أفيحاي مندلبليت مع نتنياهو. (أرشيفية)

في نهاية شهر كانون الثاني الحالي ستنتهي فترة ولاية المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية أفيحاي مندلبليت. وإن عملية تعيين مستشار جديد هي عملية معقدة وطويلة وتحتاج إلى تحضير مسبق. بيد أن جدعون ساعر، وزير العدل الإسرائيلي عن حزب "أمل جديد"، والذي من المفترض أن يشرف على تشكيل لجنة تعيين المستشارين القانونيين، تأخر في تشكيل اللجنة الأمر الذي يعني أن فترة ولاية مندلبليت سوف تنتهي مع نهاية الشهر بدون أن يكون هناك بديل له بعد. وبينما رفض مندلبليت بشكل قاطع أن يتم تمديد ولايته بضعة أسابيع ريثما يتم تعيين بديل له، فإن التقديرات تشير إلى أن اختيار مستشار جديد لن يتم قبل بداية شهر آذار القادم. وعليه، سارع ساعر إلى تعيين النائب العام عميت آيسمان كقائم مقام لسد الفراغ لمدة شهر في الفترة التي تقع ما بين انتهاء ولاية مندلبليت وتعيين مستشار جديد.

        نيتسان شابير، رجل النيابة العامة عميت آيسمان سيعين كقائم مقام المستشار القانوني لمدة شهر، غلوبس، 6 كانون الثاني 2022. أنظر الرابط التالي: https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001397738
هذه المقالة تستعرض منصب المستشار القانوني للحكومة، وتتناول مهماته وصلاحياته، وتتطرق إلى بعض الجدالات الداخلية التي تحيط بهذا المنصب.

يعتبر منصب المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية من أهم المناصب في الدولة باعتباره مسؤولا عن الجهاز القانوني داخل السلطة التنفيذية. هذا يعني أن المستشار القانوني يراقب كل أعمال السلطة التنفيذية بما في ذلك مكتب رئيس الحكومة، عمل الوزارات والأجهزة الأمنية، ويضمن أن تمتثل كل قراراتها وممارساتها للقانون الإسرائيلي وأن تحقق المنفعة العامة.

في دليل الحكومة الإسرائيلية للعام 1949، تم وصف عمل دائرة المستشار القانوني للحكومة على أنها: "تفحص ما إذا كان عمل وأداء مؤسسات الحكومة يمتثل للقانون أم لا".راجع أرشيف الدولة لقراءة دليل الحكومة من العام 1949. أنظر الرابط التالي: https://bit.ly/3F7pFhT. ومع أن هذا المنصب يعتبر هاما جدا، وذا صلاحيات واسعة، إلا أنه لا يوجد هناك قانون إسرائيلي واضح يفصل حدود صلاحيات هذا المنصب، أو طريقة تعيين المستشار القانوني للحكومة.

في العام 1997، قام بنيامين نتنياهو بتعيين المحامي روني بار- أون كمستشار قانوني لحكومته، الأمر الذي اثار احتجاجات واسعة لأن بار- أون يعتبر من قادة حزب الليكود ومقربا جدا من نتنياهو. في تلك الفترة، كان بعض أعضاء الائتلاف الحكومي الذي يقوده نتنياهو متهمين بقضايا فساد، وكان من المتوقع أن يقوم المستشار القانوني الجديد، والمقرب من حزب الليكود، بمساعدتهم بالالتفاف على المسيرة القانونية التي من المتوقع أن تنتهي بإدانة بعضهم. لقراءة نص قرار المحكمة العليا في "فضيحة" تعيين المستشار القانوني، أنظر الرابط التالي: https://law.haifa.ac.il/images/lawGov/Vol4-2/11-segal.pdf. وبعد أن قدم حزب العمل التماسا للمحكمة العليا حول احتمالية وجود تعيين غير قانوني لشخص المستشار القانوني الذي وضعه نتنياهو، استقال بار- أون من منصبه على الفور، وتم تعيين لجنة تدعى لجنة شمغار لوضع توصياتها حول صلاحيات عمل المستشار القانوني وطرق تعيينه.

بحسب لجنة شمغار، فإن صلاحيات المستشار القانوني هيلقراءة توصيات لجنة شمغار، أنظر الرابط التالي: https://www.news1.co.il/uploadFiles/167354762554169.pdf.: رئيس النيابة العامة في إسرائيل؛ تمثيل الحكومة الإسرائيلية أمام القضاء بما في ذلك المحكمة العليا الإسرائيلية؛ مستشار الحكومة في كل القضايا ذات البعد القانوني والقانوني؛ ضمان أن تمتثل قرارات الحكومة للمصلحة العامة للجمهور الإسرائيلي وأن لا تخرق القانون الإسرائيلي.

هذه الصلاحيات الواسعة حوّلت منصب المستشار القانوني للحكومة إلى منصب حساس ومحوري ومقرر في بعض الأحيان. ويحظى المستشار القانوني باستقلالية نسبية في عمله، وتعتبر مواقفه من القضايا المختلفة التي تطرأ على جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية بمثابة أرضية ملزمة قانونيا للحكومة. لكن في السنوات الأخيرة، ومع تنامي نفوذ اليمين الإسرائيلي الجديد، ذي النزعات الشعبوية والمعادية لسلطة القانون العليا، بدأ منصب المستشار القانوني للحكومة يواجه محاولات حقيقية للتقليل من صلاحياته. مثلا، في العام 2017 تقدم بتسلئيل سموتريتش من حزب الصهيونية الدينية بمشروع قانون يجبر المستشار القانوني للحكومة على عدم وضع توصيات مخالفة لموقف الحكومة الإسرائيلية. للمزيد حول مشروع القانون المقدم والنقاشات التي صاحبته، أنظر موقع الكنيست الإسرائيلي على الرابط التالي: https://bit.ly/3F5QzXu . هذا يعني أن الاستقلالية القانونية للمستشار القانوني، والتي تعتبر أحد العوامل التي تكبح جماح السلطات التنفيذية، ستنتهي بحيث يتحول المستشار إلى داعم، وبشكل أعمى، لكل قرارات الحكومة ويوفر لها مسوغات قانونية. في مثال آخر، تقدمت وزيرة العدل في العام 2017، أييلت شاكيد، بمشروع قانون يتعلق ببناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية. حسب مشروع القرار، أرادت شاكيد أن تحول كل النقاشات القانونية المصاحبة لقرار بناء مستوطنة جديدة إلى لجنة خارجية مختصة بالاستيطان، بحيث أن قرارات هذه اللجنة يجب أن تكون ملزمة للمستشار القانوني وليس العكس، الأمر الذي يسحب من المستشار القانوني صلاحيات هامة ويجعله خاضعاً لمواقف المستوطنين أنفسهم وليس للقانون الإسرائيلي.غاي لوريا، حامي سلطة القانون (القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2019) أنظر الرابط التالي: https://www.idi.org.il/articles/28621

ليس صدفة أن يرفض مندلبليت البقاء في منصبه يوما واحدا بعد انتهاء ولايته في 31 كانون الثاني الحالي. والسبب، كما قال مندلبليت في محاضرة ألقاها في العام 2019، أن منصب المستشار القانوني بات يفقد رويدا رويدا من استقلاليته وقوته القانونية. وإن التغييرات الحاصلة على المشهد السياسي الإسرائيلي والمتمثلة بزيادة حجم تيارات اليمين الجديد، وصعود الشعبوية المعادية لحكم القانون، أدت إلى أن تقوم الحكومات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة بمعارضة آراء المستشار القانوني. حسب مندلبليت، هذه ظاهرة جديدة وغير مألوفة في إسرائيل بحيث أن الحكومات الإسرائيلية تفرض نفسها فوق القانون ولا تلتزم بتوصيات المستشار القانوني، بل إن هذا يعتبر بداية نهاية سيادة القانون في إسرائيل.يمكن الاستماع إلى محاضرة مندلبليت على موقع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، على الرابط التالي: https://www.idi.org.il/articles/26041.

في الأشهر الأخيرة، انضم جدعون ساعر إلى محاولات التقليل من صلاحيات المستشار القانوني. وباعتباره وزير العدل، يحاول ساعر أن يسحب العديد من صلاحيات المستشار القانوني من خلال تقسيم المنصب إلى منصبين. فالمستشار القانوني يحمل حقيبتين هامتين، وأحيانا متناقضتين: من جانب هو رئيس النيابة العامة والذي يستطيع أن يقوم بإجراءات قضائية بحق كل مواطن من مواطني دولة إسرائيل بما في ذلك أعضاء الحكومة، من جانب آخر هو يعتبر المستشار القانوني لأعضاء الحكومة ويوفر لهم آراء قانونية لتسويغ ممارساتهم داخل الحكومة. بالنسبة لساعر، هذه الازدواجية في الصلاحيات تجعل المستشار القانوني رجلا قويا جدا. وقد أعلن ساعر عن نيته توزيع هاتين الصلاحيتين على شخصين مختلفين، الأمر الذي يراه مراقبون مختصون في الشؤون الديمقراطية بأنه مساس حقيقي بسلطة القانون ومحاولة لجعل السلطة التنفيذية متحررة من إلزامات المستشار القانوني.مثلا أنظر تقرير المعهد الإسرائيلي للديمقراطية: كريمنيتسر، هل نقسم أو لا نقسم منصب المستشار القانوني للحكومة؟ (القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2021). أنظر الرابط التالي: https://www.idi.org.il/articles/36227.

لكن اليوم يهتم ساعر أولا بإتمام عملية تعيين مستشار قانوني جديد كخليفة لمندلبليت، بناء على توصيات لجنة شمغار من العام 1997، وقد قررت الحكومة الإسرائيلية في العام 2000 تبني هذه التوصيات خصوصا المتعلقة بطريقة تعيين المستشار القانوني. وطريقة التعيين المعتمدة حاليا تتم من خلال لجنة حكومية مكونة من خمسة أعضاء هم: 1) قاض متقاعد كان يعمل في المحكمة العليا الإسرائيلية ويتم تعيينه من قبل رئيس المحكمة العليا، 2) وزير العدل أو مستشار قانوني سابق تعينه الحكومة نفسها، 3) عضو كنيست تعينه لجنة الدستور والقانون داخل الكنيست، 4) محام ذو خبرة يتم انتدابه من المجلس القطري لمكاتب المحامين في إسرائيل، 5) أكاديمي مختص في القانون العام وقوانين العقوبات يتم انتدابه من منتدى كليات القانون على مستوى كل جامعات إسرائيل. هذه الطريقة التي توزع صلاحيات اختيار المستشار القانوني بين عدد مختلف من أصحاب المصالح تعتبر طريقة ديمقراطية وتضمن عدم تفرد أي أحد في إسرائيل في اتخاذ قرار تعيين المستشار القانوني. لكن حتى هذه الطريقة باتت غير مقبولة على القادة الإسرائيليين المنتميين إلى اليمين المتشدد واليمين الجديد. فمثلا، في محاضرة ألقتها أييلت شاكيد عندما كانت تشغل منصب وزيرة العدل في العام 2016، هاجمت توصيات لجنة شمغار وطالبت بأن يحظى وزير العدل بصلاحيات كاملة وحصرية في تعيين المستشار القانوني.ألقت شاكيد المحاضرة في منتدى كوهيلت اليميني المتطرف في العام 2016. للاستماع أنظر الرابط التالي: https://bit.ly/3q6pj6L (مع ملاحظة أن منتدى كوهيلت لا يقبل تصفح موقعه الإلكتروني من داخل أراضي السلطة الفلسطينية).

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

إسرائيل واعتبار حقوق الإنسان بمثابة عامل "انتحار قوميّ".. "قانون المواطنة" أنموذجاً!

في إطار سعيها المحموم وراء إعادة سنّ قانون منع لم شمل العائلات الفلسطينية في إسرائيل والذي أدّى حتى الآن إلى قيام اللجنة الوزارية لشؤون سنّ القوانين بالمصادقة على مشروع قانون بهذا الشأن قدمته أحزاب المعارضة اليمينية بواسطة عضو الكنيست سيمحا روتمان (من حزب "الصهيونية الدينية")، كررت وزيرة الداخلية الإسرائيلية أييلت شاكيد (من حزب "يمينا") القول بأنها لا تخجل من التأكيد أن مشروع القانون ضروري من ناحية ديموغرافية. ويواصل مشروع القانون هذا ومشروع قانون آخر أعدته شاكيد تقليداً بدأه مشروع قانون جرى سنّه في العام 2003 وكان بمثابة تعديل لـ"قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل"، ويقيّد منح فلسطينيين متزوجين من مواطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية المواطنة الإسرائيلية، ومنذ ذلك الوقت جرى تمديده مرات عديدة على التوالي. غير أنّ محاولة تمديده في تموز الماضي مُنيت بالفشل بعد تصويت كافة أعضاء الكنيست من المعارضة ضد التمديد، على سبيل مناكفة الحكومة، وعقب امتناع أعضاء كنيست من

للمزيد
برنامج "بيغاسوس": ضحايا حول العالم.  (عن هآرتس)

برنامج التجسّس "بيغاسوس" سيء السمعة: 450 ضحية حول العالم والتجسّس يطال الإسرائيليين أيضاً!

سبق أن تناولت العديد من المساهمات في مُلحق "المشهد الإسرائيلي" تقنية "بيغاسوس"- برنامج التجسّس التي طورته شركة صناعة السايبر الإسرائيلية الهجومية NSO Group – لا سيّما في الفترة الأخيرة التي برز فيها اسم الشركة والبرنامج في الصحف والتقارير والتحقيقات، حول استخدام هذه التقنية من قِبَل إسرائيل، والعديد من الأنظمة القمعية والاستبدادية حول العالم (بعد أن صدّرتها الشركة لها) لملاحقة النشطاء الحقوقيين والسياسيين والمعارضين حول العالم، بمن في ذلك دبلوماسيون وشخصيات رفيعة. هنا، سنحاول الوقوف على أبرز ما تضمّنته التقارير، التي صدرت مؤخراً، وبشكل مُتتابع، في الصحف الإسرائيلية، وتحديداً في صحيفة "هآرتس"، ومُلحق "كلكاليست" الاقتصادي، وتطرّقت إلى استخدام الشرطة الإسرائيلية لهذه التقنية في الفترة الأخيرة للتجسّس على المواطنين الإسرائيليين، وقائمة تضم "ضحايا" هذه التقنية حول العالم.

للمزيد
تظاهرة حريدية ضد التجنيد. (أرشيفية)

قانون تجنيد المتدينين المتزمتين اليهود.. مشكلة ائتلافية أم أزمة مجتمع؟

فشل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي في تمرير قانون تجنيد المتدينين المتزمتين الحريديم بالقراءة الأولى، بعد تعادل الأصوات في الكنيست (54 صوتا مع مقابل 54 ضد) خلال الجلسة التي جرت في السابع عشر من شهر كانون الثاني الجاري، بسبب تصويت عضو الكنيست عن حزب ميرتس غيداء ريناوي- زعبي إلى جانب المعارضة ورفضها التصويت لصالح تمرير القانون.

للمزيد
الأربعاء, يناير 26, 2022

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية