عوديد غولدرايخ (يمين) ويوآف غالانت.

بحُكهما القضائي الذي أصدرته يوم الخميس الأخير، ارتكبت "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية جملة من الأخطاء التي يمكن القول، دون مغالاة، إنها تضعها في موقف مناقض لاسمها ("العدل") ومناقض لقرارات سابقة صدرت عنها، بل مناقض لكل ما في الديمقراطية من حقوق وقيم فيما يمكن اعتباره اعترافاً رسمياً تسجله هذه الهيئة القضائية الأعلى في إسرائيل بزيف "الديمقراطية الإسرائيلية" المُدّعاة ومدى ضيق حدودها، ليس القومية ـ العرقية فحسب، وإنما السياسية أيضاً.

هذا هو الاستنتاج المركزي الذي لا بد من استخلاصه عند قراءة نص قرار "محكمة العدل العليا" بشأن منح "جائزة إسرائيل" هذا العام للبروفسور عوديد غولدرايخ، العالِم ذي الشهرة العالمية في مجال الرياضيات، من "معهد وايزمان للعلوم" في مدينة رحوفوت، وهو قرار يحمل بين طياته وفي دلالاته درجة عالية جداً من الخطورة المتعددة الأوجه، كما سنبينها هنا.

فقد شرعنت المحكمة، في نصٍّ قضائيّ رسميّ لا يعدم التعليلات والتسويغات القانونية، القرار الذي اتخذه وزير التربية والتعليم، يوآف غالانت (ليكود)، رفض قرار "لجنة اختيار الفائزين بجائزة إسرائيل" للسنة الجارية 2021 والقاضية بمنح البروفسور غولدرايخ هذه الجائزة تقديراً له على أبحاثه في أحد المواضيع المهمة في مجال علوم الرياضيات والحاسوب.

وجاء رفض غالانت هذا على خلفية المواقف التي عبر عنها غولدرايخ في مناهضة الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية وفي تأييد حركة "المقاطعة، سحب الاستثمارات والعقوبات" (BDS) على خلفية استمرار الاحتلال الإسرائيلي لهذه المناطق وتكثيف الاستيطان اليهودي فيها.

مهلة تتجاوز الجدول الزمني وموعده النهائي!

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية هذا جاء رفضاً للالتماس الذي تقدمت به إليها "لجنة الجائزة" ضد وزير التربية والتعليم وقراره المذكور. وفي قرارها هذا، تبنت المحكمة موقف الوزير غالانت الذي طلب "فحص ما إذا كان يستطيع، من الناحية القانونية، رفض منح البروفسور غولدرايخ جائزة إسرائيل"، كما تبنت موقف المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، الذي ادعى بأنه "ينبغي إتاحة المجال أمام الوزير غالانت لبحث الموضوع وفحص المعلومات التي وصلت إليه قبل يومين" ومفادها أن غولدرايخ قد وقع على عريضة نُشرت قبل نحو أسبوعين تعلن التأييد لحركة المقاطعة وتدعو "الاتحاد الأوروبي" إلى مقاطعة "جامعة أريئيل" القائمة في مستوطنة أريئيل، التي أقيمت سنة 1978 على أراضٍ تبلغ مساحتها أكثر من 500 دونم تابعة لعدد من البلدات الفلسطينية هي سلفيت، إسكاكا، مردة وكفل حارس.

هيئة المحكمة تألفت من ثلاثة قضاة (هم القاضي نوعام سولبيرغ، المستوطن في مستوطنة "ألون شفوت"، إحدى "مستوطنات غوش عتسيون" الواقعة إلى الجنوب من القدس، ما بين بيت لحم والخليل؛ القاضية ياعيل فيلنر، المقيمة في مدينة حيفا اليوم لكن الناشطة سابقاً في حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية، إذ كانت ضمن نواتها الاستيطانية الأولى في "سبسطية" بالقرب من مدينة نابلس؛ والقاضي يتسحاق عميت) وانتبهت بالطبع إلى مسألة التوقيت، لكنها سوّغت قرارها هذا بالقول إنه "في الظروف التي نشأت، ومع الأخذ في الاعتبار موقف وزير التربية والتعليم بشأن الحاجة إلى مهلة زمنية إضافية لفحص الموضوع، بما في ذلك إمكانية النظر في ما سيقوله البروفسور غولدرايخ حول الأمر قبل البتّ به واتخاذ قرار نهائي؛ ومع الانتباه أيضاً إلى موقف المستشار القانوني للحكومة القائل بأن المسألة "ليست هامشية أو تافهة" بل قد تحتاج إلى تحليل قضائي لا يتيحه الجدول الزمني الآن، فإننا نعتقد بأنه ينبغي إتاحة المجال أمام الوزير لإعادة فحص الموضوع واتخاذ القرار النهائي في مدة أقصاها ثلاثون يوماً"!

المعنى الصريح والنتيجة الفورية والمباشرة لقرار المحكمة هذا هو، بشديد البساطة، عدم منح البروفسور غولدرايخ هذه الجائزة وحرمانه منها، لهذه السنة على الأقل، إذ أمهلت الوزير غالانت "30 يوماً لبحث الموضوع" بينما يجري توزيع "جائزة إسرائيل"، عادة، ضمن الاحتفالات بذكرى استقلال دولة إسرائيل سنوياً (الذكرى الـ 73 تحل، هذا العام، يوم 15 نيسان الجاري). لكن المحكمة حاولت "تلطيف" قرارها المثير للاستهجان بالإشارة إلى أن "حقوق الأطراف محفوظة بشأن أي قرار نهائي سيصدر. فقد سجلنا أمامنا أنه إذا ما تقرر في نهاية المطاف منح البروفسور غولدرايخ الجائزة، فسيكون بالإمكان تنفيذ ذلك خلال حفل توزيع جائزة إسرائيل العام المقبل أو في موعد أبكر، وفق ما يختاره غولدرايخ"!!

وفي تعقيبه على قرار المحكمة شرعنة حرمان البروفسور غولدرايخ من الجائزة كعقاب له على آرائه ومواقفه السياسية، قال الوزير غالانت في تغريدة نشرها على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إن "جائزة إسرائيل هي الجائزة الأكثر أهمية وقيمة التي تمنحها دولة إسرائيل. الشخص الذي لا تحظى دولة إسرائيل وقوانينها بمعزّة في قلبه لا يستحق هذه الجائزة. ربما كان البروفسور غولدرايخ عالِماً لامعاً، لكن دعمه لحركة المقاطعة ودعوته إلى مقاطعة جامعة أريئيل هما بمثابة بصقة في وجه دولة إسرائيل والأكاديميا الإسرائيلية، بل هما خرق محتمل للقانون"!

وأوضح غالانت أنه "سيستغل المهلة الزمنية التي منحته إياها المحكمة العليا لاستكمال فحص الموضوع وما إذا كان تنصل البروفسور غولدرايخ الحالي من حركة المقاطعة هو تنصل صادق وما إذا كانت المعلومات التي قدمها إلى المحكمة وإلى الدولة بهذا الشأن هي معلومات صحيحة"! وختم غالانت قائلاً: "السيناريو الذي قد يقف فيه داعم لحركة المقاطعة ضد إسرائيل على المنصة في ذكرى استقلال الدولة ليستلم جائزة إسرائيل من أيدي قادة الدولة هو سيناريو لا يمكننا السماح به"!

إجماع أكاديمي على رفض قرار الوزير

أحد أوجه الخطورة في قرار المحكمة هذا تنبه إليه رؤساء الجامعات الإسرائيلية و"المجمع الوطني الإسرائيل للعلوم والآداب" ورؤساؤه السابقون الذين سارعوا إلى الإعلان عن رفضهم لقرار الوزير. ففي الرسالة التي وجهوها إليه، طالب رؤساء الجامعات الإسرائيلية الوزير غالانت بالتراجع عن موقفه وعن رفضه قبول قرار "لجنة الجائزة" بمنح البروفسور غولدرايخ "جائزة إسرائيل" تقديراً لأبحاثه العلمية في مجال الرياضيات. وأشار رؤساء الجامعات، في رسالتهم، إلى حقيقة أن دعوتهم هذه إلى الوزير "لا تنبع من تضامننا مع تصريحات غولدرايخ السياسية، بل العكس هو الصحيح: رأينا مختلف عما تتضمنه تصريحاته المعروفة لنا. لكنّنا نعتقد بأن من حقه، كمواطن يعيش في دولة ديمقراطية، أن يعبر عن رأيه دون وجل أو مراءاة"!

وختم رؤساء الجامعات رسالتهم إلى الوزير بالتأكيد على أن "عدم منح شخص ما جائزة إسرائيل بسبب آرائه السياسية يخالف الفكرة المركزية من وراء تأسيس هذه الجائزة ومنحها بصورة سنوية، كما يشكل مساً عميقاً وخطيراً بحرية التعبير وبحرية التفكير. فقرارك يولّد الانطباع السيء بأنّ "مَن يسير في الثلم" فقط هو الذي يستحق المكافأة والتقدير، بينما يكون العقاب من نصيب كل مَن يجرؤ على التعبير عن رأي سياسي يقع خارج نطاق الإجماع"! وقد وقع على هذه الرسالة كل من: البروفسور أريئيل بورات (رئيس جامعة تل أبيب)، البروفسور آشير كوهين (رئيس "الجامعة العبرية" في القدس)، البروفسور أوري سيفان (رئيس "معهد الهندسة التطبيقية/ التخنيون" في حيفا)، البروفسور ألون حين (رئيس "معهد وايزمان للعلوم"، حيث يعمل البروفسور غولدرايخ)، البروفسور دانيئيل حايموفيتش (رئيس "جامعة بن غوريون" في بئر السبع/ النقب)، البروفسور رون روبين (رئيس جامعة حيفا)، البروفسور ميمي آيزنشتادت (رئيسة "الجامعة المفتوحة").

كما عبر مجلس "المجمع الوطني الإسرائيلي للعلوم والآداب" ورؤساؤه السابقون عن "الأسف العميق والقلق الكبير على حرمان البروفسور غولدرايخ من الحصول على جائزة إسرائيل عن أبحاثه في علوم الرياضيات والحاسوب بسبب مواقفه السياسية" ضد الاحتلال. وقال بيان صدر عن المجلس ورؤسائه السابقين إن "المعيار الأساس لمنح جائزة إسرائيل في المجالات العلمية هو الامتياز البحثيّ، الذي بفضله تحافظ الجائزة على مكانتها بوصفها وسام التقدير الأعلى الذي تمنحه دولة إسرائيل لعلمائها". وأضاف البيان أن "التصريحات السياسية هي في إطار المسموح به وفق مبدأ حرية التعبير وهي ليست ذات صلة أو أهمية في سياق القرار بشأن منح الجائزة أو حجبها".

وفي حديث إذاعي، عبّر نائب رئيس هذا "المجمع"، البروفسور دافيد هرئيل (من "معهد وايزمان للعلوم" والحائز على "جائزة إسرائيل" لسنة 2004 في مجال علوم الحاسوب) عن غضب شديد على قرار الوزير غالانت واصفاً إياه بأنه "فضيحة من الدرجة الأولى... ثمة هنا رائحة وأجواء فاشية شبيهة بتلك التي سادت في العام 1933"، في إشارة واضحة إلى النازية الألمانية والهولوكوست. وأوضح هرئيل: "أنا أيضاً مؤيد لمقاطعة جامعة أريئيل في المناطق المحتلة وقد وقعتُ على العريضة التي يريد غالانت حرمان غولدرايخ من الجائزة بسببها".

أما المحامي ميخائيل سفراد، الذي تولى تمثيل البروفسور غولدرايخ والمرافعة عنه أمام المحكمة، فعقب على قرار "محكمة العدل العليا" بالقول إن "غولدرايخ متهم باقتراف جريمة لم تتم صياغتها في إسرائيل الحالية بعد، كما يبدو، هي: اليسارية. فقد أوجد المستشار القانوني للحكومة، سوية مع وزير التربية والتعليم، مساراً مكارثياً واضحاً وصريحاً لحجب جائزة إسرائيل عن أصحاب المواقف المعارضة للاحتلال، للنهب وللأبارتهايد، وهكذا يقومون بإقصاء معسكر سياسي كامل في إسرائيل". وأضاف سفراد أن "مجرد الفكرة القائلة بأن من حق الوزير مواصلة البحث والتنقيب في تصريحات غولدرايخ السياسية، ثم اعتماد قوائم سوداء تعدّها تنظيمات تلاحق الأكاديميين والفنانين بجريرة آرائهم السياسية هي فكرة مشينة وغير معقولة".

معالم السقوط في قرار المحكمة

ليس جديداً تحويل "جائزة إسرائيل"، التي بُدئ بتوزيعها في العام 1953، إلى ساحة للمنازلات والمناكفات السياسية، بل استغلالها سوطاً لمعاقبة وجلد "الخارجين عن الإجماع" القومي اليهودي، أو ما تحدده بعض الأطراف السياسية، السلطوية المتنفذة عادةً وغالباً، باعتباره إجماعاً كهذا. فقد حدث أكثر من مرة أن طالبت جهات سياسية بحجب "جائزة إسرائيل" عن مرشحين لنيلها؛ وهي التي تُعتبر أعلى وأرفع جائزة رسمية في إسرائيل تمنحها الدولة تكريماً للمتميزين في حقولهم المعرفية المختلفة وتقديراً لإنجازاتهم العلمية، الأدبية، الفنية، الاجتماعية، الإعلامية أو الرياضية وسواها من ميادين الحياة المختلفة والتي ساهموا بها في تطوير الدولة والمجتمع الإسرائيليين. وقد أدت هذه التجاذبات السياسية في حالات عديدة إلى تنازل المرشحين الذين تقرر منحهم الجائزة عنها، وكانت أبرز تلك الحالات تنازل الفيلسوف والعالِم يشعياهو ليبوفيتش عن الجائزة في العام 1993.

وليس جديداً أيضاً تدخل "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية في مسألة منح الجائزة، أو حجبها، في العديد من الحالات التي توجهت فيها جهات مختلفة إلى المحكمة لمطالبتها بإصدار أمر قضائي يمنع منح الجائزة لبعض المرشحين لنيلها، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: الوزيرة وعضو الكنيست السابقة شولاميت ألوني، الفنان الرسام والنحات يغئال توماركين، أستاذ العلوم السياسية البروفسور زئيف شطرنهيل وكثيرون آخرون غيرهم بسبب مواقفهم السياسية وعلى خلفيتها.

غير أن قرارات المحكمة العليا في جميع تلك الالتماسات الكثيرة خلصت، على الدوام، إلى نتيجة واحدة موحدة هي: رفض الالتماسات، مع التأكيد على أنه "بينما تُمنح جائزة إسرائيل عن منجزات مهنية جديرة بالتقدير، فإن التصريحات التي يجري استخدامها غالباً تكون خارج الإطار المهني الذي تُمنح الجائزة عنه. في مثل هذه الحالة، من الصعب عدم النظر إلى حجب الجائزة عمّن اعتُبر جديراً بها بفضل منجزاته المهنية، لكن على أساس مواقفه السياسية التي عبر عنها، بكونه مساً خطيراً بحرية التعبير، وليس بصورة غير مباشرة"، كما أكدت المحكمة ذاتها في قرارها القضائي بشأن الالتماس ضد منح الجائزة للبروفسور زئيف شطرنهيل، في العام 2008، مضيفةً: "ثمة لمثل هذه النتيجة مفعول "كمّ الأفواه" الذي لا مكان له في نظام ديمقراطي، إذ ما هي الرسالة التي تبثها هكذا نتيجة إن لم تكن رسالة الإخراس؟ مجرد المعرفة بأن التعبير عن رأي لا يحظى بشعبية قد تؤدي، بعد فترة من الوقت، إلى نتائج على صعيدٍ ما له بُعدٌ مهنيّ لا يستوي مع ثقافة حرية التعبير في نظام ديمقراطي".

لكن "محكمة العدل العليا"، التي لم تحِد عن هذا النهج في عشرات الحالات/ الاختبارات وعلى مدى عشرات السنوات، تأتي الآن لتُحدث انعطافة عن هذا النهج بمنحها الوزيرَ مهلة "لفحص الأمر واتخاذ قرار نهائي" مع التأكيد على "حقه/ صلاحيته في أن يقرر عدم منح الجائزة" للبروفسور غولدرايخ بعد فحص "ما إذا كانت العريضة المذكورة أعلاه (التي تدعو "الاتحاد الأوروبي" إلى مقاطعة "جامعة أريئيل" الاستيطانية) تندرج تحت أحكام قانون منع المس بدولة إسرائيل بواسطة المقاطعة"؛ وهو القانون الذي سنّه الكنيست الإسرائيلي سنة 2011 والمعروف اختصاراً باسم "قانون المقاطعة".

ذلك أن كمّ الأفواه، الذي يشكل التجسيد الأبرز والأكثر مباشرة لقمع حرية التعبير عن الرأي التي تعتبر إحدى الحريات الأساسية والحق فيها هو أحد حقوق الإنسان الأكثر أساسية، هو اعتداء فظ وصارخ على الديمقراطية، ضربٌ في جسدها وانتقاص جوهري من وحدتها وتكاملها. ويزداد الأمر خطورة في حالتنا العينية هذه عند الأخذ في الحسبان العوامل الأخرى لا يمكن أن تكتمل الصورة بدونها: أول هذه العوامل هو كون القرار شرعنة فاضحة لمعاقبة عالِمٍ عالميّ بجريرة آرائه السياسية التي يكفلها حقه الأساس في حرية التعبير. وثانيها أن "دستور الجائزة" يضع محاذير لمنع وقوع الجائزة تحت سطوة الاعتبارات السياسية ولا يمنح (الدستور) وزير التربية والتعليم، الذي تجري عملية اختيار المرشحين في نطاق وزارته، أية صلاحية لحجب الجائزة عن أي من المرشحين لأي سبب كان. أما الحق الوحيد الذي يمنحه الدستور للوزير في هذا السياق فهو رفض توصية "لجنة الجائزة"، المهنية في كل مجال من المجالات التي تُمنح فيها الجائزة، مع تسويغ هذا الرفض بصورة تفصيلية، ثم إعادة الأمر إلى اللجنة لتعيد النظر وتتخذ قرارها. وفي هذه الحالة، ينص الدستور على أن اللجنة تعيد النظر في الأمر على ضوء ملاحظات الوزير وتتخذ قرارها "الذي يكون نهائياً ولا يمكن تغييره"! ولمنع أي تأثيرات خارجية وغير مهنية على أعضاء اللجنة، ينص الدستور على إبقاء أسمائهم طي السرية والكتمان إلى ما بعد الإعلان عن الفائزين.

العامل الثالث أن أحكام "قانون المقاطعة" لا تعتبر الدعوة إلى المقاطعة مخالفةً جنائية وإنما "إضراراً يوجب التعويض". معنى هذا، قانونياً، أن الشخص (الشخص الفرد، وليس الدولة!) المتضرر من الدعوة إلى المقاطعة يستطيع تقديم دعوى تعويض ضد صاحب الدعوة. وعلاوة على ذلك، فإن العريضة التي يقال إن غولدرايخ قد وقّع عليها لا تشكل "دعوة إلى المقاطعة" بحسب مفهوم "قانون المقاطعة" ووفق أحكامه، لسبب بسيط هو أن "الإضرار الموجب للتعويض" يتحقق ليس حين يطلق شخص ما دعوته إلى المقاطعة وإنما المطلوب ـ وفق متطلبات القانون وأحكامه ـ هو أن "يكون ثمة احتمال معقول بأن تقود تلك الدعوة إلى فرض المقاطعة". لكن هذا الشرط لا يتحقق في حالة الاتحاد الأوروبي الذي لا يعترف بالمناطق المحتلة كجزء من دولة إسرائيل ويؤكد، بنص واضح وصريح، في جميع اتفاقيات التعاون المختلفة بينه وبين إسرائيل، وخصوصاً في المجال العلمي والبحثيّ، أن هذا التعاون "لا يشمل جامعة أريئيل، الواقعة في منطقة استيطانية"!

أما العامل الرابع والأخير، فهو أنه بدلاً من اتكاء المحكمة العليا على "قانون المقاطعة" واتخاذه أداة وذريعة لتبرير وشرعنة معاقبة غولدرايخ السياسية، بسبب آرائه ومواقفه، كان من الأجدر بها إلغاء هذا القانون بعد إعلان عدم دستوريته نظراً لما يتضمنه من مسّ بحقوق وحريات فردية أساسية جعلتها المحكمة العليا نفسها، عبر عشرات القرارات القضائية، حقوقاً دستورية اشتقتها وصاغتها من نص "قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته"، لا سيما بشكل خاص البند الذي يعرّف إسرائيل بأنها "دولة يهودية وديمقراطية" ـ وهو التعريف الذي أخذت المحكمة نفسها مركّب "الديمقراطية" منه لتُؤسس عليه ما يعرف باسم "الثورة الدستورية" ولتشيّد منظومة حقوق وحريات شخصية أساسية، دستورية!

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

https://www.eremnews.com/news/arab-world/2322265

جولة الكفاح الفلسطينية الراهنة: المفاجأة!

يتفق جلّ المحللين الإسرائيليين على أن أكثر صفة تليق بجولة الكفاح الفلسطينية الحالية التي انطلقت من مبدأ حماية القدس وأهلها وممتلكاتهم، وسرعان ما استقطبت كلا من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48، هي كونها جولة مفاجئة، وبالذات فيما يتصل بتدحرجها ووصولها إلى داخل إسرائيل.

وبمتابعة سريعة يمكن أن نستشف من هذه التحليلات أن ما استدعى الالتجاء إلى هذه الصفة هو واقع أن إسرائيل تعاملت مع قضية فلسطين في الآونة الأخيرة كما لو أنها قضية منسية لا من طرفها فقط إنما من جهة أطراف أخرى كثيرة ذات صلة بينها أطراف عربية، بالإضافة إلى أطراف دولية، وكل ذلك في وقت كانت الساحة العالمية عرضة لمواقف إدارة أميركية (سابقة) متماهية مع سياسة اليمين الإسرائيلي وروايته التاريخية ورمت بكل ثقلها لجرّ أطراف كثيرة لتسوية قضية فلسطين وفق خطة هي إلى تصفيتها أقرب، عرفت إعلامياً باسم "صفقة القرن". وأمكن ملاحظة هذا التعامل الإسرائيلي مع قضية فلسطين أيضاً، من خلال الأزمة السياسية غير المسبوقة التي تشهدها إسرائيل منذ أكثر من عامين وتتسم أكثر شيء بما يشبه غياب الجدل السياسي حيال موضوعات كانت تحضر بقوة في الأزمات السياسية السابقة ولا سيما في جولات الانتخابات، وفي مقدمها قضايا الاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني ومستحقات عملية التسوية.

للمزيد
وقفة تحدّ في "الشيخ جراح" في 14 أيار الجاري.  (أ.ف.ب)

هبّة القدس 2021: المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إذ تفشل في تحقيق أهدافها

الأنثروبولوجيا الاستعمارية والأمن الإسرائيلي

عملت المنظومة الاستعمارية الصهيونية قبل النكبة على تأسيس معرفة استعمارية أمنية عن المجتمع الفلسطيني، من خلال توثيق دقيق وميداني لقرى ومدن فلسطينية متعددة، وخير مثال على ذلك العمل الأمني- الأنثروبولوجي آنذاك، ملفات القرى التي عملت على إعدادها منظمة الهاغناه التي شملت توثيقا دقيقا لجزء كبير من القرى والبلدات الفلسطينية التي استعمرت العام 1948. ولاحقاً بعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، شكل رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ليفي إشكول لجنة سميت "لجنة الأساتذة" ضمت أكاديميين في مجالات علم الاجتماع وعلم السكان والاقتصاد وغيره من التخصصات لدراسة أحوال السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة حديثاً؛ كان الهدف منها فهم طبيعة السكان والتخطيط للتعامل معهم وإدارتهم وحكمهم. أي أن الحكومة الإسرائيلية وأذرعها السياسية والأمنية لديها هوس أمني بجمع كل التفاصيل المرتبطة بالفلسطينيين ومجتمعهم، لتتمكن من السيطرة عليهم والتحكم بهم والقدرة على قمعهم عند الحاجة لذلك، وربما بسبب الغرور الأمني وصلت المنظومة الأمنية الإسرائيلية إلى حد الوهم أن بإمكانها فهم السلوك الفلسطيني والتنبؤ به قبل حدوثه، وبإمكانها تحييد أي سلوك فلسطيني أو قمعه وإنهائه من خلال الأدوات الأمنية.

للمزيد
أمير أوحانا: عناق مع سموتريتش.  (أرشيفية، عن "واي نت")

اسم في الأخبار: أمير أوحانا ودلالة ولايته في وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلية

أوقفت الشرطة الإسرائيلية ثلاثة مستوطنين متهمين بإطلاق النار على الشهيد موسى حسونة من مدينة اللد. هذا التوقيف أثار حفيظة العديد من الجهات اليمينية المتطرفة في إسرائيل التي دعت إلى إطلاق سراحهم. وأحد أبرز هذه الأصوات كان على لسان أمير أوحانا، وزير الأمن الإسرائيلي الداخلي عن حزب الليكود. لم يكتف أوحانا بالدعوة إلى إطلاق سراح الموقوفين بشكل فوري، إنما قال بأن تسليح المستوطنين هو أمر هام كونهم "يحافظون على القانون ويمكن النظر إليهم باعتبارهم إسناداً ضرورياً للقوى الشرطية" في وجه التمرد العربي.

للمزيد
الأربعاء, مايو 19, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

إعلانات

دعوة الباحثين والباحثات للكتابة والنشر في مجلة قضايا إسرائيلية.

للمزيد من التفاصيل