الفجوات في إسرائيل.. واسعة وتتسع. (عن: واي نت)

فيما يلي حقيقة يجب أن تزعجنا: ما يعادل نصف القوى العاملة في إسرائيل، أي حوالي 1.9 مليون عامل وموظف، يكسبون حالياً أقل من 40 شيكلاً في الساعة. وهذا يعني أن ما يقارب نصف العمال والموظفين في إسرائيل، إذا كانوا يعملون بدوام كامل (42 ساعة في الأسبوع)، يُحضرون في نهاية الشهر راتباً لا يتجاوز 7280 شيكلا. هذا الراتب المتواضع يجب أن يشتمل على ما يلي: دفع إيجار الدار وضرائب الممتلكات البلدية، وشراء الطعام وسائر احتياجات البقالة، ودفع الكهرباء والماء، وتغطية تكاليف تعليم الأطفال. هذا ليس مبلغاً كبيراً من المال، ومع ذلك فإن حوالي نصف العاملين في إسرائيل يكسبون أقل من ذلك.

قبل ستة أعوام، في العام 2015، سنّ الكنيست لآخر مرة قانوناً لتحديث الحد الأدنى للأجور، والذي يبلغ حالياً 29.12 شيكل للساعة (وهو 5300 شيكل شهرياً). في الآونة الأخيرة، ازداد الطلب وارتفعت الأصوات لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 40 شيكلاً للساعة، الأمر الذي سيعود بالفائدة على غالبية الجمهور: أولئك الذين يعملون حالياً بالحد الأدنى للأجور سيحصلون على زيادة في أجورهم. ولكن حتى الأجيرين الذين يتقاضون ما يزيد قليلاً عن الحد الأدنى للأجور سيتلقون قسيمة رواتب محدّثة ومزيدة في نهاية الشهر.

لا يتعلق الأمر فقط بالأشخاص الذين يعيشون في أوضاع فقر، بل يتعلق بقطاعات واسعة من الجمهور: المعلمة في حضانة أطفالنا، ومقدم الرعاية لوالدينا، والعامل الاجتماعي، وعامل التنظيف في المستشفى، والطبيب النفسي في القطاع العام. هؤلاء أشخاص من جميع الأعمار ومن مجموعة متنوعة من المهن، يستيقظون كل صباح ويذهبون إلى العمل، لكنهم ما زالوا يجدون صعوبة في العيش بكرامة. أحياناً يكون هؤلاء أشخاصاً أنهوا التعليم لنيل شهادة الثانوية العامة، وكذلك درجة البكالوريوس والماجستير، ولكن بعد ذلك ما زالت تُعرض عليهم وظائف بأجر يصل إلى 37 شيكلا فقط في الساعة، أي 6700 شيكل فقط في الشهر. هذه هي الحقيقة المرة عن إسرائيل: حقيقة أن لدينا وظائف كاملة لا تضمن لنا أن نعيش بكرامة.

هذه هي الحقيقة المرّة في إسرائيل: كوننا نعمل ليس ضمانة لنعيش بكرامة

إسرائيل هي واحدة من أغلى عشر دول في العالم. كل عام ترتفع هنا أسعار السكن، ليس فقط في تل أبيب (وسط إسرائيل)، ولكن أيضاً أسعار المنتجات الأساسية الأخرى. لكن أجورنا لا تغلق الفجوة المتّسعة الناجمة عن ارتفاع الأسعار، وهي أجور منخفضة جداً أصلاً. في دول أخرى حيث تكاليف الحياة باهظة الثمن، الحد الأدنى للأجور ضعفا مثيله في إسرائيل. العاملون والموظفون في قطاع المطاعم والفنادق في النرويج، على سبيل المثال، يحق لهم الحصول على حد أدنى للأجور يقارب ما يعادل 65 شيكلاً في الساعة. في أعقاب أزمة كورونا، أُجري استفتاء في مدينة جنيف السويسرية قرر فيه السكان رفع الحد الأدنى للأجور إلى ما يعادل 80 شيكلاً للساعة. في هذه البلدان، يمكن لجميع العمال أن يعيشوا بكرامة.

كذلك، ففي تلك البلدان، القدرة الشرائية للجمهور أعلى من قدرة الجمهور في إسرائيل. في بلادنا، ترتفع الأسعار وتتضخم كل عام (على سبيل المثال، ارتفعت أسعار السكن في إسرائيل في العام الماضي وحده، بنسبة 8%)، لكن الرواتب ظلت على نفس المستوى المتدني لسنوات عديدة. هذا يعني أن ما يمكننا شراؤه خلال الشهر الراهن، يمكننا أن نشتري أقل منه قليلاً الشهر المقبل، ثم أقلّ في الشهر التالي وهكذا هلمّجرا. رواتبنا تتآكل ببطء، ومعها جنباً إلى جنب تتآكل القدرة الشرائية للجمهور. عندما نفسر هذه السيرورة على مر السنين، لنقل منذ أن ارتفع الحد الأدنى للأجور مؤخراً في إسرائيل، نفهم أن نوعية حياتنا قد تدهورت وأنه بسبب الرواتب المنخفضة، فإنها بعيدة كل البعد عن نوعية حياة المواطنين الذين يعملون مثلنا في بلدان أخرى، دول في العالم مستوى المعيشة فيها باهظ الثمن.

لذلك حان الوقت لرفع الأجور هنا في إسرائيل. هذه ستكون مصلحة غالبية الجمهور: إنها مصلحة الأشخاص الذين يعيشون في فقر، وأفراد الطبقات الوسطى الذين يعملون بعناء مقابل تلقي أجور منخفضة، وأيضاً أولئك الذين يتقاضون أجوراً متوسطة، والذين سيستفيدون هم أيضاً بعد زيادة الحد الأدنى للأجور. معاً نحن نشكّل غالبية الجمهور.

من الجهة الأخرى، هناك طبقة رفيعة ضئيلة من الرأسماليين الذين يخافون على أرباحهم، وهم يهددون بأن "رفع الحد الأدنى للأجور سيؤدي إلى بطالة جماعية". مع أن الحقائق تظهر عكس ذلك تماماً: منذ العام 2006، تم رفع الحد الأدنى للأجور مرتين، ولم يؤدّ هذا فقط إلى موجة فصل للعمال، بل إن البطالة في إسرائيل - حتى اندلاع أزمة كورونا - كانت منخفضة للغاية. لقد ترافق رفع الحد الأدنى للأجور، بتحسن في وضع التشغيل، وهؤلاء الموظفون العمال الذين حصلوا على زيادة في الأجور عاشوا ببساطة بشكل أفضل.

رفع الرواتب خلال أزمة اقتصادية، سيعمّقها؟ لا أساس لهذا

كلّ هذا ويواصلون تهديدنا بأنه إذا رفعنا الرواتب في فترة أزمة اقتصادية، فإن الأزمة سوف تتعمق. هذا الادعاء، أيضا، لا أساس له من الصحة. حتى مئير شبيغلر، المدير العام لمؤسسة التأمين الوطني، الذي تمت مقابلته مؤخراً، قال إنه من أجل إعادة المزيد من المعطلين عن العمل إلى دائرة العمل يجب على المشغلين وأصحاب العمل رفع الأجور التي يدفعونها للأجيرين. وليس هو فقط: ففي خدمة التشغيل لاحظوا في تقرير جديد أصدروه أن "من يتقاضون أجراً منخفضاً، كان مستوى الأجور الذي وُعدوا به في السوق، قريباً من مستوى إعانات البطالة"، والنتيجة هي تمديد البطالة والانخفاض في عودة العمال إلى دائرة العمل.

في الواقع، خلال أزمة كورونا، رفعت 18 دولة في الاتحاد الأوروبي الحد الأدنى للأجور. وهي الزيادة التي ساعدت على إعادة المعطلين عن العمل إلى دائرة العمل وبالتالي تعزيز الاقتصاد. حتى في الولايات المتحدة - الدولة النيو ليبرالية التي تعاني من فجوات اجتماعية هائلة، حيث لا يوجد حتى تأمين صحي حكومي لجميع المواطنين - أعلن الرئيس جو بايدن عن نيته رفع الحد الأدنى للأجور، وقد وقّع حتى على أمر ينص على رفع مستوى أجر العمال الفيدراليين إلى 15 دولاراً (ما يعادل 50 شيكلا في الساعة). في الانتخابات التي أجريت في ألمانيا (يوم الأحد 26 أيلول) حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي على أكبر عدد من الأصوات، وقد كان في صلب حملته الانتخابية، إلى جانب العديد من الأحزاب الأخرى التي فازت معاً بما يقارب نصف الأصوات، تعهّد برفع الحد الأدنى الفيدرالي للأجور في ألمانيا إلى 12 يورو، أي 45 شيكلاً.

ولكن ماذا بشأن إسرائيل؟ غالبية الجمهور تؤيد رفع الحد الأدنى للأجور. أظهر استطلاع حديث أن 85% من الجمهور يدركون أن الحد الأدنى الحالي للأجور منخفض للغاية وهم يؤيدون رفعه. في النقاش على شبكات التواصل الاجتماعية، ربما يمكن للمرء أن يجد أشخاصاً يحملون وجهة نظر تحررية للغاية، ويعارضون أي شكل من أشكال شبكات الضمان الاجتماعي. لكن في العالم الحقيقي، هم ليسوا سوى أقلية.

الحقيقة هي أنه عندما يخرج نشطاء حملة "الحد الأدنى 40" إلى الشوارع ويتحدثون إلى الناس، فإننا نشهد مرة بعد الأخرى إلى أي مدى يحظى هذا المطلب بأغلبية كبيرة في الرأي العام. وسواء في المدن الكبيرة مثل القدس وتل أبيب وحيفا، أو في البلدات العربية الصغيرة مثل المشهد وبسمة طبعون، نجد أن الناس يؤيدون هذا المطلب.

تخيلوا ما يلي: في غضون عام من اليوم، قد يرتفع الحد الأدنى للأجور إلى 40 شيكلا للساعة. عندها من الممكن أننا، أنا وأنتم ونحن، سنرى زيادة في رواتبنا. فكروا كيف ستغيّر هذه الزيادة حياة ملايين الناس في إسرائيل، وما هو الأثر الهائل الذي يمكن أن تحدثه.
______________________

 *كاتب المقال ناشط اجتماعي يقود تنظيم "نقف معاً" الذي أطلق مبادرة زيادة الحد الأدنى للأجور. نشر المقال في موقع "المكان الأكثر لهيباً في جهنم" الإسرائيلي (مستقل)، وهو موقع يجاهر بفكرة أنه من المحظور على الصحافيين الوقوع في فخ الموضوعية المصطنعة على حساب الدفاع عن قيم الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

مؤتمر مدريد بعد 30 عاماً.. أبرز ما يمكن استخلاصه

 تُصادف هذا الشهر ذكرى مرور 30 عاماً على انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط (30/10- 1/11/1991) والذي شارك فيه بنيامين نتنياهو عندما كان يشغل منصب نائب وزير الخارجية الإسرائيلي. ولا شك في أن العودة إليه وإلى ما تلاه من تطوّرات وصولاً إلى أيامنا الراهنة، من شأنها أن تُوضّح بعض ما يمكن وصفه بأنه ثوابت موقف إسرائيل حيال عملية التسوية التي ترمي إلى أن تحققها لقضية صراعها مع الفلسطينيين.

بيد أن هذه الوقفة تأتي، على وجه التحديد، في سياق نفض الغبار عن السردية الإسرائيلية الأكثر تداولاً لهذا المؤتمر من جهةٍ، وأيضاً من أجل تأصيل طرائق المقاربة والتأويل لما شهده المؤتمر من مُقدّمات ووقائع من جهةٍ ثانيةٍ.

ولعلّ أول ما يتعيّن التنويه به بهذا الصدد هو حقيقة أن إسرائيل أرغمت على المشاركة في هذا المؤتمر في حينه، بعد أن هدّد الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جورج بوش الأب رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إسحق شامير بعدم منحه ضمانات لازمة لقروض طلبتها حكومته، ما يعني أن هذا الأخير كان رافضاً لعقده أصلاً. في الوقت نفسه يتعيّن أن نتوقف ولو بإيجاز أمام ما يلي: بدايةً نجمت معارضة إسرائيل لعقد مؤتمر دوليّ للسلام، كما يؤكد مقربون من شامير، عن حقيقة أن فكرة المؤتمر الدولي كانت فكرة عربيّة بالأساس، يُراد منها أن يُصار إلى تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 والذي، وفقاً لقراءة إسرائيل، يتحدث عن الانسحاب من أراضٍ محتلة (منذ العام 1967)، وحدود آمنة ومعترف بها، وحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

للمزيد
"نظام الرعاية الصحية الإسرائيلي في حالة يرثى لها، ويتزايد الضغط على الأطباء ليصبحوا عمال إنتاج مطيعين". (الصورة أرشيفية من مستشفى إيخيلوف، عن "فلاش 90")

عن حال الأطباء في إسرائيل.. المشكلة غير كامنة في المناوبات فقط!

باتت احتجاجات الأطباء في إسرائيل طقساً سنوياً تقريباً. كل احتجاج ومطالبه: تقصير ساعات العمل (مناوبات)، تغيير ظروف العمل، زيادة الأجور وما إلى ذلك. لكن جميع الاحتجاجات ذات قاسم مشترك واحد: الاستنزاف المهني.

يُعرَّف التآكل بأنه حالة من الإرهاق العقلي، والذي ينتج عن الإجهاد المستمر الناتج عن الشغل المهني. ويعاني العديدون من الإرهاق المهني في عالمنا، لكنه يشتدّ بشكل خاص بين أصحاب المهن التي تقوم على مُثُل الإيثار والتضحية الشخصية، مثل الطب. ولا يقتصر استنزاف الأطباء على إسرائيل وحدها. إنه يتفاقم في جميع أنحاء العالم الغربي، ويهدّد استقرار الأنظمة الصحية حتى في الفترات التي يتم فيها إصلاحها.

للمزيد
الأرشيفات الإسرائيلية: مستودع المسكوت عنه.

معهد إسرائيلي: الرقابة على الأرشيفات تُستخدم لتكريس الرواية الرسمية المشوّهة حول أسس الصراع!

حتى الآن، تقوم هيئة حكومية إسرائيلية مؤلفة من وزراء بدور يمكن وصفه بالرقيب الأعلى، وهي صاحبة القرار الأخير في تقرير مصير ملفات ووثائق أرشيفية، انتهت مدة التكتّم عليها وفقاً للقانون. ويقول تقرير جديد لمعهد "عكيفوت"، الذي ينشط ضد فرض "السريّة" على وثائق ومعلومات أرشيفية حان وقت كشفها، إنه تم تفويض لجنة وزارية خاصة، برئاسة وزير العدل، للمصادقة على قرارات أرشيف الدولة الرسمي بمنع الكشف عن المواد الأرشيفية التي انقضت "فترة تقييدها"، والتبرير: أسباب تتعلق بالأمن القومي أو العلاقات الخارجية.

للمزيد
الثلاثاء, أكتوبر 26, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية