https://www.themarker.com/markerweek/MAGAZINE-1.5805318ملفّ اللاجئين الأفارقة في إسرائيل:  أزمة هويّة عنصريّة.

يكشف ملف اللاجئين الأفارقة في إسرائيل، الذي تجدّد الحديث عنه مؤخراً، عن العنصريّة المتجذّرة في المؤسسة الإسرائيليّة والتي تنطلِقُ من ادّعاءاتٍ مركزيّة حول طّبيعة الدّولة كدولة يهوديّة تعملُ وتُوجَدُ من أجل اليهود حصراً، وتضَعُ وتُصنّف غير اليهود في مكانة مُتدنّية عن اليهود. إلّا أنّ هناك مُفارقة، تصفُها النّاشطة روتم إيلان بالمفارقة المؤلمة بما يتعلّق بواقع اللاجئين الأفارقة في إسرائيل وتتلخّصُ في أنّ إسرائيل كانت الدّولة التي أصرّت على إعلان وتوقيع المعاهدة الدولية لحقوق اللاجئين في العام 1951 والتي تحظر إعادتهم إلى مكانٍ سيواجهون فيه خطراً على حياتهم. أصرّت إسرائيل، بصفتها ممثّلة ووارثة إرث الضحايا الأشهر للحرب العالميّة الثانية، وهم اليهود الذين حاول بعضهم الفرار من ألمانيا النازية ليجدوا أنفسهم، مثل حنّة آرندت، ضحايا معسكرات اعتقال أخرى في البلدان التي هربوا إليها؛ أصرّت على توقيعها لإلزام الدّول باستقبال طالبي اللجوء الموجودين في خطر يهدد حياتهم في حالة عودتهم إلى بلادهم في وقتٍ كان اليهود فيه لا يزالون يشعُرون بخطر عودة شبح النّازية، بينما الآن، تحاول إسرائيل التملّص من هذه المعاهدة بكلّ الطّرق الممكنة فيما يتعلّق باللاجئين الأفارقة في إسرائيل.

وكما يكشِفُ ملفّ اللاجئين الأفارقة عن أزمة هويّة عنصريّة في إسرائيل، كذلك يكشِفُ عن آليّات عمل الدّولة فيما يتعلّق بكل من هو غير يهوديّ ومُصنَّف كخطَرٍ محتمل على "يهوديّتها". ففي العام 2010 صادقت الحكومة الإسرائيليّة على إقامة معسكر اعتقال كبيرٍ يتّسع لسجن عشرة آلاف مهاجر أفريقيّ لاحتجاز من يحاول التسلل إلى إسرائيل عبر حدودها مع مصر. وقد نصّ القرار على إقامة معسكر اعتقال في منطقة النّقب جنوبي إسرائيل وتزويد المحتجزين الأفارقة فيه باحتياجاتٍ أساسيّة كأماكن للنوم، الطعام والشّراب، وكذلك الخدمات الصحّية.

في تعقيبه على القرار آنذاك، قال رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو: "إنّنا ملزمون بوقف موجة المتسللين"، مؤكداً أنّ القرار لا يستهدفُ لاجئي الحرب، بل "جموع المتسللين"، وذلك مُصطلَحُ ثابِتٌ في الإعلام الإسرائيليّ والخطاب الحكوميّ يُستخدَمُ للإشارة إلى اللاجئين لتجريدهم من حقوقهم القانونية والإنسانيّة كلاجئين إنسانيين وتحويلهم إلى "متسللين" و"مخربين". ونصّ القرار الإسرائيليّ آنذاك على أنّه سيكون بإمكان المهاجرين الأفارقة تقديم طلبات لجوء في إسرائيل خلال فترة أقصاها عام واحد منذ دخولهم إلى البلد، لكنّ الواقع منذُ العام 2010 وحتّى الآن يُبيّنُ أنّ إسرائيل عملت كل ما بوسعها بشكلٍ رسميّ وغير رسميّ، لمنع اللاجئين من الوصول إلى مراكز تقديم طلبات لجوء، إعاقة فحص هذه الطلبات، تضييق الحياة اليوميّة عليهم من خلال خصم شهريّ من رواتبهم، التضييق على أماكن عملهم، وأخيراً محاولات الحكومة الإسرائيليّة المتكررة لإعادتهم إلى بُلدانٍ أفريقيّة كرواندا وأوغندا مقابل رشاوي ماليّة إسرائيليّة لمسؤولي تلك البُلدان.

ادّعاءات مركزيّة حول اللاجئ الأفريقيّ

تردُ في تقرير أعدّه مركز مدار العام 2012 يتضمّن رصداً لمظاهر التحريض العنصريّة وجرائم الكراهية والتمييز ضدّ طالبي اللجوء الأفارقة خلال الفترة بين كانون الثاني – حزيران 2012، مجموعة من الادّعاءات المركزيّة حول اللاجئين الأفارقة التي تُبرِّرُ وتدعم السلوكيّات العنصريّة الإسرائيليّة بإزائهم وكذلك محاولات ترحيلهم المستمرّة.

الادّعاء الإسرائيليّ المركزيّ حول اللاجئين الأفارقة، كما يؤكد التقرير، هو أنّ الذين يجتازون الحدود من مصر ليسوا لاجئين – وعليه لا يتمتّعون بالحقوق القانونيّة الدوليّة للاجئ، بل هم متسللون باحثون عن عمل أو "متسللو عمل". ويمثّل هذا الادّعاء الموقف الرسميّ لدولة إسرائيل، وعليه تنبني سياسة الدّولة التي تعمل على إعاقة عملية تقديم اللاجئين لطلبات لجوئهم. إذ يمنع جميع المواطنين السودانيين والإريتريين الذين يشكّلون أكثر من 80% من طالبي اللجوء في إسرائيل من تقديم طلبات فردية للحصول على ملجأ.

كذلك يُشكّل استخدام مصطلح "متسللين" الذي استخدم في خمسينيات القرن الماضي لوصف الفدائيين الفلسطينيين الذين "تسللوا" لتنفيذ "عمليات تخريبيّة" في إسرائيل، أساس اعتبار اللاجئين تهديداً أمنياً على دولة إسرائيل. وكذلك أساس استخدام مصطلحات خطابيّة أخرى تستخدم لوصف الفلسطينيين "المخرّبين"، وتطبيقها على اللاجئين الأفارقة، كمصطلح "الغزاة" الذي استخدمه عدد من أعضاء الكنيست الإسرائيليّ وأوساط أخرى مؤثّرة على الرأي العام في وصف طالبي اللجوء الأفارقة. أمّا على المستوى القانونيّ الذي يحاول تجريد اللاجئين من حقوقهم القانونيّة، فثمّة مصطلح آخر تستخدمه الحكومة الإسرائيليّة ووسائل الإعلام لوصف طالبي اللجوء وهو "ماكثون غير قانونيين"، والذي يرتبط أيضاً بدخول وتسلل الفلسطينيين غير القانوني إلى إسرائيل. وذلك على الرّغم من أن الواقع هو أنّ طالبي اللجوء الأفارقة يمكثون في إسرائيل بصورة قانونيّة، إذ يحصلون على تأشيرة شهريّة من قبل وزارة الداخلية تصل لفترة أربعة أشهر، وتمنحهم وضعية قانونية مؤقتة حتّى موعد طردهم من إسرائيل. لكن هذه المكانة لا تعطيهم حقوقاً مثل الحق في العمل أو حقّ تلقّي خدمات الرفاه أو الصحّة.

الادّعاء المركزيّ الآخر حول اللاجئين الأفارقة هو تصنيفهم على أنّهم مجرمون، ذلك على الرّغم من أن بيانات الشّرطة الإسرائيليّة تظهر بصورة ثابتة أنّ الإجرام في صفوف طالبي اللجوء أقلّ بكثير من الإجرام لدى الجمهور الإسرائيليّ. إلّا أنّ الرأي العام ووسائل الإعلام الإسرائيليّة تصرُّ على إظهار طالبي اللجوء على أنّهم يميلون للإجرام وأنّهم خطر على المجتمع الإسرائيليّ. وعادة ما يُربَطُ هذا الادّعاء عقبَ حوادث اغتصاب أو اعتداء على أيدي طالبي لجوء أفارقة، ويستمدُّ قوّته من خطابٍ تاريخيّ أبيضٍ عنصريّ حول الذّكر الأفريقيّ كمتوحّشٍ مُغتصِبٍ بربريّ يُشكِّلُ خطراً على المجتمع الأبيض وتحديداً على النّساء البيض.

ومن الادّعاء السابق يظهر ادّعاء آخر عن اللاجئين بوصفهم مصدراً لانتشار الأوبئة والأمراض، خاصّة بسبب حوادث الاغتصاب التي ربطها وزير الداخلية الإسرائيليّ الأسبق إيلي يشاي، في تصريح صحافيّ، بانتشار مرض الإيدز في المجتمع الإسرائيليّ قائلاً: "هناك الكثير من النساء في تل أبيب اغتصبن، لكنّهن يخشين من تقديم شكاوى حتّى لا يوصمن بأنهن حاملات لفيروس الإيدز". وفي المقابلة نفسها أيّد يشاي أقوال البروفسور رافي كارسو الذي ادّعى أنّ 50% إلى 60% من مرضى الإيدز المشخّصين في إسرائيل هم من اللاجئين، وأنّ نسبة 50-60 أو حتّى 80% من مرضى السل هم من اللاجئين. ووصف كارسو اللاجئين بأنّهم "مستودع للأمراض"، محذّراً الإسرائيليين من تناول الطعام في مطاعم يعملون فيها حيث من الممكن أن ينقلوا عدوى أمراضهم إلى الإسرائيليين عن طريق غسل الأطباق أو لمس الصنابير!

كذلك تستخدمُ الحكومة الإسرائيليّة خطابها حول الفلسطينيين كخطرٍ ديمغرافيّ وأمنيّ في وصف اللاجئين الأفارقة، فالادّعاء الأكثر حضوراً ضدّ طالبي اللجوء هو أنّهم يشكّلون تهديداً ديمغرافياً لوجود دولة إسرائيل كدولة يهوديّة، ذلك على الرّغم من أنّ مكانتهم في إسرائيل لا تكفل لهم حق المواطنة أو التجنيس، بل تكفل إمكانية ترحيلهم بشكل دائم. ويستخدم نتنياهو هذا الادّعاء بشكلٍ دائمٍ عند تطرّقه لمسألة اللاجئين، ففي شهر أيار عام 2012 قال "إنّ هذه الظاهرة خطيرة للغاية وهي تهدد الأمن القومي والهوية القومية. إنّها تعويم وإلغاء لهويتنا كدولة يهودية وديمقراطية. هؤلاء الـ60 ألف متسلل يمكن أن يصبحوا 600 ألف، ما قد يؤدّي إلى إلغاء دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطيّة". وأخيراً يحضرُ الادّعاء الأمنيّ الإسرائيليّ الذي يُصنّف اللاجئين الأفارقة كخطرٍ أمنيّ في ضوء إمكانية قيام تعاون بينهم وبين عناصر إرهابيّة. فقد ربط وزير الداخلية الإسرائيليّ الأسبق ما بين الأعمال غير القانونيّة وإمكانيّة تحولها إلى عمليّات تخريبيّة معادية، زاعماً أنّ هناك معطيات واضحة جداً لدى الشرطة الإسرائيليّة على هكذا نوايا. ووصف وزير الأمن الداخلي السابق إسحاق أهرونوفيتش اللاجئين بأنّهم "قنبلة موقوتة"، وذلك "ليس بسبب أحداث العنف التي يتورط فيها المتسللون فقط، بل بسبب الخشية من إمكانية تعاونهم مع منظمات إرهابية"!

قانون منع التسلل ومعسكرات الاعتقال

صادق الكنيست الإسرائيليّ العام 2013 على قانون منع التسلل، الذي سمح باحتجاز جميع طالبي اللجوء في معتقل "حولوت"، إضافة إلى بنودٍ أخرى صُمِّمَت للتضييق على اللاجئين الأفارقة في إسرائيل ودفعهم إلى العودة "طواعية" إلى بلدانهم.

ينصّ القانون على سجن طالبي اللجوء الذين دخلوا حديثاً إلى إسرائيل لمدّة ثلاثة شهور، ومن ثمّ نقلهم إلى معسكر "حولوت" واحتجازهم لمدّة أقصاها 20 شهراً. وذلك بالإضافة إلى اقتطاع 20% من راتب اللاجئ العامل وإيداعه مع 16% من الراتب يدفعها المشغل في "صندوق توفير"؛ ولا يتمكّن اللاجئ من استعادة هذه الأموال إلا في حال مغادرته إسرائيل وبعد اقتطاع الضرائب من هذه الأموال. وقد استمرّت هذه السّياسة حتّى العام الماضي، إذ حكمت المحكمة الإسرائيليّة العُليا بعدم قانونية هذا القانون، وفرضت على الدّولة إعادة أموال ما يقارب 36 ألف طالب لجوء فقط أخذت منهم منذ العام 2017.

ووفقاً للمعطيات حتّى شهر شباط 2015، فإنّ إسرائيل احتجزت في معسكر "حولوت" 1940 طالب لجوء في ظروفٍ مزرية للضغط عليهم ليغادروا إسرائيل. ووفقاً لمنظمة "أساف" لمساعدة اللاجئين الأفارقة، فإنّ السياسة الإسرائيليّة تجاه اللاجئين الأفارقة وتحديداً طالبي اللجوء السودانيين والإريتريين الذين يشكّلون الغالبية من طالبي اللجوء الأفارقة في إسرائيل، خلقت حالة من اليأس الشّديد والعجز بين طالبي اللجوء تمثّل في حالة من الشّعور بانعدام الأمن، والتخوف الدائم من الاعتقال أو الطّرد. وهي ظروف إلى حدّ ما تشبه تلك الظّروف التي قالت المفكّرة الألمانية اليهوديّة بأنّها "جحيم على الأرض"، في وصفها لمعسكر الاعتقال الفرنسيّ الذي وضعت فيه مع يهود آخرين هرَبوا من جحيم النازية إلى معسكر اعتقال فرنسيّ آخر صنّفهم على أنّهم "أعداء أجانب"، تماماً مثلما تصفُ إسرائيل الأفارقة الفارّين من جحيم الحروب الأهلية على أنّهم "أعداء/مستودع أمراض/خطر أمنيّ ومتسللون".

وإضافة إلى السياسات المنهجيّة التي تتبعها إسرائيل للتضييق على اللاجئين الأفارقة، يتعرّضُ اللاجئون أيضاً للاعتداءات وأعمال التنكيل اليوميّة تقريباً من قبل منظّمات وناشطين إسرائيليين معادين للمهاجرين الأفارقة، ينظّمون "غزوات ليليّة" على الأحياء التي يقطنها اللاجئون وأماكن عملهم، وذلك يتضمّن الاعتداءات الجسديّة واللفظيّة عليهم لمحاولة طردهم من هذه الأحياء التي بدأت توصف بـ"مناطق معادية للدولة وخارج نطاق سيطرتها".

وتعتقد نوعا كوفمان، مركّزة دائرة اللاجئين وطالبي اللجوء في جمعية "عنوان العامل"، أنّ المنظمات الناشطة في أوساط اللاجئين الأفارقة تتوقع أن يفاقم الضرر المترتب على هذه الإجراءات وإسقاطاتها أوضاع اللاجئين الاقتصادية والاجتماعية والدّفع بهم إلى مراحل خطيرة من الفقر في بلادٍ يفتقرون فيها إلى أيّ نوعٍ من شبكات الدّعم الاجتماعيّ. وتعتقد كوفمان أنّ الضرر سيلحق بالمناطق السكنيّة التي يسكنُها اللاجئون الأفارقة بما يشمل المجموعات السكانيّة الأخرى، في ظلّ تهميش تلك المناطق وتعرّضها لإهمال رسميّ منذ سنواتٍ طويلةٍ من قبل الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة.

ملاحقات شعبيّة ورسميّة

ويكشف سلوك بعض المجموعات الإسرائيليّة تجاه اللاجئين الأفارقة عن نمط متكرر وثابتٍ في العلاقة بين السياسة والمجتمع في إسرائيل؛ فعندما لا تتمكّن المؤسسة الرسميّة في إسرائيل من تطبيق سياساتها العنصريّة تجاه ضحاياها تظهر مجموعات متطرّفة في المجتمع تأخذُ على عاتقها تطبيق تلك السياسات بالقوّة على الأرض. فمثلما تمارس مجموعات استيطانيّة ويهوديّة متطرّفة سلوكيّات عنصريّة يمكنُ وصفها بممارسات "صيد العرب" في مدينة القدس وكذلك في الضفّة الغربيّة، هناك أيضاً مجموعات متطرّفة عنصريّة تمارس ما يمكن وصفه بممارسات "صيد الأفارقة" في المدن الإسرائيليّة. وقد بدأت هذه الممارسات بالظهور بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيليّة في أيلول عام 2014 بإلغاء "قانون المتسللين" الذي سنّه الكنيست الإسرائيليّ، وكانت تلك المرة الثانية التي تقضي فيها المحكمة العليا بعدم دستورية هذا القانون. وهو القانون الذي كان مستمداً من قانون العام 1954 لمحاربة "المتسللين" الفلسطينيين من خلال رفع درجة خطورة "مخالفة التسلل" في القانون الجنائي الإسرائيليّ ومن خلال إنشاء جهاز قضائي عسكريّ يستطيع محاكمة المتسللين بعيداً عن النظام القانوني المدنيّ في إسرائيل.

واضطّرت الحكومة الإسرائيليّة إلى إطلاق سراح 2200 لاجئ أفريقي في أعقاب قرار المحكمة العليا كانوا معتقلين في معتقل "حولوت"، إضافة إلى إطلاق سراح 500 آخرين من اللاجئين كانوا معتقلين في معتقل "سهرونيم". وفي أعقاب هذه القرارات تصاعدت جرائم الكراهية ضدّ طالبي اللجوء، والدعوات لإنقاذ "يهودية" المدن الإسرائيليّة من موجات "الأفْرَقَة" التي تهدد طابعها اليهوديّ والعبريّ. تلك الجرائم كانت موجودة أصلاً من قبل هذه القرارات، ولكن على خلفيّة تصاعد خطاب الكراهية في وسائل الإعلام الإسرائيليّة، ومع تصاعد استخدام كراهية اللاجئين في الخطابات الانتخابيّة، تحولت هذه الممارسات إلى ظاهرة يوميّة ضدّ اللاجئين الأفارقة الذين يمتنعون عن التبليغ عن هذه الجرائم لاعتقادهم بأنّ الشرطة لن تساعدهم وخشية من أيّ احتكاكٍ مع السلطات. وقد اشتملت تلك الجرائم على اعتداءات لفظيّة وجسديّة وكذلك رسم شعارات وكتابات عنصريّة على جدران المباني والشوارع التي يسكنونها، في تطابقٍ استثنائيّ بين الممارسات العنصريّة ضدّ اللاجئين الأفارقة وتلك الممارسة ضدّ الفلسطينيين في القدس والضفّة الغربيّة.

تظهر هذه الممارسات العنصريّة بشكلٍ واضحٍ في مدينة تل أبيب، وفي التغطيات الإعلاميّة التي تعالج وجود اللاجئين الأفارقة في المدينة. ففي تقرير لـ"المشهد الإسرائيليّ" عن التغطية الإعلاميّة لوجود اللاجئين الأفارقة في تل أبيب، تظهر ممارسات الشّيطنة التي تُبرِّرُ لاحقاً ممارسات القمع والطّرد التي يتعرّض لها اللاجئون. والتقرير يرصدُ المحاولات الإعلامية لتصوير مدينة تل أبيب كمدينة تخسر طابعها العبريّ واليهوديّ في ظلّ سيلٍ من المضايقات والعنف اللفظيّ والجسديّ الذي يتعرّض له سكان المدينة اليهود من قبل "المتسللين الأفارقة"، الذين تفوّهوا بعباراتٍ مثل: "هذه الشرطة هي داعش"، "دولتكم مقرفة"، "هذه ليست دولتكم"، "أنتم مهاجرون"، "الشكر الجزيل لهتلر وللنازيين". كذلك يستخدم التقرير الصّورة النمطيّة للأفريقيّ المغتصب الوحشيّ، بالإتيان على ذكر "حالات الاغتصاب الوحشية" التي ارتكبها اللاجئون الأفارقة. وتأتي هذه الاتّهامات لغاية إثارة القلق من "حقيقة" أنّ الأحياء السكنيّة الجنوبيّة في مدينة تل أبيب "أصبح فيها عدد المتسللين الأفارقة يفوق عدد الإسرائيليين اليهود"، حيثُ تشير المعطيات إلى أنّ عدد "المتسللين الأفارقة" حتى العام 2016 في مدينة تل أبيب تراوح بين 48 و60 ألفاً، في مقابل انخفاض في عدد الإسرائيليين الساكنين في تلك الأحياء إلى 39 ألفاً حتّى نهاية العام 2014. كذلك يلفت التقرير إلى أنّ هناك عشرات آلاف العمال الأجانب واللاجئين الذين يتوافدون إلى المدينة في نهايات الأسابيع، وذلك يعني أنّ عدد الأجانب في تل أبيب كبير جداً، وأنّه إذا ما استمرّ الوضع كما هو عليه، فمن المؤكد أنّ عدد الأجانب في جنوب تل أبيب سيزداد باستمرار خلال السنوات القليلة القادمة.

بالنّظر إلى الادّعاءات المركزيّة السّابق ذكرها حول اللاجئين الأفارقة، يمكنُ تفسير هذا النّوع من التغطيات الإعلاميّة على أنّه متّسق مع الخطاب السياسي الرسمي في إسرائيل والذي يحذّر بشكلٍ دائمٍ من التهديد الديمغرافي، العرقي والأمنيّ، الذي يمثّله اللاجئون الأفارقة على دولة إسرائيل. كذلك يكشِفُ عن أنماطٍ ثابتة في السّياسة الإسرائيليّة إزاء الآخر الأفريقي أو الفلسطينيّ على المستويين الرسميّ والشعبيّ؛ وهي الإقصاء، الشيطنة أو اللاأنسنة، والممارسات القمعية الفرديّة والمؤسساتيّة التي تستمدُّ شرعيّتها من أيديولوجيا الدّولة العنصريّة في إسرائيل.

مصادر:

*"حرب متواصلة، رسمية وإعلامية وشعبية، ضد اللاجئين الأفارقة في إسرائيل"، ملحق المشهد الإسرائيلي، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 18/5/2017.
*"إسرائيل تستخدم مصطلحات لطرد طالبي اللجوء الأفارقة كالتي استخدمتها ضد عودة اللاجئين الفلسطينيين"، ملحق المشهد الإسرائيلي، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 9/4/2015.

*"إسرائيل مستمرّة في ملاحقة اللاجئين الأفارقة حتى طردهم عن بكرة أبيهم"، ملحق المشهد الإسرائيلي، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2/1/2014.
*"اليمين الإسرائيلي: اللاجئون الأفارقة "برميل بارود" في جنوب تل أبيب"، ملحق المشهد الإسرائيلي، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 4/4/2017.
*"القوانين العنصرية التي تم سنها ضد طالبي اللجوء الأفارقة مستمدة من قوانين سنتها إسرائيل ضد الفلسطينيين"، ملحق المشهد الإسرائيلي، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 8/1/2013.

*"إسرائيل 2012: اللاجئون الأفارقة سرطان"، أوراق إسرائيليّة (58)، ترجمة: سعيد عياش، إعداد: أنطوان شلحت، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، أيلول 2012.
*"’إنه مكان يحطمونك فيه’: لماذا لا تزال معسكرات الاعتقال باقية معنا"، دانييل تريلينج، فسحة ثقافية، 1/3/2021.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

هل ستنجح ميراف ميخائيلي في اعادة تنظيم حزب العمل واستعادة سيادته في اسرائيل؟

الانهيار السياسي لحزب العمل سبق جولات الانتخابات الأخيرة!

في تقرير مدار الاستراتيجي الأخير بشأن المشهد الإسرائيلي 2020-2021 تمّ التطرّق، لدى الحديث عن نتائج انتخابات الكنيست الـ24 التي جرت يوم 23 آذار الفائت، إلى المفاجأة التي سجلها حزب العمل في إثر انتخاب عضو الكنيست ميراف ميخائيلي رئيسة له، بحصوله على سبعة مقاعد بعد أن كانت كل استطلاعات الرأي العام تتوقع له قبل انتخابها ألا يتمكن من اجتياز نسبة الحسم.

وأشرنا إلى أن أهم أسباب تلك التوقعات تعود إلى ما يلي:
أولاً، بعد انضمام حزب العمل إلى الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو، تراجع تأييد الحزب لدى قواعده التي اعتبرت هذه الخطوة "خيانة"، فقررت التصويت لأحزاب بقيت في المعارضة وفي مقدمها حزب "يوجد مستقبل". وعندما تم انتخاب ميخائيلي عاد جزء من المصوتين إلى الحزب، لا سيما بعد قرار الانسحاب من الائتلاف الحكومي.

للمزيد
أثر التلوث الساحلي في إسرائيل.

منظمات مستقلة: وزارة الزراعة الإسرائيلية تعيق مبادرة تهدف إلى استباق كارثة بيئية جديّة!

تحذّر جهات بيئية، من منظمات مستقلة وهيئات رسمية، في إسرائيل، من خطر وقوع أضرار بيئية فادحة يصعب تقدير حجمها ونطاقها، بسبب نمط معيّن من الصيد البحري بالقرب من خطوط إمدادات الغاز المستخرج من مستودعات في قاع البحر الأبيض المتوسط.

وقد استعرض موقع التحقيقات الصحافية الاستقصائية العبري "شكوف" بعض مستجدات هذه المسألة، وخصوصا التقاعس الحكومي عن معالجة الخطر المحتمل على الرغم من وجود اقتراحات علاج وصفها بالبسيطة قياسا بحجم الضرر الذي يُخشى وقوعه.

للمزيد
عوديد غولدرايخ (يمين) ويوآف غالانت.

"محكمة العدل العليا" تُشرعِن معاقبة عالِمٍ عالميّ بجريرة آرائه السياسية!

بحُكهما القضائي الذي أصدرته يوم الخميس الأخير، ارتكبت "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية جملة من الأخطاء التي يمكن القول، دون مغالاة، إنها تضعها في موقف مناقض لاسمها ("العدل") ومناقض لقرارات سابقة صدرت عنها، بل مناقض لكل ما في الديمقراطية من حقوق وقيم فيما يمكن اعتباره اعترافاً رسمياً تسجله هذه الهيئة القضائية الأعلى في إسرائيل بزيف "الديمقراطية الإسرائيلية" المُدّعاة ومدى ضيق حدودها، ليس القومية ـ العرقية فحسب، وإنما السياسية أيضاً.

للمزيد
الأحد, أبريل 18, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

إسرائيل "قوة إقليمية" مأزومة داخليًا!

تقرير مدار الاستراتيجي 2021: المشهد الإسرائيلي 2020

لقراءة التقرير