماليين من السلطة ومهد لحقبة من سلطة حزب الليكود) اتجه التيار الصهيوني- الديني مدفوعاً بإيمانه الشديد بعقيدة "إسرائيل الكبرى" وبولائه لـ "توراة إسرائيل"، ولا سيما في أعقاب صعود قيادات جديدة شابة إلى زعامته وزعامة حزبه (المفدال) تنتمي في غالبيتها إلى غلاة محافل المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى التحالف مع "اليمين القومي" حيث شارك حزب المفدال في جميع الحكومات التي شكلها حزب الليكود منذ ذلك الوقت. ولغاية منتصف السبعينيات كانت القضايا الدينية هي القضايا الأساسية لتيار وحزب الصهيونية الدينية، وبعد صراع شديد بين القيادة القديمة للحزب والقيادة الشابة المتأثرة بتعاليم الحاخام تسفي يهودا هكوهن كوك (الزعيم الروحي لحركة "غوش إيمونيم"، الذراع الاستيطانية للتيار الصهيوني- الديني) بدأ هذا التيار وحزبه يركزان جلّ انشغالهما على الاستيطان والتأكيد على عقيدة "أرض إسرائيل الكبرى". ومنذ ذلك الحين شهد التيار الصهيوني- الديني الذي يتبعه معظم المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عدة انشقاقات على خلفية إثنية وأيديولوجية. غير أن الصراع داخل هذا التيار، ورغم انسحاب حزبه (المفدال) من حكومة أريئيل شارون عقب إقرارها لخطة الانفصال الأحادية الجانب عن قطاع غزة، استمر شديدا تحت السطح تارة وفوقه تارة أخرى، بين جناحين رئيسيين: الجناح السياسي البراغماتي والجناح السياسي العقائدي المتطرف المسياني والذي رجحت كفته في نهاية المطاف في زعامة حزب المفدال. ويمكن القول  إن تيار الصهيونية- الدينية كحال غيره من تيارات الصهيونية القومية والعلمانية، دخل في أزمة طويلة وعميقة مزدوجة، أزمة قيادة وأزمة أيديولوجية بدأت بواكيرها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو (1993)، ثم انتقلت إلى طور أعلى من التفاقم عقب اغتيال رئيس الحكومة إسحق رابين العام 1995 (الذي تتلمذ ونشأ قاتله يغئال عمير في أحضان تيار الصهيونية- الدينية ذاته) واستفحلت منذ تنفيذ خطة الانفصال وإزالة المستوطنات اليهودية من قطاع غزة العام 2005، والتي أحدثت شرخا في صفوف المعسكر الصهيوني القومي عموما والتيار الصهيوني- الديني على وجه الخصوص لما عنته واقعيا وفعليا من تحطم وانكسار لحلم "أرض إسرائيل الكاملة" وانتكاسة لمجمل أيديولوجيا المعسكر الصهيوني القومي على اختلاف أطيافه وفروعه.

وتكشف دراسة د. هنيدة غانم (المنشورة في هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي") وكذلك كتاب صدر مؤخراً في إسرائيل بعنوان "الثورة الثالثة.. مبادئ العقيدة المسيانية الساعية لتحويل إسرائيل إلى دولة يهودية تكون التوراة دستورها"، من تأليف الباحث والحقوقي يائير نهوراي، عن أن هذا المسعى يتخذ راهناً صفة "الثورة الثالثة" في مسلك اليهود الأرثوذكس داخل صفوف الحركة الصهيونية، بعد أن كانوا في بداية طريقها، من أشدّ المعارضين لها ولهدفها المتمثل في إقامة "وطن قومي لليهود" عبر إحراق "مراحل الخلاص المنتظر". وتعبير "الثورة الثالثة" مُستمدّ، كما يؤكد مؤلف الكتاب، من أحد حاخامي الصهيونية الدينية وهو إيلي سدان، مؤسس المعاهد التمهيدية التي تجهز الشبان المنتمين إلى الصهيونية الدينية للخدمة الإلزامية في صفوف الجيش الإسرائيلي، والحائز على "جائزة الدولة الإسرائيلية" العام 2018 عندما كان نفتالي بينيت (من "الصهيونية الدينية") يتولى منصب وزير التربية والتعليم في حكومة بنيامين نتنياهو الرابعة (2015- 2019). وسدان هو رئيس أبرز هذه المعاهد- "معهد بني دافيد (أبناء داود)" في مستوطنة "عيلي" شمال شرقي رام الله. 

