شاكيد وبينيت: ماراثون تفاوضي حول قضايا جوهرية. (إ.ب.أ)

في الطريق نحو تشكيل "حكومة تغيير" في إسرائيل، خاض ممثلو الأحزاب الثمانية مفاوضات ماراثونية تضمنت محاولات لتسجيل مكاسب حزبية ذات بعد استراتيجي كشرط للانضمام إلى الحكومة. وأحد أهم هذه المعارك الداخلية التي دارت في كواليس تشكيل الائتلاف الحكومي، تعلقت بالسلطة القضائية. فلقد أصرت أييلت شاكيد (حزب "يمينا") على الحصول على عضوية "لجنة تعيين القضاة"، وهي عضوية تم منحها في وقت سابق إلى ميراف ميخائيلي (حزب العمل) ضمن المفاوضات الائتلافية نفسها. وتمترست شاكيد خلف مطلبها بشكل عنيد مهددة بإفشال مساعي تشكيل الحكومة الجديدة في مشهد لم يخل من الاستعراضية. لكن في حقيقة الأمر، هناك العديد من المصالح التي تقف خلف إصرار شاكيد على الاستحواذ على هذا المنصب، وهي مصالح يتشارك فيها، بالإضافة إلى حزب شاكيد، معظم الأحزاب اليمينية واليمينية الجديدة.

إن وجود شاكيد في "لجنة تعيين القضاة"، ستكون له انعكاسات استراتيجية لا تنتهي بانتهاء فترة عضويتها في اللجنة (وهي سنتان فقط، قبل أن تنقل العضوية إلى ميخائيلي بموجب اتفاق تدوير)، وإنما ستستمر لفترة طويلة وتتعلق بالتحديد بهوية القضاة الذين ستوافق عليهم اللجنة ليباشروا عملهم في المحكمة الإسرائيلية العليا. وسيضمن وجود شاكيد في هذا المنصب اختيار قضاة "محافظين" الأمر الذي سيحدث انزياحا حقيقيا في تركيبة قضاة المحكمة العليا بما يخدم مصالح اليمين المتطرف. فالمحكمة العليا تعتبر أعلى هيئة قضائية في إسرائيل ولها العديد من الصلاحيات من ضمنها أنها "محكمة عدل عليا" مخولة بالبت في الالتماسات المقدمة ضد الدولة وممارساتها. كما أن لها صلاحيات إبداء رأي قانوني في قضايا لا تقع تحت مهمة أي محكمة أخرى، بحيث أن رأي المحكمة العليا يصبح بعد ذلك قانونا ملزما لكل الأطراف. كما أن المحكمة العليا مخولة بالنظر في أوضاع المناطق المحتلة (خاصة مناطق ج) وممارسات الحكومة الإسرائيلية فيها. من المهم جدا الإشارة إلى أن المحكمة العليا، التي تقوم على تركيبة مكونة من 15 قاضيا، لا تعتمد على المهارات القضائية والمهنية التي يتمتع بها القاضي وحسب، وإنما هناك أهمية ووزن لا يمكن الاستهانة بهما للتوجهات الأيديولوجية للقاضي نفسه، والتي تنعكس بشكل مباشر على طريقة البت في القضية المطروحة.

إحدى الإشكاليات المطروحة على أجندة اليمين الجديد، والتي تشكل مصدر قلق بالنسبة له، هي التركيبة الليبرالية لقضاة المحكمة العليا. في إسرائيل، جرت العادة على تقسيم القضاة في المحكمة العليا إلى ليبراليين (الليبرالية هنا مرادفة لليساري) وإلى محافظين (المحافظة مرادفة لليمين). وبالنظر إلى الفروقات الكبيرة بين مواقف القضاة الليبراليين والمحافظين في ثلاثة مجالات، يمكن لنا أن نفهم إلى أي مدى تعتبر معركة "شاكيد- ميخائيلي" والمتعلقة بعضوية "لجنة تعيين القضاة" مصيرية، على الأقل بالنسبة إلى شاكيد.

أولا، في المجال الاقتصادي خصوصا فيما يتعلق بآليات السوق المفتوح وحرية عمل رأس المال. فالاقتصاد الإسرائيلي، كما معظم الاقتصادات المتطورة، يشهد مستجدات متسارعة نتيجة التطوّر السريع لاقتصاد التقنيات العالية بحيث أن رأس المال الإسرائيلي بات يعمل في مجالات جديدة ما تزال تنتظر سن قوانين ناظمة لها. ينتصر القضاة المحافظون عادة، إلى نظرية الاقتصاد الحر الذي تمنح رأس المال أقل قدر ممكن من القيود الناظمة.[1] هذا يتماشى تماما مع رؤية شاكيد التي تعتبر من أشد المناصرين لاقتصاد السوق المفتوح. في هذا السياق، تتناغم رؤية شاكيد والليكود ومعظم الأحزاب اليمينية التي تدفع باتجاه أجندة نيو ليبرالية، على العكس من اليسار الصهيوني الذي يسعى إلى تقنين عمل رأس المال لصالح الفئات الوسطى والدنيا التي تنتظر من الدولة والسلطة القضائية حماية قانونية بدرجة أو بأخرى.

ثانيا، في مجال فصل السلطات. ينزع القضاة الليبراليون إلى تطبيق مبدأ فصل السلطات بشكل مرن نسبيا. للتوضيح، هناك قوانين أساس (بمثابة دستور الدولة) التي تحرص المحكمة على الحفاظ عليها، وتحتكر الحق في تفسيرها عندما تبرز إشكالية قانونية حولها. لكن مؤخرا، نزعت الحكومات الإسرائيلية اليمينية إلى تغيير القوانين الأساس بما يخدم أجنداتها السياسية، الأمر الذي وضع المحكمة العليا أمام خيارين: إما التدخل لإيقاف تفرّد السلطة التنفيذية (الحكومة) أو التشريعية (الكنيست) واللتين تعيدان صياغة القوانين الدستورية لصالح أجندات يمينية ضيقة (وهذه وجهة نظر القضاة الليبراليين)، وإما الامتناع عن التدخل بحجة المحافظة على مبدأ فصل السلطات (وهذه وجهة نظر القضاة المحافظين). وقبل عام، قامت حكومة نتنياهو- غانتس بمحاولة لتغيير القانون الأساس الدستوري المتعلق بموازنة الدولة لكي يتسنى لها إضافة مبلغ معين للموازنة بشكل استثنائي في ظل عدم قدرة الحكومة المتصارعة داخليا على إقرار ميزانية. هنا تدخلت المحكمة العليا ورفعت "بطاقة صفراء" تحذيرية للحكومة والكنيست. تجدر الإشارة إلى أن المحكمة العليا اتخذت قرار تحذير الحكومة بأغلبية 6 قضاة ليبراليين مقابل معارضة 3 قضاة محافظين. ولو كانت تركيبة القضاة في معظمها من المحافظين، لاستطاعت الحكومة تغيير القوانين الأساس متى وجدت حاجة إلى ذلك.

ثالثاً، مجال حقوق الإنسان، شكلت بصمات القاضيين أهارون باراك ومئير شمغار، اللذين ترأسا المحكمة قبل أكثر من عقدين، بمثابة "عقيدة ليبرالية" مدافعة عن حقوق الإنسان. فمثلا، طالب حزب "إسرائيل بيتنا" ذات مرة بأن يتم حبس أي شخص يقوم بالحداد في ذكرى "استقلال إسرائيل" لمدة ثلاث سنوات، في محاولة واضحة لـ"تجريم" فعاليات إحياء النكبة. والتمست منظمات حقوقية عدة إلى المحكمة العليا، والتي وقفت حائرة: من جهة، فإن إرثها الليبرالي يمنعها من قمع حرية التعبير كقيمة عليا. ومن جهة ثانية، فإن المدرسة الليبرالية التي خلفها باراك وشمغار بدأت تتراجع مع دخول قضاة محافظين لدرجة أن المحكمة لم تستطع أن تلغي مقترح "إسرائيل بيتنا" بشكل كلي، واكتفت بصياغة عامة تجعل الاحتفال بالنكبة مخالفة قانونية لكن لا تستلزم الحبس. ولما اعترضت منظمات حقوقية على هذه الصياغة كونها ستؤول إلى المزيد من العنصرية، قررت المحكمة العليا العام 2011 رد هذه الاعتراضات، الأمر الذي أعطى إشارة إلى ذهاب المحكمة العليا رويدا رويدا نحو الأيديولوجيا المحافظة.[2] لكن مسألة حقوق الإنسان هي مسألة واسعة جدا، وقد تشمل هدم منازل الفلسطينيين في الضفة، توسيع الاستيطان وشرعنة البؤر، ممارسات الشرطة والجيش تجاه الفلسطينيين.. إلخ.

تتكون "لجنة تعيين القضاة" التي استماتت شاكيد للحصول على عضويتها، من تسعة أعضاء موزعين كالتالي: ثلاثة قضاة من محكمة العدل العليا، عضوا كنيست (واحد عن الائتلاف الحاكم وواحد عن المعارضة)، ممثلان اثنان عن نقابة المحامين بالإضافة إلى وزيرين (أحدهما هو وزير العدل الذي يترأس اللجنة). من أهم مهمات اللجنة تعيين قضاة جدد للمحكمة العليا، بحيث أن على كل قاض مرشح أن يحصل على سبعة أصوات على الأقل داخل اللجنة المكونة من تسعة أعضاء ليتم تعيينه في هذا المنصب الذي يحمل نفوذا واضحا. من المعروف أن عدداً من قضاة المحكمة العليا قد أشرف على التقاعد (التقاعد في سن 70)، وبعضهم الآخر كان قد استقال بالفعل. في الأشهر الأخيرة، مثلا، استقال كل من ميني مزور وحنان ملتسر، وكلاهما ليبرالي، من منصبهما في المحكمة العليا. خلال السنوات الثلاث القادمة هناك سبعة قضاة ليبراليون سيصلون إلى سن التقاعد.[3] تعتبر هذه فترة حرجة من ناحية هوية القضاة الجدد الذين سيحلون مكانهم. وسيكون لنجاح شاكيد في الدخول إلى "لجنة تعيين القضاة" خلال العامين الأولين من عمر الائتلاف الحكومي المنوي تشكيله تبعات مباشرة على عمليه تعيين القضاة الجدد، على العكس من فترة عضوية ميخائيلي التي ستحل بعد عامين عندما تنتهي عملية تعيين القضاة الجدد. ويدعم شاكيد في هذه الخطوة التي تعتبر توطيدا لحكم اليمين في مؤسسات حساسة: حزبها "يمينا"، وحزب "أمل جديد" (رئيس الحزب هو جدعون ساعر والموعود بمنصب وزير العدل، وبالتالي سيكون اليميني الذي يترأس لجنة تعيين القضاة التي تضم شاكيد)، بالإضافة إلى "إسرائيل بيتنا". لكن أيضا من خارج الائتلاف الحكومي، فإن خطوة شاكيد تعتبر مباركة من قبل المستوطنين وقائمة "الصهيونية الدينية" (أحد أهم مشاغل زعيمها بتسلئيل سموتريتش هو التقليل من نفوذ المحكمة العليا على الكنيست) وحزب الليكود.

 

1.
روعي سولوكي، "المحكمة العليا والقضاة المحافظون: يوم عيد بالنسبة لرأس المال"، غلوبس، 2017، https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001182006. 
2.
غيدي فايتس وشارون بولبار، "محافظة ، دفاعية وتخشى مواجهة الحكومة والكنيست: المحكمة العليا 2016 نموذجاً"، هآرتس، 2016, https://www.haaretz.co.il/magazine/EXT.premium-EXT-MAGAZINE-1.2832782. 
3.
ميخائيل هاوزر- طوف ونطعئيل بندل، "لبيد حول مفاوضات الائتلاف: اليمين سيكون له حق النقض على تعيين قضاة بالمحكمة العليا"، هآرتس، 2021، https://www.haaretz.co.il/news/politi/.premium-1.9853712. 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

حاخامات يدعون لمنع تشكيل “حكومة تغيير نتنياهو” بأي طريقة

مستقبل "حكومة تغيير نتنياهو"

بغض النظر عن أي نتائج ناجزة، من المؤكد أنها لن تظهر إلا في المستقبل، سجلت القائمة العربية الموحدة تحت قيادة النائب منصور عباس سابقة خطرة بتوقيعها في الأيام الأخيرة اتفاقاً ينصّ على دخولها إلى الحكومة الإسرائيلية الأكثر هُجنةً التي توشك أن تتسلم مقاليد الحكم، في حال عدم ظهور عقبات تعرقل ذلك في آخر لحظة، وهي حكومة لا يجمعها جامع أكثر من هدف إطاحة بنيامين نتنياهو، ووضع حدّ لحكمه المستمر منذ العام 2009.

وتؤكد القائمة الموحدة أن دوافعها براغماتية، غير أن سلوكها ينطوي في العمق على تجاهل لخصوصية الفلسطينيين في إسرائيل حتى لدى التعامل معهم باعتبارهم أقلية، وهي خصوصية ناجمة عن كونهم أقلية وطن وليسوا أقلية مهاجرين، وعن كونهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، والحل العادل لقضيتهم لا يمكن أن يكون سوى جزء من الحلّ الكليّ لقضية فلسطين.

للمزيد
سلاح الجريمة بين الفلسطينيين في إسرائيل: حصاد مرّ.

معطيات رسمية: جرائم القتل بالسلاح في المجتمع العربي بين 2013 - 2019 ثلاثة أضعاف نظيرتَها في المجتمع اليهودي!

نشر مراقب الدولة في إسرائيل، مؤخراً، المزيد من فصول تقريره السنوي المفصل، وأفرد مساحة واسعة فيه لموضوع تحت عنوان "تعامل شرطة إسرائيل مع حيازة الأسلحة غير القانونيّة وحوادث إطلاق النار في بلدات المجتمع العربيّ والبلدات المختلطة". وهو ينوّه إلى أن هذا بمثابة "مراقَبة متابعة، والتقرير الحاليّ هو تقرير متابَعة، يقوم بمراجعة عدد من المواضيع التي ناقشها التقرير السابق إلى جانب مواضيع أخرى". التقرير السابق صدر في آب عام 2018، وتناول عدداً من القضايا، من بينها مصادر الوسائل القتاليّة، ومعالَجة محطّات الشرطة لمخالفات الوسائل القتاليّة، ومديريّة المجتمع العربيّ في الشرطة، وخطّة "مدينة خالية من العنف".

للمزيد
ياريف ليفين.

ياريف ليفين: حان الوقت لإجراء تغييرات أساسية في الجهاز القضائي الإسرائيلي

[تعريف: تمثل هجوم اليمين الإسرائيلي على الجهاز القضائي عامة والمحكمة العليا الإسرائيلية، في الآونة الأخيرة، في مقالة نشرها رئيس الكنيست ياريف ليفين، من قادة الليكود وأحد أبرز المقربين لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، قبل نحو عامين، ونعيد هنا نشر مقاطع واسعة منها كونها توضح خلفية هذا الهجوم ومراميه]:

للمزيد
الأحد, يونيو 13, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الاشتراك في قناة التيليجرام

telegram

متابعينا الأعزاء يرجى متابعة قناة مدار على التيليجرام

 إشترك الآن