صورة أرشيفية لتظاهرة ليهود أميركيين وجماعات مسيحية متطرفة مناصرة لإسرائيل في نيويورك.

 "في كل ما يتعلق بمكانة اليهود الأميركان، يمكن القول، بمنظور تاريخي، إنهم كانوا محظوظين وإن الكأس كانت أكثر من "نصف ملأى" بكثير. والرؤية التشاؤمية التي تجزم بأن مؤشرات العداء اللاسامي تجاه اليهود خلال الفترة الأخيرة هي أكثر انتشاراً وبروزاً ـ وفي حالات مأساوية معينة لا يقتصر الأمر على عدائية تصريحية فقط، بل يتعداها إلى اعتداءات عنيفة، وقاتلة حتى في بعض الحالات ـ ليس فيها، في حد ذاتها، ما ينفي أو يدحض الكم الهائل من البراهين الضدية التي يمكن العثور عليها على امتداد التاريخ، البعيد والقريب على حد سواء. ويبدو أن للمرحلة الراهنة علاقةً وثيقةً جداً بالأحداث التي تجري في إسرائيل وأوروبا من جهة، وبقضايا داخلية ترتبط بواقع الحياة في الولايات المتحدة دفعت نحو تعميق الاستقطاب العام في الدولة. ولئن كان اليهود في الولايات المتحدة يشعرون بأن مكانتهم في المجتمع الأميركي قد تآكلت، إلا أن معظم العلامات والمؤشرات الاجتماعية القائمة حالياً لا تدل على ذلك، مطلقاً. ومع ذلك، ينبغي التنويه بأن هذا التناقض الواضح ليس نتاج "التاريخ" اليهودي، وإنما هو يعكس مدى التقدير الكبير الذي يكنه اليهود في أميركا للدولة التي يعيشون فيها وتوقعاتهم العالية منها، وهي توقعات ترافقها خشية كبيرة من الإصابة بخيبة الأمل".

هذه هي الخلاصة التي انتهى إليها البروفسور إيلي لدرهندلر، أستاذ موضوع "تاريخ اليهود الأميركيين ومؤسساتهم" في الجامعة العبرية في القدس ورئيس قسم "تاريخ شعب إسرائيل واليهودية المعاصرة"، في ختام مقالة نُشرت ضمن مجموعة مقالات خاصة حول "ظاهرة اللاسامية في الولايات المتحدة" نشرها "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي. وقد خصص لدرهندلر مقالته هذه، كما جاء في عنوانها، لرصد وتقصي "اللاسامية في الولايات المتحدة في السياق التاريخي ـ الاجتماعي الأميركي"، ثم تحليل كيفية نشوء وتطور هذه الظاهرة خلال القرن الأخير، مع التركيز بشكل خاص على الأحداث المؤسسة لهذه الظاهرة، من جهة، وعلى ردات الفعل المضادة لها من جانب اليهود الأميركيين، من جهة أخرى.

الكراهية تجاه اليهود لم تصبح حجر زاوية!

يستهل لدرهندلر مقالته بالإشارة إلى أن تاريخ الوجود اليهودي في أميركا ممتد منذ 370 سنة وأن ظواهر معاداة السامية كانت موجودة على امتداد هذا التاريخ، بل كانت مصحوبة أحياناً كثيرة بأعمال عنف جسدية تطال اليهود وممتلكاتهم. ذلك أن ثمة في أميركا أبناء طوائف وأديان أخرى "يتبنون آراء سلبية تجاه اليهود وقد يعبرون عن هذه الآراء أحياناً أو يضعونها موضع التنفيذ الفعلي بطرق أخرى"، كما يقول. ويوضح أنه ليس كما في حالات المجموعات الأقلياتية الأخرى، مثل أبناء القارة الأميركية الأصلانيين أو الأفروـ أميركان، فإن هذه الأفكار، الكلمات أو حتى الأفعال، لم تصل في حالة اليهود إلى درجة التمييز الذي حظي بتأييد رسمي أو بدعم جماهيري أو تحويله إلى تشريعات قانونية، كما جرى في حالات الأقليات الأخرى. ومع ذلك، يبقى تاريخ الوجود اليهودي في أميركا زاخراً بالشهادات والدلائل على أنه كانت بين السكان غير اليهود، ولا تزال، كثرة مختلفة من الآراء والمواقف والسلوكيات اللاسامية بالتأكيد. وثمة طيف واسع من الأشكال والتجليات التي تتمظهر فيها هذه المفاهيم، الآراء، المواقف والسلوكيات اللاسامية، بدءاً بالحوادث المتطرفة جداً، لكن النادرة جداً أيضاً، على غرار عمليات إطلاق النار على كُنس يهودية أو إلقاء زجاجات حارقة إلى داخلها، مروراً بحالات التمييز الاجتماعي الأقل انتشاراً وبروزاً لكن المستمرة منذ زمن بعيد (مثل هذه الحالات كانت منتشرة جداً في السابق) وانتهاء بالتحريض العرقي العنصري المباشر. ذلك أن "منظومة الأميركان الأخلاقية ليست أفضل أو أرقى منها لدى شعوب أخرى، واليهود في أميركا ليسوا محصَّنين أمام المواقف غير المتعاطفة أو العدائية". ويضيف الكاتب: "هذا ليس مفاجئاً، لكن مع ذلك، المعطى الأكثر إثارة في نظرة إلى التاريخ هو أن نظام الحكم والقضاء الأميركي قد تعرضا لأزمات داخلية خطيرة، منها ما تميز بالقلاقل الاجتماعية وبالحروب لكن دون الانحدار إلى هاوية الفوضى العارمة أو الفاشية ودون أن تتحول الكراهية تجاه اليهود إلى حجر زاوية في النظام السياسي القومي الأميركي".

ويضيف: "ما من شك في أن هذا يتعارض، تعارضاً واضحاً، مع ما حصل في تاريخ بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، النمسا، هنغاريا وإيطاليا، التي أدت فيها الأزمات السياسية والاجتماعية إلى انهيار السلطة والدستور خلال النصف الأول من القرن العشرين. غير أنّ انهياراً مماثلاً لم يحصل في الولايات المتحدة وفي دول أوروبية أخرى (بريطانيا، مثلاً)، ليس لأن المواطنين في تلك الدول متحررون من مشاعر الكراهية تجاه اليهود أو لأن اليهود فيها محبوبون، وإنما لأن مؤسسات السلطة والقانون فيها، وكذلك الدستور الذي يحمي حقوق الفرد، كانت تتمتع بدرجة كافية من الاستقرار والثبات وبإجماع وطني".

لهذا، بالذات ـ يؤكد الكاتب ـ فعلى الرغم من احتمال معاناة اليهود الأميركيين من بعض التوترات والعدائية المتجددة ضدهم الآن، إلا أن الحقيقة هي أنهم يعيشون في أمن وأمان، لأنهم يعلمون أن المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة هو حارس أمين قد أثبت نفسه وفاعليته منذ تأسيس الجمهورية. وهذا هو السياق الاجتماعي الذي يتبلور فيه ويُطبَّق نهج التصدي لأية مظاهر أو تجليات لاسامية. وحين يحتج اليهود على حوادث لاسامية أو يطلبون من السلطات اتخاذ موقف في الموضوع، فإنما هم يعتمدون على المؤسسات في الولايات المتحدة وعلى قادتها الذين لا بد أن يحرصوا على صيانة مبدأ المساواة المدنية والمساواة أمام القانون، كما هو معمول به في البلاد. وعليه، يقول الكاتب، "عندما نأتي لتقصي ظاهرة اللاسامية في أميركا بمنظور تاريخي، فإن المبدأ الأول الذي يتعين تطبيقه واعتماده هو التمييز بين "أميركا" التي هي ائتلاف مجموعة من العناصر في بيئة اجتماعية واحدة وبين "أميركا" الدولة. كما ينبغي أن نتذكر أنه في الأنظمة الديمقراطية جداً أيضاً، ثمة أشخاص كثيرون جداً لا يحبون، بل يبغضون، أشخاصاً آخرين"!

تمييز، آراء مسبقة ومساواة مدنية

يتساءل الكاتب: كيف ينبغي التعامل، في إطار التحليل التاريخي الشامل، مع حقيقة أن بعض اليهود الأميركيين قد عانوا في الماضي، لمجرد كونهم يهوداً، وخصوصاً حتى منتصف القرن العشرين تقريباً، من الآراء المسبقة على خلفية دينية واصطدموا بعقبات وعوائق اجتماعية مختلفة وبأشكال مختلفة من التمييز؟ ثم، بعد ذلك، هل يمكن أن نستخلص من هذه الحقيقة أية استنتاجات بشأن جولات الخطاب اللاسامي وردود فعل اليهود عليها، والمستمرة حتى يومنا هذا؟

ويجيب: كما في أماكن أخرى من العالم على امتداد التاريخ، كذلك كان في الولايات المتحدة دعاة مسيحيون أنكروا اليهودية وهاجموها، ما أضر بفرص انخراط اليهود في المجتمع الأميركي، وخصوصاً قبل نقطة التحول التاريخي المتمثلة في عملية الإصلاح الداخلي التي جرت في المسيحية عقب الحرب العالمية الثانية. هذا، مع العلم أن هذه العملية الإصلاحية جاءت في أجواء التعايش والقبول المشتركين بين المسيحية واليهودية، وهي الأجواء التي ترتبت على الحرب وتعززت برسم ما حصل خلالها وما نتج عنها. كانت تلك مرحلة في العلاقات بين الديانتين رحّبت بها منظمات وقيادات يهودية، بل بذلت جهوداً لافتة سعياً إلى تكريسها وتعميقها.

وخلال نصف القرن الأخير، انضمت إلى الدعوات اللاسامية على خلفية دينية، مجموعات إسلامية ومتحدثون مسلمون أيضاً. وعلى خلفية الفصل القائم في الولايات المتحدة بين الدين والدولة، فكما في العلاقات بين اليهودية والكنائس المسيحية المختلفة، كذلك دفعت حالات الاحتكاك بين المسلمين واليهود نحو سجال اجتماعي (على مستوى المجتمع، لا على المستوى الدولة) بين رجال الدين من الجانبين. وفي إطار هذا السجال، شدد الطرفان بصورة خاصة على المصلحة المشتركة لكلتا المجموعتين والمتمثلة في التصدي للـ"يودوفوبيا" (الرهاب من اليهود) وللـ"إسلاموفوبيا" (الرهاب من الإسلام).

ومنذ القرن التاسع عشر، كانت ثمة حالات كثيرة وضع فيها أشخاص غير يهود يحتلون مواقع القوة العديد من العقبات والمعيقات الاجتماعية التي حالت دون تقدم اليهود واحتلالهم مواقع عليا. وحتى منتصف القرن العشرين، اضطر اليهود في الولايات المتحدة إلى مقاومة العقبات التي منعتهم، بشكل روتيني، من الانتساب إلى مدارس مهنية ومؤسسات أكاديمية مرموقة. على هذا النحو، تماماً، جرى منع اليهود أيضاً من السكن في أحياء معينة ومن الانضمام إلى نواد أو الدخول إلى منتجعات مرغوب فيها.