بموجب رؤية سدان كانت "الثورة الأولى" بقيادة الحاخام أبراهام إسحق هكوهين كوك، الذين كان حاخام مدينة يافا والمستوطنات اليهودية المجاورة لها قبل النكبة الفلسطينية، وأصبح الحاخام الأشكنازي الرئيس الأول بعد إقامة إسرائيل، وتلخصّت في فكرة أن "الاستيطان اليهودي في أرض إسرائيل هو بداية الخلاص"، وأن الهجرة إلى فلسطين ولاحقاً إلى إسرائيل هي بمثابة فريضة على جميع اليهود في العالم. واعتبر أن الصهيونية جزء من "خطة إلهية" موجهة من أعلى، ولذا فهي ليست إلحاداً برغم أن من يقودونها هم علمانيون. وجاءت ثورة كوك بمثابة ردّ على رؤية اليهود الحريديم المعارضين للصهيونية بأنه لا ينبغي منح الحركة الصهيونية أي معنى ديني لأن قيادتها علمانية ولا تستند إلى مشاعر دينية أو إلى الإيمان بالربّ. و"الثورة الثانية" حدثت عقب حرب 1967، وبعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء، حيث أسّس نجل كوك، الحاخام تسفي يهودا كوك، المعهد الديني الكبير "مركاز هراف" في القدس، وأقيمت حركة "غوش إيمونيم" وبدأت عملية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وإثر ذلك تحوّل هذا التيار من حركة تسير في فلك حزب العمل إلى حركة تجر وراءها رؤساء حكومات لتطبيق فكرة "الاستيطان في أرض إسرائيل الكاملة". كذلك أصبح أتباع التيار الصهيوني - الديني الجهة القيادية في سلك التربية والتعليم، وأقاموا مؤسسات تعليمية ودينية خاصة بهم، وتولوا مناصب حاخامي المدن، وكان ذلك أحياناً على حساب الحريديم. وبعد أن أسسوا مدارس دينية ثانوية ومعاهد دينية تمهيدية للخدمة العسكرية، أصبح حضورهم وتأثيرهم العام يتسع على نحو كبير.

ويعود أحد أسباب اتساع تأثير الصهيونية الدينية في الحيّز العام الإسرائيلي إلى تزايد انخراط شبانها في الجيش، وبالأساس في وحدات النخبة القتالية، وبالتالي حصلوا على رتب عسكرية عالية وتولوا مواقع قيادية في الجيش، وفي الأعوام الأخيرة وصل أحد الضباط من أبناء هذا التيار، اللواء يائير نافيه، إلى منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش.

وتتلخّص "الثورة الثالثة" التي يعمل سدان على الدفع بها قدماً، في تعزيز سيطرة أتباع "الصهيونية الدينية" على مختلف مؤسسات الدولة وتضييق الخناق على العلمانيين، والأهم من ذلك الترويج أن "التوراة هي دستور إسرائيل، الحمض النووي للدولة اليهودية"!

3- تتجه الأنظار في الوقت الحاليّ إلى متابعة ما إذا كانت عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية تؤشر إلى عودة النهج الذي كرّسه على مستوى الحُكم. وهو النهج الذي اتبعه خلال مسيرته الطويلة في سدّة الحكم، واتسم بالاصطدام مع كل مؤسسات الدولة تقريباً، بدءاً من مستشار الحكومة القانوني، ومروراً بقضاة المحكمة العليا والجهاز القضائي بشكل عام، والشرطة والأجهزة الأمنية، ووسائل الإعلام، وانتهاء بإدارات مهنية في عدد من الوزارات مثل وزارة الخارجية التي غيّبها مثلاً عن الاتصالات التمهيدية بشأن التطبيع مع دول عربية وإسلامية. كما أن نتنياهو تسبّب بتحوّل حزب الليكود من حزب لديه مؤسسات نظامية وهيئات مقررة ويتنافس فيه أقطاب بارزون إلى حزب الزعيم الواحد الأوحد، فضلاً عن قيامه بتنحية قادة الحزب من الصفّ الأول واحداً تلو الآخر حيث حلّ محلهم أشخاص هم أقرب إلى كونهم أعواناً له لخوض حتى معاركه الشخصية. ويمكن التقدير بأن كل هذا سيؤثر في مستقبل حزب الليكود عند تنحّي نتنياهو.

 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات