أمير أوحانا: عناق مع سموتريتش.  (أرشيفية، عن "واي نت")

أوقفت الشرطة الإسرائيلية ثلاثة مستوطنين متهمين بإطلاق النار على الشهيد موسى حسونة من مدينة اللد. هذا التوقيف أثار حفيظة العديد من الجهات اليمينية المتطرفة في إسرائيل التي دعت إلى إطلاق سراحهم. وأحد أبرز هذه الأصوات كان على لسان أمير أوحانا، وزير الأمن الإسرائيلي الداخلي عن حزب الليكود. لم يكتف أوحانا بالدعوة إلى إطلاق سراح الموقوفين بشكل فوري، إنما قال بأن تسليح المستوطنين هو أمر هام كونهم "يحافظون على القانون ويمكن النظر إليهم باعتبارهم إسناداً ضرورياً للقوى الشرطية" في وجه التمرد العربي.[1]

هذا التصريح الذي يأتي على لسان وزير الأمن الداخلي، والذي يشرف على عمل جهاز الشرطة وحرس الحدود، مثله مثل غيره من التصريحات العنصرية، لا يأتي كرد فعل أرعن على تطور الأحداث داخل إسرائيل، إنما يعبر عن عقيدة، وهو ما تحاول هذه المقالة أن تقوم بتناوله.

من هو أمير أوحانا؟

يمكن تصنيف أوحانا باعتباره محافظاً.
في العام 2016، عرف اليهود (أكثر من 75% من سكان إسرائيل) أنفسهم كالتالي: علمانيون (45%)، متدينون (16%)، حريديم أو متزمتون (14%) بالإضافة إلى محافظين (25%).[2] بشكل عام، يمكن القول بأن المحافظين يشكلون حوالي ربع الإسرائيليين اليهود، وهم تلك الفئة التي ترى نفسها في ما بين الديني والعلماني، بحيث أنهم يحافظون على التقاليد الدينية اليهودية، بدرجات متفاوتة، لكن ليس كأيديولوجيا تفرض نفسها على الأجندة السياسية (كما هي الحال لدى الصهيونية الدينية)، وإنما من باب الانتماء إلى الشعب اليهودي. ولأن الدين لدى المحافظ هو انتماء إلى جماعة وليس عقيدة وممارسة خارج الحيز الخاص، فإن الحدود بين الدين والحداثة تظل مبهمة وغير مرسومة بدقة. أوحانا مثلا، الذي يعتبر من اليمين الجديد الذي ينمو كالفطر داخل الليكود، هو أحد المثليين الذين يعيشون في تل أبيب ويحافظ على علاقة وطيدة مع العلمانيين كما المتدينين. فهو يعرف نفسه كمتدين وصاحب عقيدة دينية، بيد أن هذه العقيدة لا تفرض نفسها بقوة على ممارساته اليومية. فاليوم، هو يعيش في تل أبيب مع زوجه الذكر، ولديهما توأمان جلباهما عن طريق "استئجار الرحم"، بحيث أن أوحانا يعتبر الوالد البيولوجي لواحد، بينما زوج أوحانا هو الوالد البيولوجي للطفل الثاني!

ويرى المحللون وعلماء الاجتماع الإسرائيليون بأن المحافظين هم المستقبل الحقيقي للشعب الإسرائيلي، خصوصا في ظل وصول التصدع ما بين العلماني والديني إلى مرحلة لا يمكن جسرها. هنا، المحافظ يقدم نفسه كمشروع جديد لما سوف يكون عليه المجتمع الصهيوني في المستقبل القريب بحيث يتجاوز التناقضات الأيديولوجية والسياساتية المتعلقة بكلا الطرفين، ويصهرها في بوتقة واحد ليخرج المحافظ الجديد.
لكن الأمر ليس بتلك السهولة. فالمحافظون الذي يعتقدون بأنهم المنطقة الرمادية التي تجمع حسنات كل من الديني والعلماني في إنسان واحد، هم أيضا منقسمون وبشدة بناء على التوجه السياسي. أوحانا، مثلا، هو مزيج ما بين الليكودي المتطرف والصهيوني الديني. وبشكل مجازي، وإذا رغبنا بالالتفات إلى الجانب السياسي والموقف من القضية الفلسطينية، يمكن الادعاء بأنه كالصهيوني الديني لكن صاحب هوية جنسية مثلية غير ملتزم بالممارسة الدينية. فهو يعرف نفسه بأنه "يهودي، إسرائيلي، شرقي، مثلي، ليكودي، ناشط أمني، ليبرالي ورجل اقتصاد حر". كناشط أمني، يحاول أوحانا أن يسن قانونا يسمح بحمل السلاح لكل الإسرائيليين، وتحويل دولة إسرائيل إلى نموذج شبيه بالولايات المتحدة. لكن إباحة حمل السلاح واستخدامه مقتصرة، لدى أوحانا، على الإسرائيلي اليهودي وليس العربي بالتأكيد.

يدفع أوحانا بكل قوته نحو استمرار الاستيطان داخل أراضي الضفة الغربية. وينشط بهدف الاعتراف بالبؤر الاستيطانية غير المعترف بها بعد. ولأن أوحانا هو وزير الأمن الداخلي، فقد قام بتعيين أفراد متطرفين في الأجهزة الأمنية التي يشرف عليها. فمثلا، بتاريخ 15 كانون الأول 2020، قام بتعيين مفتش جديد للشرطة الإسرائيلية، هو يعقوب شبتاي، الذي كان من مؤسسي وحدة المستعربين في غزة في بداية التسعينيات. ويمكن القول بأن أوحانا وشبتاي مسؤولان عن العديد من السياسات (إقرارا وتنفيذا) والتي أدت إلى تأجيج المواجهات بين الفلسطينيين والشرطة الإسرائيلية خلال شهر رمضان، والتي ساهمت لاحقا في اندلاع مواجهات في كل أنحاء إسرائيل. صحيح أن شبتاي يتهم الصهيونية الدينية (خصوصا حزب "قوة يهودية" برئاسة الكهانيّ إيتمار بن غفير) بجرّ المستوطنين إلى "انتفاضة" وأعمال استفزت "المشاعر" الفلسطينية، على حد تعبيره، إلا أنه هو نفسه، إلى جانب صديقه أوحانا، يتحملان المسؤولية الأكبر عن طريقة تعامل أجهزة الأمن مع الهبّة الفلسطينية.

 

1.
سروغيم، أوحانا يطالب بالإفراج عن مطلق النار من اللد: السلاح قوة مضاعفة، أخبار سروغيم، 12 أيار 2021 https://bit.ly/33HkQvl 
2.
مكتب الإحصاء الإسرائيلية المركزي، سكان إسرائيل حسب الدين والتعريف الذاتي للديانة: بيانات مختارة من تقرير رقم 10، 195/2018 (القدس: مكتب الإحصاء الإسرائيلية المركزي، 2018) https://bit.ly/3fc7Tz2. 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

حاخامات يدعون لمنع تشكيل “حكومة تغيير نتنياهو” بأي طريقة

مستقبل "حكومة تغيير نتنياهو"

بغض النظر عن أي نتائج ناجزة، من المؤكد أنها لن تظهر إلا في المستقبل، سجلت القائمة العربية الموحدة تحت قيادة النائب منصور عباس سابقة خطرة بتوقيعها في الأيام الأخيرة اتفاقاً ينصّ على دخولها إلى الحكومة الإسرائيلية الأكثر هُجنةً التي توشك أن تتسلم مقاليد الحكم، في حال عدم ظهور عقبات تعرقل ذلك في آخر لحظة، وهي حكومة لا يجمعها جامع أكثر من هدف إطاحة بنيامين نتنياهو، ووضع حدّ لحكمه المستمر منذ العام 2009.

وتؤكد القائمة الموحدة أن دوافعها براغماتية، غير أن سلوكها ينطوي في العمق على تجاهل لخصوصية الفلسطينيين في إسرائيل حتى لدى التعامل معهم باعتبارهم أقلية، وهي خصوصية ناجمة عن كونهم أقلية وطن وليسوا أقلية مهاجرين، وعن كونهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، والحل العادل لقضيتهم لا يمكن أن يكون سوى جزء من الحلّ الكليّ لقضية فلسطين.

للمزيد
سلاح الجريمة بين الفلسطينيين في إسرائيل: حصاد مرّ.

معطيات رسمية: جرائم القتل بالسلاح في المجتمع العربي بين 2013 - 2019 ثلاثة أضعاف نظيرتَها في المجتمع اليهودي!

نشر مراقب الدولة في إسرائيل، مؤخراً، المزيد من فصول تقريره السنوي المفصل، وأفرد مساحة واسعة فيه لموضوع تحت عنوان "تعامل شرطة إسرائيل مع حيازة الأسلحة غير القانونيّة وحوادث إطلاق النار في بلدات المجتمع العربيّ والبلدات المختلطة". وهو ينوّه إلى أن هذا بمثابة "مراقَبة متابعة، والتقرير الحاليّ هو تقرير متابَعة، يقوم بمراجعة عدد من المواضيع التي ناقشها التقرير السابق إلى جانب مواضيع أخرى". التقرير السابق صدر في آب عام 2018، وتناول عدداً من القضايا، من بينها مصادر الوسائل القتاليّة، ومعالَجة محطّات الشرطة لمخالفات الوسائل القتاليّة، ومديريّة المجتمع العربيّ في الشرطة، وخطّة "مدينة خالية من العنف".

للمزيد
ياريف ليفين.

ياريف ليفين: حان الوقت لإجراء تغييرات أساسية في الجهاز القضائي الإسرائيلي

[تعريف: تمثل هجوم اليمين الإسرائيلي على الجهاز القضائي عامة والمحكمة العليا الإسرائيلية، في الآونة الأخيرة، في مقالة نشرها رئيس الكنيست ياريف ليفين، من قادة الليكود وأحد أبرز المقربين لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، قبل نحو عامين، ونعيد هنا نشر مقاطع واسعة منها كونها توضح خلفية هذا الهجوم ومراميه]:

للمزيد
الأحد, يونيو 13, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الاشتراك في قناة التيليجرام

telegram

متابعينا الأعزاء يرجى متابعة قناة مدار على التيليجرام

 إشترك الآن