ومع ذلك، تمتع اليهود في الولايات المتحدة، على الدوام، بالمساواة التامة أمام القانون، على قدم المساواة مع الغالبية الساحقة من جيرانهم البيض. وبهذا المعنى، فقد نمت وكبرت هناك بذور نجاح الأجيال اللاحقة بين اليهود الأميركيين، لمجرد أن مهمة التغلب على التمييز الاجتماعي أو الاقتصادي الذي فرضه الأميركيون الآخرون كانت أسهل على اليهود، مقارنة بأبناء الأقليات الأخرى. وليس ثمة شك في أن اليهود الأميركيين قد تمتعوا بأفضلية اجتماعية واضحة عن معظم الفئات الأخرى المسماة "أقليات غير بيضاء". وهذا صحيح، أيضاً، في سياق مقارنة وضع اليهود بأوضاع الفئات الأقلياتية الأخرى التي تعاني من التمييز: فعلى مرّ فترات مختلفة من تاريخ الولايات المتحدة، أُقصِي الـ(كويكرز)، المورمونيون، الكاثوليكيون ومثليو الجنس إلى هوامش المجتمع وعانوا من حملة منهجية لنزع الشرعية عنهم. وهنا، ينبغي التذكير بحقيقة أنه كان من المسموح لليهود الهجرة إلى الولايات المتحدة بحرية تامة، في الوقت الذي كانت تُفرَض قيود وتقييدات مشددة على الهجرة من أفريقيا، من الصين واليابان ومن دول آسيوية أخرى. ويعود سبب ذلك إلى أن غالبية المهاجرين اليهود كانت من دول أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية، وقد كان من المعمول به آنذاك تقسيم السكان في أوروبا إلى أعراق مختلفة، إذ صُنِّف اليهود (الذين كانوا يُسَمّون "عبريين" حتى العام 1899)، في القانون، بأنهم "بيض"، طبقاً لهرمية الأعراق في الولايات المتحدة.

المبدأ الثاني الذي ينبغي اعتماده وتطبيقه لدى رصد وتقصي اللاسامية الأميركية بمنظور تاريخي هو، كما يصوغه الكاتب، "الإقرار بحقيقة أن هذه اللاسامية لم تعزل اليهود في معسكرات خاصة بهم وأن الوصمات اللاسامية لم تتسبب، على المدى البعيد، بتحويلهم إلى جماعة عرقية أدنى".

"الليبرالية اليهودية" بين تفسيرين

إن الميزان العام لحياة اليهود في الولايات المتحدة هو "إيجابي بشكل عام"، كما يصفه الكاتب، وهو يعزز شعورهم بالرفاهية، رغم بعض عدم الارتياح الناجم عن اتساع حجم ووتيرة الحوادث المعادية لليهود خلال الفترة الأخيرة. فنتائج استطلاعات الرأي العام الأخيرة تشير إلى أن ما يزيد عن 94% من اليهود الأميركيين "يشعرون بالارتياح وهم يُظهرون يهوديتهم" التي يعتبرونها "سمة إيجابية ومصدراً للاعتزاز". وتنسجم هذه الثقة بالنفس مع تعامُل الأميركيين مع اليهود وآرائهم تجاههم، مقارنة بتعاملهم وآرائهم تجاه أقليات دينية وعرقية أخرى. ففي العام 2019، احتل اليهود مرتبة متقدمة على الكاثوليكيين والبروتستانت من التيار المركزي، أعلى بكثير من مرتبة البوذيين، المسيحيين الإنجيليين، الهندوس، وأعلى بالطبع من الملحدين والمسلمين الذين جاء تدريجهم سلبياً. وأظهرت نتائج استطلاعات الرأي أنه "ليس ثمة في الولايات المتحدة مجموعة دينية كبيرة تحظى بتعاطف الجمهور مثلما يحظى به اليهود". ومن المهم التنويه هنا بحقيقة أن نسبة اليهود الأميركيين الذين يغادرون الولايات المتحدة ويهاجرون إلى دول أخرى هي نسبية متدنية جداً، وكذلك مقارنة بنسبة اليهود الذين يهاجرون من دول أخرى.

الرؤية المثالية التي يتبناها اليهود بشأن الحياة في الولايات المتحدة ترفع كثيراً من مستوى توقعاتهم وتُخفض، في المقابل، سقف قدرتهم واستعدادهم على التحمل، ولو حيال أي تعبير بسيط عن اللاسامية أو مجرد تلميح لها. ولهذا، تعتبر أحداث العنف على خلفية لاسامية، ولو في أبسط صورها، علامات تحذير مسبقة يشعر اليهود بأنهم ملزمون بالنشر الواسع عنها والاحتجاج عليها. ومن هنا، يمكن القول إن حاجة اليهود إلى توخي اليقظة والتأهب في كل ما يتعلق بأية تهديدات قد تحيق بهم هو "الوجه السلبي للعملة، بينما وجهها الآخر، الإيجابي، هو وضعهم الجيد جداً"، كما يقول الكاتب ويضيف أن حساسية اليهود المفرطة حيال أية آراء مسبقة هي التي دفعت بعض منظمات المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة إلى توظيف جهود وموارد كبيرة جدا، على امتداد القرن الأخير، في سبيل إقامة علاقات متينة جداً مع مجموعات أخرى في المجتمع الأميركي.

وعلى الرغم من أن أحد المميزات المركزية الأبرز لليهود الأميركيين يتمثل في مداخيلهم الأعلى من المتوسط العام في الاقتصاد الأميركي، مراكزهم المهنية المرموقة، مستوياتهم التعليمية العالية ووظائفهم الرفيعة في المهن الاعتبارية، إلا أن اليهود الذين يمارسون حقهم في التصويت في الانتخابات يواصلون التصويت للأحزاب والمرشحين الذين يدعمون سياسة الرفاه للفقراء أيضاً، يؤيدون حقوق المهاجرين والأقليات، يدعمون مساواة النساء وحقوق الفرد الأساسية، وفي مقدمتها الحق في حرية التعبير وحرية الاحتجاج السياسي. وهم يختلفون، في هذا، تمام الاختلاف، عن نظرائهم من الأميركيين غير اليهود.

لهذه "الليبرالية اليهودية" بين يهود الولايات المتحدة، في نظر الكاتب، تفسيران: الأول ـ ميل اليهود الأميركيين، حتى من الجيلين الثالث والرابع، إلى تبني "عقلية الأقلية"، وذلك من خلال "التضامن مع طبقات أدنى" في السلم الاجتماعي، مما يساعدهم على صيانة وتكريس هويتهم اليهودية المستقلة في خضم "ذوبانهم" ضمن ثقافة الأغلبية. الثاني ـ أن أساس هذا الموقف الليبرالي لا يكمن في تعاطفهم مع الفئات الأخرى وإنما في كونهم يعتبرونه سلاحاً بين أيديهم للدفاع عن أنفسهم هم. فهم يرون في أي هجوم على أي من الفئات المستضعفة في المجتمع علامة تحذير تُشهَر في وجههم هم؛ ذلك أن "المجتمع القائم على العدل سيوفر لليهود أيضاً شبكة أمان أكثر متانة وفاعلية"، كما يوضح الكاتب.

إسرائيل وأمن اليهود الأميركيين

يسجل الكاتب حقيقة أن اليهود الأميركيين "يتمتعون" بأفضلية العيش في دولة يُعتبر فيها الموقف المناصر لإسرائيل موقفاً شرعياً في دوائر واسعة جداً، ليس في مؤسسات الحكم والإدارة فقط، وإنما في المجتمع عموماً أيضاً. ويقول إنه "لولا هذا النهج التاريخي، لكان على اليهود ربما مواجهة سؤال العلاقة بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية منذ زمن بعيد جدا". ويؤكد الكاتب على أنه لا يمكن حصر النقاش حول مسألة أمن اليهود في الولايات المتحدة في موقف الرأي العام الأميركي من إسرائيل. كما لا يمكن أن تكون هنالك علاقة مباشرة بين النقد تجاه إسرائيل، مهما كان شديداً وحاداً، والعداء الذي يمكن أن يشعر به اليهود الأميركيون على خلفية لاسامية، لأن ثمة فارقاً فكرياً عميقاً بين جعل اليهود هدفاً، بسبب يهوديتهم، وبين المعارضة السياسية لدولة إسرائيل أو لسياساتها. ومن نافل القول إن يهوداً كثيرين، وبينهم إسرائيليون أيضاً، ينتقدون إسرائيل وسياساتها. ولكن، بالرغم من ذلك، يبدو أن جزءاً غير قليل من العداء تجاه إسرائيل، كما تجسد في السجال الاجتماعي والسياسي في الولايات المتحدة، وفي دول أخرى غيرها، يطال أمن أعضاء الجماعات اليهودية الأميركية ومؤسساتهم ويمسّ به أيضاً.

الدعم الواسع الذي تحظى به إسرائيل بين الجماعات اليهودية الأميركية، والذي يتجسد في مجال الأمن بشكل خاص، يكون في كثير من الأحيان سبباً في دفع غير اليهود المناوئين لإسرائيل وسياساتها إلى الخروج ضد اليهود الأميركيين أنفسهم وتحميلهم المسؤولية عن سياسات إسرائيل وممارساتها. وبهذا المعنى، يلعب الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني دوراً في سياسة التعايش بين اليهود وجيرانهم غير اليهود، رغم أنه لم تكن له أية علاقة به منذ البداية. كذلك، يلعب قادة سياسيون إسرائيليون، في كثير من الأحيان، دوراً خطيراً في الربط بين الأمرين، حين يذكّرون اليهود الأميركيين الذين يشعرون بأنهم معرضون للتهديد والخطر في بيئتهم المحلية بأنه يجدر بهم فحص إمكانية الهجرة إلى إسرائيل "حيث سيكونون آمنين".

ووفقاً للكاتب، يعيش عدد غير قليل من اليهود الأميركيين حالة من الصراع الداخلي الناجم عن مواقفهم بشأن هاتين القضيتين، اللتين تثيران قلقاً شديداً لديهم ـ رغبتهم في دعم إسرائيل، من جهة، ورغبتهم في حماية مكانتهم في المجتمع الأميركي، من الجهة الأخرى. ولهذا يشعر كثيرون من اليهود الأميركيين بالقلق إزاء حقيقة أن قادة سياسيين إسرائيليين يقودون ويدعمون الجهود التي تقوم بها جماعات مؤيدة لإسرائيل من أوساط اليمين الأميركي، وخصوصاً اليمين المسيحي الإنجيليّ. ويتطلع اليهود الأميركيون، بوجه عام، إلى قطع العلاقة بينهم وبين اليمين العلماني، كما بينهم وبين اليمين المسيحي أيضاً، لأنهم يرون في كلا الطرفين تهديداً على الفصل بين الدين والدولة وعلى مكانتهم كأقلية.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

حكومة جديدة.. سياسة قديمة!

لا ندلي بأي جديد لدى القول إن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، حكومة بينيت- لبيد، تبدو بعد مرور مئة يوم على إقامتها في حالة استقرار نسبية جيّدة، ومن المتوقع أن تواصل القيام بمهماتها في ظلّ ذلك، إلى حين ظهور أزمات قويّة من شأنها أن تهدّد هذا الاستقرار وقد تؤدي إلى انفراط عقدها.

وفي مناسبة مرور الأيام المئة الأولى صدرت تصريحات عن كل من رأسي الحكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد. وفيما ركّز الأول بالأساس على التغيير الذي تقود لواءه الحكومة في كل ما يتعلق بمواجهة أزمة جائحة كورونا، والمفاصل الرئيسة للسياسة الخارجية المرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة والعالم ودول الإقليم بما في ذلك إيران، تكلم الثاني حصرياً حول السياسة الخارجية التي تنتهجها الحكومة واصفاً إياها بأنها مختلفة عن سياسة الحكومات السابقة برئاسة بنيامين نتنياهو من ناحية كونها لا تستند فقط إلى المصالح الاقتصادية والأمنية إنما أيضاً إلى "قيم مشتركة".

وقد وردت أقوال لبيد هذه في سياق مقال ظهر في صحيفة "هآرتس" (19/9/2021) تحت عنوان "الأيام المئة الأولى من سياسة خارجية مختلفة"، ويثير انطباعاً عاماً آخذاً بالتعزّز بأن سياسة الحكومة الجديدة حيال القضية الفلسطينية هي نفس السياسة القديمة للحكومات السابقة، والتي هناك شبه إجماع داخل إسرائيل على أن من بات يُحدّدها هو اليمين وأن "معسكر الوسط - اليسار" يسير منقاداً وراءه بإرادته. وهذا ما أشارت إليه دراسة جديدة صادرة عن "مولاد- المركز لتجديد الديمقراطية في إسرائيل" قمنا بترجمتها ونشرها في مركز "مدار" ضمن العدد 73 من سلسلة "أوراق إسرائيلية"، وأكدت كذلك أن هذا الواقع صار إلى رسوخ من جرّاء تحوّلين شهدتهما المؤسسة السياسية في

للمزيد
داني زاكين في صحيفة "غلوبس": أعضاء الحزب الديمقراطي من التقدميين باتوا أكثر قوة من أي وقت مضى، وعرقلتهم للمساعدات لإسرائيل هي مجرد بداية.

عرقلة دعم صواريخ "القبة الحديدية" تفجر جدلا في إسرائيل حول مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة!

 عادت العلاقة المتوترة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأميركي، التي ورثتها حكومة نفتالي بينيت عن حكومة بنيامين نتنياهو، إلى واجهة الأحداث الأسبوع الماضي. فعرقلة عدد من الأعضاء الديمقراطيين التقدميين في مجلس النواب الأميركي، مشروع قانون الموازنة العامة في الولايات المتحدة بسبب تضمنها بندا ينص على دعم إسرائيل بمليار دولار لتعزيز ترسانتها من صواريخ وبطاريات القبة الحديدية، شكلت ضربة غير متوقعة لإسرائيل.

للمزيد
اتفاقيات التطبيع: "سلام" ملتبس ووقائع لم تتضح بعد.  (الصورة عن موقع "سي إن إن")

دراسة إسرائيلية جديدة: "اتفاقيات أبراهام" أثبتت أنها "حدث مغيّر لقواعد اللعبة" لكنها لم تعزّز ردع إيران!

"صحيح أن السنة هي فترة زمنية قصيرة للغاية في سياق رصد وتقصي التحولات الجيو سياسية الواسعة والعميقة، لكنّ بعض الآثار قد تظهر في غضون فترة أقصر من تلك بكثير، بل قد يكون بعضها فورياً أيضاً. هذا ما يمكن قوله، بدرجة عالية من الدقة في التشخيص والتقييم، عن "اتفاقيات أبراهام" التي تمثل تأثيرها الفوري الجليّ، أساساً، في تقويض مكانة المقاطَعة العربية ضد إسرائيل، وهو ما نجمت عنه تأثيرات عديدة مختلفة ظهرت بصورة واضحة خلال السنة الأولى من عمر هذه الاتفاقيات"- هذه هي الخلاصة المركزية التي تسجلها دراسة جديدة أجرتها د. موران زاغا، الباحثة في معهد "ميتفيم" (مسارات ـ المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية) وفي "كلية حايكين" للدراسات الجيو استراتيجية في جامعة حيفا، وذلك بمناسبة مرور عام واحد على إبرام تلك الاتفاقيات ونشَرها معهد "ميتفيم" مؤخراً تحت عنوان: "هل كانت اتفاقيات أبراهام حدثاً مُغَيِّراً للّعبة؟ ـ اختبار السنة الأولى".

للمزيد
الإثنين, سبتمبر 27, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية