المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
غزة بعد العدوان الأخير. (شينخوا)
  • كلمة في البداية
  • 211
  • أنطـوان شلحـت

أثارت حملة "مطلع الفجر" العسكرية التي قام الجيش الإسرائيلي بشنّها ضد حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني في قطاع غزة واستمرت 55 ساعة (5-7 آب 2022)، سؤالاً بشأن ما الجديد فيها؟ وماذا كانت نتيجتها في الميزان النهائيّ؟

وفقاً للسردية الإسرائيلية، حدّدت إسرائيل في البداية ثلاثة أهداف للحملة وهي:

1. "إحباط دقيق لتهديد فوري"، كما أوضح رئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لبيد في خطابه إلى الجمهور العريض؛

2. الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة في ما يسمى "الحرب على الإرهاب"، وترجمة هذا الفصل تكون من خلال منع إطلاق النار من غزة كردّ على "مكافحة الإرهاب" في الضفة؛

3. إبقاء حركة حماس خارج المعركة، كعنوان لجهود إسرائيل لتحسين ظروف الحياة، وترسيخ الهدوء في غزة. وكما أكد لبيد: "إن صراعنا ليس مع سكّان غزة، إنما مع الجهاد الإسلامي، وهو "ذراع" إيراني يريد إبادة دولة إسرائيل وقتل إسرائيليين أبرياء"! 

ومع استمرار القتال، أُضيف هدف رابع، كما قال رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، الجنرال أفيف كوخافي، وهو: 4. توجيه "ضربة قاتلة" إلى الجهاد الإسلامي، وفي هذا السياق تنفيذ اغتيالات تستهدف كبار القادة، وتجريد الجهاد من قدراته في غزة، وضرب الخلايا التي تعمل على إطلاق الصواريخ.

بناء على ذلك، ما هو الجديد الذي يمكن استشفافه من هذه الحملة، على صعيد "الأداء الإسرائيلي"؟

يتألف هذا الجديد، بموجب حدقة القراءات الإسرائيلية، من عدة عناصر سنعرض لها بإيجاز من منطلق التوصيف أكثر من التحليل: 

أول هذه العناصر أن "مطلع الفجر" كانت حملة عسكرية استباقية تهدف إلى الردع، وليست ردة فعل على عمليات تعرضت لها إسرائيل، مثلما كانت الحال حتى الآن في معظم الحروب والحملات العسكرية التي قامت بها إسرائيل، بما في ذلك تلك التي استهدفت قطاع غزة. وهي أتت، كما ورد في القراءات نفسها، بعد أن صعّدت حركة الجهاد من تحدِّيها لإسرائيل ومن تحركاتها الميدانية، في إثر اعتقال بسام السعدي، أحد قادة الجهاد في الضفة الغربية.

العنصر الثاني يكمن في تحييد حركة حماس ومحاولة دق إسفين بينها وبين حركة الجهاد. وبحسب القراءات الإسرائيلية بقيت حماس خارج المعركة، كما استُبعدت من اتصالات وقف إطلاق النار، التي جرت بوساطة مصرية، الأمر الذي شكّل تحدياً لصورتها كقائدة لـ"معسكر المقاومة"! 

عند هذا الحدّ ينبغي أن نشير إلى ما قال به بعض الخبراء الأمنيين الإسرائيليين، ومؤداه أنه منذ حملة "حارس الأسوار" (أيار 2021) اتخذت إسرائيل "خطوات اقتصادية غير مسبوقة" إزاء غزة، تعتمد على 3 افتراضات أساسية: الأول، أن تحسين الوضع المدني سيقلّص من احتمال نشوب تصعيد، ولا سيما في ضوء تراكم رصيد مهم تتخوّف حماس من خسارته، وفي ظل الضغط الشعبي الذي سينشأ ضد أي طرف سيزعزع الوضع الأمني؛ الثاني، أن حماس هي المسؤولة الحصرية في جميع المجالات في قطاع غزة؛ الثالث، أن أيّ خرق أمني سيُواجَه بردّ عسكري شديد القوة، سيكون موجهاً، قبل أي شيء، ضد حماس.

وبموجب ما أكده البعض، في الحملة الحالية تصرفت إسرائيل، عملياً، بصورةٍ تناقضُ هذه الاستراتيجيا التي وضعتها، وهو ما أظهر فجوات عميقة فيها. وبرأي أحد هؤلاء الخبراء (وهو ميخائيل ميلشتاين، ضابط سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان") خاضت إسرائيل "مواجهة مركزة ضد الجهاد الإسلامي، بينما وقفت حماس موقف المراقب، ولم تقُم بدورها في اتفاق التهدئة، فهي لم تتحرك ضد الجهاد عشية العملية، وعملياً، سمحت بنشوب المعركة، ولم تمارس ضغطاً كبيراً على التنظيم لوقف القتال. ولم تكن سياسة حماس نتيجة إكراه، بل كانت خياراً. ويبدو أن الدافع هو عدم الرغبة في الإساءة إلى صورة حماس، بصفتها "أم المقاومة" في المنظومة الفلسطينية، والتقدير بأن إسرائيل لا تريد ضرب الحركة، وبأن القيود المدنية التي فرضتها على القطاع ستُرفع خلال وقت قصير (وهذا ما حدث فعلاً)". ويعتقد الخبير نفسه أن هذه الحملة أظهرت فجوة استراتيجية حادة تتعلّق بالسياسة التي دفعت بها إسرائيل قدماً ولا تزال تدفع بها بإزاء قطاع غزة وستنعكس على مستقبل الصراع بين الجانبين، كما يمكن أن تؤول على نحو لا يصبّ في مصلحة إسرائيل، مثل إجبار هذه الأخيرة على الدخول، مرة تلو أخرى، في مواجهة ضد مجموعة من التنظيمات الصغيرة في غزة.

العنصر الجديد الثالث يرتبط بالتجاء مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى، خلال حديثها حول طريقة اغتيال قائد اللواء الشمالي لسرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي في قطاع غزة، تيسير الجعبري، في بداية الهجوم الإسرائيلي على القطاع، إلى إبراز استخدام سلاحين جديدين لتدمير شقة في عمارة طوابق كان موجوداً فيها، بما يضمن أن يكون الضرر قليلاً على السكان والعمارة.

وما عاد سرّاً أن أحد أهداف العمليات الحربية الإسرائيلية بشكل دائم هو تجربة أسلحة جديدة لبيعها فيما بعد كأسلحة مجرّبة. وسبق لنا أن تطرقنا إلى هذا الموضوع مرات عديدة كانت إحداها حين عرضنا لفيلم إسرائيلي بعنوان "المختبر" أنتج في العام 2013. وهو من إخراج يوتام فيلدمان، نجل المحامي المعروف أفيغدور فيلدمان، والذي عمل في السابق صحافياً محققاً، وخصص فيلمه هذا إلى محور تجارة السلاح الإسرائيلية من زاوية شديدة الخصوصية، هي زاوية لجوء إسرائيل إلى تسويق منتجاتها من الأسلحة عبر التباهي بأنها ناجعة ولها تجربة مثبتة في الميدان. وفي هذا الشأن يشير الفيلم إلى أن أحد أسباب ما يسميه بـ"دورية" الحروب التي تقوم إسرائيل بشنّها في قطاع غزة يعود إلى تحويل القطاع إلى مختبر لتجربة أحدث أنواع الأسلحة المُنتجة في إسرائيل بما يُسعف في تصديرها إلى شتى أنحاء العالم.

وفقاً لفيلدمان، شهدت الصناعات العسكرية الإسرائيلية، منذ هجمات 11 أيلول 2001 على الولايات المتحدة، ازدهاراً غير مسبوق. ويعمل ضباط سابقون في الجيش الإسرائيلي، تحولوا إلى مستشارين وتجار أسلحة، على تطوير وبيع معدات عسكرية ونظريات قتالية، أضحت سلعة مطلوبة في أنحاء العالم، ومصدر رزق لمئات آلاف الإسرائيليين، وأخذت الصادرات الأمنية الإسرائيلية تزداد من عام إلى آخر لتغدو كذلك رافداً مهما للاقتصاد الإسرائيلي. 

وبرأيه يعتمد النجاح الإسرائيلي في هذا المضمار على "مختبر يتيح اختبار وفحص هذه الاختراعات والابتكارات في ميدان حقيقي وعلى بني بشر حقيقيين". ويتناول فيلدمان في "المختبر" (مدته ستون دقيقة) بصورة متعمقة، صناعة تصدير الأسلحة والخبرة العسكرية التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في إسرائيل منذ مطلع الألفية الحالية، ويبيّن أن الحروب التي تشنها إسرائيل على غزة باتت تشكل جزءاً من نهج الحكم وبمثابة مختبر رئيس لهذه الصناعات الإسرائيلية. ويدعو الفيلم جهراً إلى الربط بين الصناعات التكنولوجية الإسرائيلية المتطورة وبين القوة العسكرية الجامحة التي يتم تناولها في تقارير منظمات حقوق الانسان، بدلاً من رؤيتهما كظاهرتين مختلفتين في زمن وحيز قريبين. ويشير فيلدمان إلى أن حرب 2008- 2009 على غزة (التي أسميت إسرائيلياً بـ"عملية الرصاص المصهور") أسفرت عن صدور "تقرير غولدستون" الذي تحدث عن جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في أثناء تلك الحرب، ومن بينها جريمة قصف طابور طلاب مدرسة الشرطة الفلسطينية في أول أيام الحرب، لكن بعد الحرب أصدرت "سلطة تطوير الوسائل القتالية" في إسرائيل ("رفائيل") منشوراً تسويقياً تحدث عن التجربة العملانية لصاروخ "سبايك- 4" الذي استخدم في قصف طابور مدرسة الشرطة، وفقط قلائل يدركون أن الحديث يدور حول وصفين مختلفين للحدث نفسه. كذلك هي الحال بالنسبة لطائرات صغيرة من دون طيار تستخدمها إسرائيل في عمليات التصفية والاغتيالات في قطاع غزة، وعلى هذا يمكن قياس الكثير من الأحداث.

ونقل الفيلم مثلاً عن مسؤول كبير في الصناعات العسكرية قوله إن اختبار شبكة ديجيتالية مُخصصة لاستخدام القوات البرية تبلغ قيمتها مليار دولار، خلال حرب 2008- 2009، أتاح إمكان رفع سعر هذه الشبكة في صفقة أبرمت مع أستراليا بعد عام واحد من الحرب. وأكد أحد رجالات التسويق في شركة الصناعات الجوية أن العلميات العسكرية والاغتيالات في غزة تؤدي إلى ارتفاع بعشرات النسب المئوية في مبيعات الشركة. 

ولعل المعلومة الأهم التي يوردها الفيلم هي أنه أصبح لرجالات "اليسار الصهيوني" موطئ قدم في هذه الأعمال أكبر مما كان عليه في الماضي، فمثلاً يوسي بيلين يزاول تجارة بيع السلع الأمنية في السوق العالمية، وشلومو بن عامي عمل في منصب رفيع المستوى في شركة Global CST التي تقوم ببيع سلع أمنية وبتدريبات في كولومبيا، إضافة إلى إيهود باراك الذي التحق بهذه الأعمال في أوج ازدهارها بعد هجمات 11 سبتمبر.

أخيراً، لا يجوز أن ننهي كلامنا عن حملة "مطلع الفجر" من دون أن نشير إلى أنها كانت إلى حدّ كبير متأثرة من واقع أن إسرائيل ذاهبة إلى انتخابات مبكرة أخرى، هي الخامسة خلال أقل من أربعة أعوام، وهذا ما تقرّ به عدة قراءات إسرائيلية أيضاً، أشارت إلى أن رئيس الحكومة الحالية يائير لبيد يريد أن "يحصل على شهادة في المعارك العسكرية" وبالتالي فلا شيء يمنع من أن يحوّل الجيش والجنود إلى أوراق في لعبة انتخابية. وما زالت بعض ردات الفعل على أداء لبيد كـ"سيّد أمن" تتصادى إلى هذه اللحظة، ولعلّ أبرزها ردة الفعل التي ورد فيها: "لقد علّم بيبي (ب. نتنياهو) درساً.. لبيد أيضاً يعرف أن يقتل"!

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات