تؤكد التقارير الصحافية الإسرائيلية أن الاستثمارات الإسرائيلية في الإمارات العربية المتحدة سبقت الإعلان عن اتفاق التطبيع مع إسرائيل بسنوات طويلة جدا، ومنها من يذكر العام 2008، ولكن فتح مكتب المصالح في سنوات التسعين من القرن الماضي يدل على أن إسرائيل موجودة هناك قبل سنوات طويلة. واليوم يجري الحديث عن 300 شركة إسرائيلية تنشط هناك، إنما من خلال شركات عالمية، أما الآن فإن العلاقات الاقتصادية ستكون مباشرة.

وأبرز مسارات التبادل الاقتصادي التي تتحدث عنها إسرائيل هي: الاستثمارات المالية المتبادلة، والصناعات الحربية، والنفط. ولكن منذ الآن تعرف إسرائيل أنها لن تكون وحيدة في الإمارات، فقد سبقها العالم كله تقريبا الى هناك، ولذا ستنتظرها منافسة شديدة.

والمنافسة الأشد لإسرائيل ستكون في قطاع الصناعات الحربية، كما سنرى لاحقا، لأنه بحسب ما نشر، فإن كل المشتريات الحربية الإماراتية تحتكرها تقريبا الشركات الأميركية، بنحو 20 مليار دولار سنويا. ورغم ذلك فإن إسرائيل تطمح إلى وضع موطئ قدم لها في هذه "الكعكة الكبيرة" بالنسبة لها.

وفي حديث لصحيفة "غلوبس" الإسرائيلية، تقول الخبيرة الاقتصادية الإسرائيلية، المختصة بمجالات التطوير الاقتصادية، طالي زينغر، والتي عملت سابقا في صندوق استثماري حكومي لإمارة دبي، إن البيروقراطية في دولة الإمارات هي من الأقل عالميا، وإن فرصة أن يفتح حامل جواز السفر الإسرائيلي حسابا بنكيا في الإمارات ستكون سهلة، وحتى أنها تتوقع أن تكون هناك تسهيلات للشركات الإسرائيلية للعمل في دولة الإمارات.

ويقول زئيف لافي، نائب المدير العام لاتحاد الغرف التجارية الإسرائيلية، والمختص بمنصبه بالعلاقات الدولية، للصحيفة ذاتها، إن 300 شركة إسرائيلية تعمل في دولة الإمارات حاليا، ولكن غالبيتها القصوى جدا تعمل من خلال بعثات أو شركات عالمية. وهذا الشكل من العمل، يخلق صعوبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، أما الآن، وفي ظل الوضع الجديد الناشئ، فإن هذا الحاجز سيزول، وسيكون العمل متاحا مباشرة.

ويضيف لافي أن دول الخليج مجتمعة تشكل رابع منطقة عالميا من حيث حجم الاستيراد، وهي بحاجة للكثير من المواد الخام، والتكنولوجيا والمعلوماتية، والبضائع الصناعية، وهذا على ضوء القوة الشرائية الضخمة جدا في دول الخليج كلها؛ وهنا الحديث يدور ليس فقط حول الإمارات، وإنما حول كل دول مجلس التعاون الخليجي، والتي بحسب تقارير إسرائيلية، فإن دولا أخرى من المجلس في طريقها لإبرام اتفاقيات مع إسرائيل، وخاصة البحرين وسلطنة عمان.

المجالات الاقتصادية

وهذه هي أبواب التبادل الاقتصادي التي عرضتها الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية، غداة الإعلان عن التطبيع بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة:

*الصناعات الحربية: كما سبق أن ذكر، فإن إسرائيل تعرف أنه تقريبا كل صفقات التسلح الإماراتية يتم إبرامها مع الولايات المتحدة الأميركية، ويجري الحديث عن 20 مليار دولار سنويا، من أصل 23 مليار دولار، هي ميزانية الدفاع الإماراتية السنوية. ورغم هذا، تطمح شركات الصناعات الحربية الإسرائيلية لأن يطالها ولو قسط من تلك الصفقات، خاصة في مجال الهايتك الحربي، والسايبر، ومنذ الآن تعمل شركات إسرائيلية في الإمارات، ومنها من وضع قدمه هناك منذ العام 2008. ولكن يشار هنا إلى أن العديد من الشركات الحربية الإسرائيلية فيها مساهمات أميركية، كما أن مشاريع صناعات حربية إسرائيلية فيها مساهمات وتمويل أميركي، ما قد يخفف من حدة المنافسة من ناحية إسرائيل.

*النفط: حسب ما ذكرته صحيفة "ذي ماركر"، فإن الكمية الأكبر من النفط القادم لإسرائيل يتم شراؤه من إقليم كردستان العراقي، عن طريق تركيا. وتأمل إسرائيل أن تنوّع مشترياتها من النفط، لتستورد مباشرة من الإمارات، الغنية أيضا بالغاز، ولكن إسرائيل دخلت أسواق الغاز العالمية، بسيطرتها على حقول غاز كبيرة في البحر الأبيض المتوسط، وبدأت في التصدير تدريجيا في السنوات الثلاث الأخيرة.

*الاستثمارات المالية: من أبرز التوقعات الاقتصادية أن تبذل الشركات الإسرائيلية، وخاصة الشركات الصاعدة- "ستارت أب"- في مختلف قطاعات الهايتك، جهودا لتجنيد رؤوس أموال إماراتية للمساهمة في هذه الشركات، وأيضا دفق استثمارات إماراتية كبيرة على البورصات الإسرائيلية. ولذا فإن أحد التقارير الاقتصادية الصحافية الإسرائيلية توقع أن تساهم هذه الاستثمارات في وضعية البورصات الإسرائيلية، التي تلقت ضربة جدية في النصف الثاني من شهر آذار الماضي، في أعقاب أزمة كورونا، وما تبعها من أزمة اقتصادية؛ وما تزال البورصات الإسرائيلية على ذات الهبوط، بنحو 18%، منذ 5 أشهر. ويوم الأحد (أمس) الذي جاء بعد الإعلان عن اتفاق التطبيع، سجلت البورصة الإسرائيلية، بمختلف مؤشراتها، ارتفاعا يقارب نسبة 1,5%. كذلك لا تستبعد التقارير الإسرائيلية أن تكون هناك استثمارات إماراتية في قطاع العقارات، بمعنى مبان ومشاريع بناء، دون أي ملكية للأرض.

*الرحلات الجوية: وهذه ستكون مشروعا مركزيا بالنسبة للمواصلات الجوية، فإن إسرائيل تتوقع أن تدخل شركة الطيران الإماراتية على خط المنافسة، لنقل مسافرين من إسرائيل إلى الشرق الأقصى، ولمناطق أخرى في العالم، بعد أن تحط طائراتها في مطار إسرائيل الدولي. كذلك تتوقع إسرائيل أن يكون مسموحا للطائرات الإسرائيلية استخدام مطار الإمارات كمحطة في الطريق نحو الشرق الأقصى، ولكن هذا سيكون بحاجة لموافقة كل من السعودية والأردن. المتضرر الأكبر من هذا الأمر، ستكون شركة الطيران الأردنية- "الملكية الأردنية"- التي تنقل مسافرين من إسرائيل إلى الشرق الأقصى، بينما شركة الطيران التركية تنافس بالأسعار في نقل المسافرين من إسرائيل إلى دول في أوروبا والأميركيتين، بعد التوقف في مطار إسطنبول.

*قطاع الصحة: تعترف التقارير الإسرائيلية بأن دبي رائدة في السياحة الصحية، وأن لديها طواقم طبية على مستويات عالية جدا في العالم، ولكن تم إدراج احتمال أن يستوعب القطاع الصحي السياحي في إمارة دبي أطباء وطواقم طبية إسرائيلية. كما أنه من المتوقع أن تستوعب السياحة الصحية الإسرائيلية مرضى من الإمارات ذاتها.

*التعليم العالي: تقول التقارير الإسرائيلية إن المعاهد العليا الإسرائيلية ستكون قادرة على استيعاب طلاب جامعيين من دولة الإمارات، بادعاء أن الجامعات الإسرائيلية تستوعب طلابا عربا، بقصد الفلسطينيين في إسرائيل، وأيضا طلابا أجانب، أي أن عامل اللغة لن يكون عائقا أمام الطلاب من الإمارات، بحسب الاعتقاد في إسرائيل.

*الزراعة: رغم الجغرافيا الصحراوية في الإمارات، فإن إسرائيل تتوقع أن تعمل شركات إسرائيلية في تطوير الزراعة النباتية في المناطق الصحراوية، خاصة وأن شركات كهذه قدمت خبرتها إلى دول أفريقية.

*السياحة: نظرا لعدد السكان الأصليين في الامارات، حوالي 4 ملايين نسمة، فإن إسرائيل لا تتوقع أن تساهم السياحة إليها من الإمارات في ازدياد أعداد السياح سنويا، ولكن ستكون ما تسمى "سياحة ذات جودة"، بمعنى أن السائح الذي سيصل من هناك سيكون معدل صرفه أعلى من معدل صرف السياح إلى إسرائيل. في المقابل، فإن إسرائيل تتوقع أن يكون في المرحلة الأولى تدفق لسياح إسرائيليين على دبي، ولكن نظرا لكلفة السياحة هناك، وهي أعلى من السياحة في إسرائيل، فإن أعداد السياح ستكون محدودة أيضا. زد على هذا أن نسبة عالية من اليهود الإسرائيليين بحوزتها جوازات سفر ثانية من أوطانها الأصلية، ومن كان معنيا سافر إلى دبي والإمارات وزارها من قبل.

*الصادرات: حسب ما ينشر في الصحافة الإسرائيلية، فإن الصادرات الإسرائيلية لدولة الإمارات لا تتعدى حاليا عشرات ملايين الدولارات سنويا، هي في غالبيتها بضائع وخدمات تتعلق بالتقنيات العالية، الهايتك. أما الآن، وعلى ضوء مستوى المعيشة العالي لدولة الإمارات، ومستوى الأسعار، فإن إسرائيل ترى أن سوق الإمارات ستكون مفتوحة أمام بضائعها، خاصة من البضائع ذات الكلفة العالية، التي يتركز تصديرها للدول الغنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما الكبرى منها.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

إسرائيل: علاقة الدولة بالجيش وبالفكر العسكري

أعاد تأسيس حزب الجنرالات "أزرق أبيض" إلى الأضواء مجدّداً موضوع كون الجيش الإسرائيلي بمنزلة المعهد الأهم لتخريج القيادات السياسية والحزبية، والذي نتناوله في إحدى مواد هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" عبر عرض الوقائع وإضاءة الدلالات التي أحالت إليها، سواء في الماضي أو في الوقت الراهن، وهي دلالات عديدة ليس أبسطها ظاهرة عسكرة الأحزاب أو لهاثها وراء العسكر، بوصفها ظاهرة عابرة لكل الأحزاب بغض النظر عن هويتها الأيديولوجية.

وعادة عندما يتم درس حالة المؤسسة السياسية الإسرائيلية وبشكل خاص مسألة من الذي يسيطر ويحكم في إسرائيل قولاً وعملاً، وهو ما لا يتم في فترات متقاربة، يشير معظم الدارسين إلى عدد من "الشبكات" غير الرسمية، وغير المنتخبة، وتعمل غالباً

للمزيد
تظاهرة نسائية في اللد احتجاجا على قتل النساء في العام 2016.

"الجانب الاقتصادي وتحريف سياقاته" في خطة الحكومة الإسرائيلية بخصوص الجريمة في المجتمع العربيّ (قراءة ثانية)

هذا هو الجزء الثاني من مقال يتناول خطة حكومية إسرائيلية تحمل العنوان "توصيات لجنة المديرين العامّين للوزارات بشأن التعامل مع الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ"، ويترأسها مدير مكتب رئيس الحكومة وتضم نظراءه في وزارات عدة. وسيتم هنا تناوُل الجانب الاقتصادي الذي عالجته اللجنة ارتباطاً بقضية تفويضها: مواجهة الجريمة والعنف. ويجدر القول إن مجرّد التطرّق الى هذا الجانب، وهو الطبيعي والمفروض منطقياً وعلمياً في أي مكان آخر، يُعد "تطوراً" في الحالة الإسرائيلية؛ إذ تم على الدوام نسْب الجريمة والعنف بين المواطنين العرب الى "ثقافتهم" أو "عدم احترامهم القانون". فجرى تجريم العرب بما يتعرضون له من عنف وجريمة. أما وقد تناول أخيراً مستند رسمي القضية من جانبها الاجتماعي- الاقتصادي، فهو عملياً تكذيب مهم لمجمل الخطاب الرسمي الدارج على ألسن عنصرية مختلفة وكثيرة في المؤسسة الحاكمة.

للمزيد
تظاهرة نسائية في اللد احتجاجا على قتل النساء في العام 2016.

في "سياسات الإتاحة" لقتل النساء الفلسطينيات: قراءة في أدوار الدولة والشرطة والمجتمع!

تتواصل مظاهر الجريمة والعُنف ضدّ النساء في المجتمع الفلسطينيّ في الداخل، وكان آخرها حادثةِ الأسبوع الماضي، التي أدت إلى مقتلِ وفاء عباهرة في بلدةِ عرّابة (الجليل)، فيما يشبه الإعدام الميدانيّ حيثُ قام المجرم زوجها السابق بطعنِها في الشارع بعد أن صدمَ سيّارتها.

للمزيد
الجمعة, نوفمبر 27, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية