يواجه بنيامين نتنياهو تحديات مختلفة، من حيث مستواها ومضمونها، في كل ما يتعلق بمخططه فرض ما تسمى "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة المحتلة، منها على المستويين العالمي والإقليمي، وآخر على مستوى قادة كبار في الأجهزة العسكرية والأمنية، وأيضا في الأوساط السياسية التي تعترض على الضم، من منطلق أنه يضر باستمرار "إسرائيل كدولة يهودية". ولكن ثمة تحد آخر سيواجهه نتنياهو في الكنيست من كتل ونواب اليمين الاستيطاني، خاصة كتلتي المعارضة "يمينا"، بزعامة نفتالي بينيت، و"يسرائيل بيتينو"، بزعامة أفيغدور ليبرمان. وحتى أن المنافسة ستكون داخل كتلة الليكود، ولكن هذه سيبت بها نتنياهو شخصيا.

بموجب البند 29 في اتفاقية الائتلاف بين الليكود و"أزرق أبيض"، جاء ما يلي: "في حال أراد رئيس الحكومة عرض اقتراحه على الكنيست، فإنه يستطيع فعل هذا بواسطة عضو كنيست، وفقط أن يكون من كتلة الليكود، الذي سيلتزم لدى التصويت عليه بالقراءة التمهيدية، بأن يكون نص القانون مطابقاً للاقتراح الذي عرضه رئيس الحكومة في الكابينيت والحكومة. وبعد إقرار القانون بالقراءة التمهيدية، يتم نقل القانون، إلى مسار التشريع الأسرع، وبشكل لا يشوش ولا يعرقل المسار، من قبل رئيس لجنة الكنيست، للبحث في القانون في لجنة الخارجية والأمن".

والقصد من هذا البند، الذي صادق عليه فريق "أزرق أبيض"، أن نتنياهو يريد أن تكون إجراءات الضم من خلال مشروع يقدمه أحد أعضاء الكنيست من كتلة الليكود، يختاره نتنياهو عينيا، من باب تقسيم "غنائم" حُكمه، إن صح التعبير، بغية تعويض نائب يرغب به نتنياهو، لم يحظ بمنصب حكومي أو برلماني هام، أو أنه يريد أن يرفع من شأنه أكثر، رغم أنه في نهاية المطاف، فإن القرار سيكون بيد نتنياهو، ووفق ما يقرره هو.

ولكن في مراجعة أجريناها لكل مشاريع القوانين العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان، حتى يوم الاثنين 15 حزيران الجاري، وجدنا 12 مشروع قانون تقضي بفرض "السيادة"، إما على كل الضفة، أو على مناطق محددة، مع تركيز 10 منها على منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت في الضفة المحتلة. وعدد من المبادرين من نواب كتلة الليكود وأبرزهم النائبان يوآف كيش وميكي زوهر، وعلى الأغلب سيختار نتنياهو أحدهما أو حتى كليهما. ولكن في المقابل، فإن مشاريع قوانين "الضم" جاءت أيضا من كتلتي "يمينا" بزعامة بينيت، التي كان من المفترض أن تكون جزءا من الحكومة، ولكنها لم تحصل على حقائب وزارية طالبت بها، وكتلة "يسرائيل بيتينو" بزعامة ليبرمان، الذي اختار مقاعد المعارضة، وهو قرار أيضا لدى الليكود.

ولذا فإن المواجهة الأولى ستكون في المنافسة على من سيكون صاحب المبادرة الأول، ومتى سيبدأ تشريع القانون، وهناك قد تنشأ تعقيدات نعرضها من باب كيفية سير العمل البرلماني.

فعلى سبيل المثال، في حال قرر نتنياهو، وبسبب ظروف قاهرة، تأجيل عرض مشروع قانون الضم على الهيئة العامة للكنيست، فإن كتلتي المعارضة "يمينا" و"يسرائيل بيتينو" قد تبادران لعرض مشاريع قوانينهما في أول شهر تموز من باب المقارعة. وهنا سيكون نتنياهو أمام مأزق سياسي، وفي ذات الوقت برلماني. ففي حال قررت حكومته رفض مشاريع قوانين تقدمت بها كتلتا المعارضة، وتم عرض هذه القوانين على الهيئة العامة للكنيست، وتم رفضها في شهر تموز، لأنها لم تأت من كتلة الليكود، وممن اختاره نتنياهو، فإنه لن يكون بإمكان الهيئة العامة للكنيست البحث في مشاريع قوانين مطابقة، إلا بعد مرور 6 أشهر على رفض الكنيست مشاريع قوانين المعارضة، إلا إذا قدمت الحكومة من جانبها مشروع قانون للضم.

وهناك قضية أخرى متعلقة بما سيجري في الكنيست من باب الافتراض، ففي حال أصر بنيامين نتنياهو على الشروع بإجراءات الضم في الكنيست، ولو من باب إقرار مشروع القانون بالقراءة التمهيدية فقط، وتأجيل المسار التشريعي لموعد آخر؛ وفي حال قررت كتلة "أزرق أبيض" معارضة مشروع القانون، ومعها نائبا حزب العمل، فإن الائتلاف الحاكم سيبقى مع 56 نائبا، على افتراض أن نائبين آخرين منشقين عن تحالف "أزرق أبيض" السابق، يوعز هندل وتسفي هاوزر سيؤيدان القانون. في هذه الحالة، فإن مشروع القانون سيحتاج لدعم من المعارضة، ليصل إلى أغلبية، رغم أنه ليس قانون أساس، وليس بحاجة إلى أغلبية 61 نائبا، كأغلبية عددية، من أصل 120 نائبا، بل تكفي أغلبية النواب في المتواجدين وقت التصويت في الهيئة العامة للكنيست. ولكن عدم حصول مشروع قانون كهذا على أغلبية مطلقة من مجموع عدد أعضاء الكنيست الكلي، سيُضعف الموقف السياسي لنتنياهو حتى أمام العالم، رغم أن قانونا كهذا له أغلبية جارفة من حيث المبدأ، لا تقل عن 90 نائبا، سنعددهم هنا لاحقا.

ونحن أمام عدة سيناريوهات، منها أن يجد مشروع القانون معارضة الأغلبية، من باب أن كتلة "يمينا" ستبرر موقفها المعارض، بأن مشروع القانون لا يتجاوب مع تطلعات عصابات المستوطنين، التي تطالب بضمان تواصل جغرافي بين جميع المستوطنات وحتى أصغر البؤر الاستيطانية، لأنه بحسب الخرائط المعدّة، فإن المخطط سيترك 16 مستوطنة وبؤرة استيطانية جيوبا تحيط بها بلدات فلسطينية. كذلك يطالب المستوطنون بأن يكون الضم منفصلا تماما عما تسمى "صفقة القرن"، التي تذكر مصطلح "دولة فلسطينية"، رغم أنها بحسب ما تذكره تلك الصفقة هي دولة مسخ، مجرد كانتونات بالكاد متصلة مع بعضها، ولا سيادة كاملة لهذه الدولة المحاصرة من الجهات الأربع، ومن الجو، وحتى أن ما في باطن الأرض ليس لها، مثل موارد المياه، ولا اتصال مباشر لها مع دول العالم، وغيرها من المواصفات. أما كتلة "يسرائيل بيتينو" بزعامة ليبرمان، وعلى الرغم من مواقفها اليمينية الاستيطانية، ولها مشروع قانون بخصوص الضم، بات على جدول الأعمال، ففي حال رأت أنه ليست لحكومة نتنياهو أغلبية مطلقة، فإن ليبرمان لن يكون حبل الخلاص لنتنياهو، لأن الخصومة بينهما ليست سياسية بل باتت على المسار الشخصي.

وقد ذكر سابقا، أنه بعد انتخابات آذار الأخيرة، كشفت مصادر في محيط أفيغدور ليبرمان، أنه في السنة الأخيرة، وُجهت سبع شكاوى بالفساد ضد ليبرمان وأفراد في عائلته، وتبين له أن خمس شكاوى منها، وصلت أطرافها إلى محيط نتنياهو شخصيا.


ما يراد قوله، إنه في حال قررت كتلة "أزرق أبيض" الاعتراض على مشروع القانون، فإن إقراره بالقراءة التمهيدية على الأقل سيواجه تعقيدات برلمانية، ولكن في نهاية المطاف إذا قرر نتنياهو، فإن الضم سيجد أغلبية.

من يؤيد ومن يعارض الضم من حيث المبدأ

في ما يلي نستعرض مواقف كل الكتل البرلمانية، التي قسم منها تشرذم بعد انتخابات آذار، إزاء مسألة الضم، لنجد أن أكثر من 90 نائبا في الكنيست، من أصل 120 نائبا، يؤيدون الضم. وسيكون عرض المواقف من أكبر الكتل حتى أصغرها.

**كتلة الليكود ولها 36 نائبا، تؤيد فرض ما تسمى "السيادة" على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة، منذ الآن، وقسم من نواب الكتلة يؤيدون فرض "السيادة" على جميع أنحاء الضفة المحتلة.

**كتلة "يوجد مستقبل وتلم"، ولها 16 نائبا، وهي في المعارضة، وكانت جزءا من التحالف السابق لـ "أزرق أبيض"، هذه الكتلة تؤيد بالمبدأ ضم الكتل الاستيطانية، وبضمنها غور الأردن، واستمرار احتلال مرتفعات الجولان السورية. وهذا ما ورد في برنامج التحالف الذي أقر قبل انتخابات نيسان 2019، ولكن ذلك البرنامج تحدث عن ضم في إطار اتفاق إقليمي شامل. إلا أن نواب حزب "تلم" الثلاثة، برئاسة موشيه يعلون، يؤيدون الضم الفوري، ولكن لن يفعلوا هذا دعما لحكومة نتنياهو، وقد نراهم يغادرون القاعة كي لا يعترضوا على الضم.

**القائمة المشتركة، التي تمثل الأحزاب الناشطة في مجتمع فلسطينيي الداخل، وقوى تقدمية يهودية، ولها 15 نائبا، وهي في المعارضة، وترفض كليا الاحتلال وبرنامجها يدعو لدولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس.

**كتلة "أزرق أبيض"، برئاسة بيني غانتس، ولها 15 نائبا، وشريكة في الحكومة، تدعي أنها تؤيد الضم في إطار اتفاق إقليمي، ولكنها وقعت على اتفاقية ائتلاف يقر بمخطط الضم، ما يعني أنه ليس لديها معارضة مبدئية على ضم المستوطنات، بما فيها منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت.

**كتلة شاس للمتدينين المتزمتين الحريديم من اليهود الشرقيين، برئاسة آرييه درعي، ولها 9 نواب، وهي في الائتلاف، تؤيد الضم، خاصة وأن 40% من مستوطني الضفة عدا القدس هم من الحريديم.

**كتلة يهدوت هتوراة للمتدينين المتزمتين الحريديم من اليهود الغربيين الأشكناز، ولها 7 نواب، وهي في الائتلاف، تؤيد الضم، وجمهور هذه الكتلة بالذات هو الأكبر من بين المستوطنين الحريديم في الضفة، بمعنى إذا قلنا إن كل الحريديم يشكلون 40% من المستوطنين من دون القدس، فإن الحريديم الأشكناز يشكلون 26% من إجمالي المستوطنين من دون القدس.

**كتلة "يسرائيل بيتينو" ولها 7 نواب في المعارضة، وهي من اليمين الاستيطاني وتؤيد الضم، ولكن ليس واضحا كيف سيكون أداؤها أمام حكومة نتنياهو في هذا الملف.

**كتلة "يمينا"، ولها 5 نواب في المعارضة، وتمثل التيار الديني الصهيوني، وتضم حزبين، تؤيد فرض "السيادة" على جميع أنحاء الضفة، وفي برنامج أحد الحزبين، "هئيحود هليئومي" (الاتحاد القومي)، يدعو إلى "إقناع" الفلسطينيين بالهجرة من وطنهم، من خلال تضييق الخناق.

**كتلة ميرتس، ولها ثلاثة نواب في المعارضة، تعارض الضم، وبرنامج الحزب السياسي يؤيد دولة في حدود 4 حزيران 1967، ولكن مع تبادل أراض، لمنع اخلاء المستوطنات الكبيرة.

**كتلة حزب العمل برئاسة عمير بيرتس، ولها 3 نواب، اثنان ضمن الائتلاف، ولكل منهما حقيبة وزارية، والنائبة الثالثة متمردة وترفض اعتبار نفسها جزءاً من الائتلاف. الحزب يؤيد ضم مستوطنات ضمن اتفاق شامل، وأداء الوزيرين سيكون بمثل ما تقرره كتلة "أزرق أبيض"، فيما ستعارض النائبة الثالثة الضم، في حال تم طرحه كمشروع قانون على الكنيست.

**كتلة "ديرخ إيرتس"، لها نائبان أحدهما وزير، وهي كتلة انشقت عن حزب تلم، الذي كان شريكا في تحالف "أزرق أبيض"، وهذان النائبان، هما من اليمين الاستيطاني المتطرف، ويؤيدان الضم كليا.

**كتلة "البيت اليهودي" (المفدال سابقا)، تؤيد الضم، وتضم النائب رافي بيرتس، الذي بات وزيرا لشؤون القدس في حكومة نتنياهو، وقد انشق عن تحالف "يمينا" لغرض البقاء في الحكومة.

**كتلة "غيشر" وتضم النائبة أورلي ليفي- أبكسيس، التي انشقت عن تحالفها مع حزبي العمل وميرتس بعد 72 ساعة من انتخابات آذار الماضي 2020، وتؤيد الضم.

 

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, يوليو 05, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية