أثار قرار المحكمة العليا الإسرائيلية شطب "قانون التسوية"، بعد إقرار عدم دستوريته، نقاشاً واسعاً في إسرائيل، ليس في مستوى الجدالات والمناكفات السياسية ـ الحزبية فقط، وإنما في المستوى القانوني ـ القضائي أيضاً وأساساً، وتحديداً فيما يتعلق بأبعاد هذا القرار وانعكاساته على "خطة الضم" التي تستعد الحكومة الإسرائيلية لتنفيذها، من ناحية، كما فيما يتعلق برسائل القرار وإسقاطاته على مسألة مركزية أخرى هي موقف إسرائيل القانوني في دائرة القانون الدولي وبعض المساعي لوضع مسألة الاستيطان برمتها، بكونها جريمة حرب، على طاولة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، لا سيما في ضوء إعلان المدعية العامة في هذه المحكمة، فاتو بنسودا، (في كانون الأول الماضي) أنها قد وجدت مسوّغات قانونية لفتح تحقيق شامل في جرائم حرب محتملة ارتكبتها إسرائيل في الأراضي

الفلسطينية. وهو ما كان نتنياهو نفسه ووزير دفاعه السابق أفيغدور ليبرمان مدركين له تماماً حين أعلنا معارضتهما الشديدة لمشروع "قانون التسوية" الذي قدمه عضو الائتلاف الحكومي السابق، بتسلئيل سموتريتش. فقد قال نتنياهو وليبرمان والمستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، في جلسة المجلس الوزاري المصغر التي عقدت يوم 27 تشرين الثاني 2016 إن "المصادقة على قانون تبييض البؤر الاستيطانية المسمى "قانون التسوية" قد يؤدي إلى فتح تحقيق في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ضد كبار المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية". غير أن نتنياهو عاد وتراجع عن موقفه هذا لأسباب واعتبارات حزبية وانتخابية فانتقل إلى تأييد القانون، متأملاً أن تقوم المحكمة العليا بالعمل المطلوب ـ شطب القانون!

وكانت بنسودا قد حددت، في نص قرارها المذكور، أربع حالات عينية قالت إنها تشكل مسوغات تستدعي التحقيق بشكل خاص، الثالثة من بينها هي "أعمال البناء في المستوطنات"، والتي وصفتها المدعية العامة بأنها "جرائم حرب نفذتها جهات إسرائيلية كانت ضالعة في نقل مواطنين إسرائيليين إلى الضفة الغربية ابتداء من حزيران 2014".

وكما هو معروف، فإن أحد الشروط الأساسية لانتقال التحقيق في مثل هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية هو عدم معالجة الدولة المعنية هذه الشكاوى وعدم التحقيق فيها من خلال سلطاتها وأذرعها الخاصة المسؤولة عن تطبيق القانون. وفي هذا السياق، يندرج قرار المحكمة العليا الأخير هذا في هذا الإطار بالضبط ـ محاولة سدّ الطريق أمام طرح مسألة الاستيطان على جدول أعمال المحكمة الجنائية الدولية، بادعاء النظر فيه، التحقيق فيه واتخاذ قرارات وإجراءات لمعالجته، في داخل إسرائيل.

وهذا ما تنبه له موقع "واللا" الإسرائيلي الذي اعتبر أن قرار المحكمة العليا الإسرائيلية "وجه رسالة" إلى محكمة الجنايات الدولية، التي تنظر حاليا فيما إذا كانت لديها صلاحية النظر في شكوى الفلسطينيين ضد إسرائيل، بينما المدعية العامة في هذه المحكمة، فاتو بنسودا، أكدت وجود هذه الصلاحية. وذكّر "واللا"، أيضاً، بأن "المبدأ الأهم حيال صلاحية محكمة الجنايات الدولية هو ذلك الذي يقرّ بأن الإجراءات يمكن أن تجري في المحكمة الدولية، فقط إذا كانت الدولة ذات العلاقة (إسرائيل) ليست قادرة أو لا تريد حلّه بنفسها. وحقيقة أن قضاة المحكمة العليا وافقوا على شطب قانون كان سيسلب حقوق الفلسطينيين لمصلحة اليهود من شأنه أن يظهر للقضاة في لاهاي أن لا مبرر لتدخلهم".

"الضم لن يحلّ المشكلة"!

يرى البروفسور عميحاي كوهن، نائب رئيس "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، أن المحكمة العليا، في قرارها شطب "قانون التسوية"، أقرّت بصورة واضحة بأن للقانون غاية جديرة: حل المشكلة الإنسانية التي تواجه المستوطنين الإسرائيليين الذين بنوا بيتوهم "بنيّة حسنة" وبموافقة السلطات الإسرائيلية، على أراض تبين لاحقاً أنها ليست "أراضي دولة، وإنما هي أراض بملكية فلسطينية خاصة"، لكن المحكمة شددت على أن "الوسيلة التي اختيرت لتحقيق هذا الغرض "ليست تناسبية"! ناهيك عن أن القانون "يحدد شروطاً وتسويات غير معقولة لإثبات الملكية الفلسطينية على الأرض في الحالات التي تحوم فيها شكوك حول هوية أصحاب الأرض الحقيقيين". وأشار كوهن إلى تنويه المحكمة العليا، في قرارها، بأن "المستشار القانوني للحكومة عرض حلولاً بديلة منطقية ومعقولة، من شأنها حل الإشكاليات الأساسية فيما يتعلق بالحالات التي تصرف فيها المستوطنون بنية حسنة، فعلاً".

ثم يخلص كوهن إلى القول إن قرار المحكمة العليا، الذي يبرز ويؤكد الفوارق في ميزان القوة بين المستوطنين الإسرائيليين في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) وبين الفلسطينيين، "يشكل ضوءاً أحمر تحذيرياً عشية تنفيذ خطة بسط السيادة الإسرائيلية؛ ذلك أن فرض القانون الإسرائيلي سينطوي على مس خطير بحقوق الفلسطينيين في المنطقة، وهو ما سيعود ليُطرح من جديد على المحكمة العليا، بصورة مؤكدة تقريباً".

واعتبر أحد المعلقين في موقع "واللا" أن في قرار المحكمة الأخير "رسالة ضمنية هامة تتعلق بخطوة الضم الجاري التخطيط لها هذه الأيام"، مضيفاً أن "نتنياهو يرفض، على ما يبدو، استيعاب هذه الرسالة"، إذ قال أحد مستشاريه إن "الضم وفرض السيادة الإسرائيلية سيحلان الجزء الأكبر من مشكلة التسوية"، بما يعني أنهما "سيشرعنان المصادرة والاستيطان"، وهو ما رأت د. رونيت ليفين ـ شنور، أستاذة القانون في "المركز المتعدد المجالات في هرتسليا" والتي انضمت إلى أحد الالتماسات ضد "قانون التسوية" (في مقال نشرته في صحيفة "غلوبُس") أنه يستدعي ثلاث ملاحظات في أعقاب قرار المحكمة الأخير: 1. الضم لا يبرر ولا يشرعن إلغاء حقوق الملكية؛ ولذا، فإن القول بأن "بسط السيادة يحل مشكلة التسوية" غير صحيح؛ 2. الضم سيُتبع بتطبيق القانون الإسرائيلي، الذي يتضمن تقييدات عديدة على إمكانية استخدام ممتلكات شخص ما لفائدة شخص آخر؛ 3. بالرغم من أن المحكمة العليا لا تتدخل، عادة، في القرارات المتعلقة بحدود دولة إسرائيل، إلا أن الضم، بكل إجراءاته، ينبغي أن يكون، هو أيضاً، خاضعاً للالتزامات الدستورية والقانونية الأساسية التي شدد عليها قرار المحكمة الأخيرة بشأن "قانون التسوية": المساواة، الكرامة والإنصاف، حتى عند الحديث عن غير اليهود وغير المواطنين في إسرائيل.

في المقابل، اعتبر البروفسور آفي بِل، أستاذ القانون في جامعتيّ بار إيلان وسان دييغو، أن قرار المحكمة الأخير "مضرّ، سياسي ويقوم على مغالطات أساسية" ويشكل تجسيداً لـ "قلة احترام المحكمة العليا للكنيست، باعتباره الجسم الديمقراطي المنتخَب من قبل الشعب ليكون صاحب السيادة وعنوانها"، إذ "يستند قرار المحكمة إلى مواقف القضاة الشخصية، السياسية والقضائية، ومن الواضح أن هذه المواقف متماثلة مع جانب معين في الخارطة السياسية الإسرائيلية". ورأى بِل (في مقال نشره في صحيفة "غلوبُس") أن قرار المحكمة "يخلق لإسرائيل صعوبات كثيرة في الحلبة الدولية، سيكون أعداء إسرائيل مسرورين جداً بتبني التفسيرات التي أوردتها المحكمة العليا للقانون الدولي، بقدر ما يجنح إلى التشدد ضد إسرائيل، في موازاة تجاهل كل شيء آخر، كما فعلت المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية بتعاملها مع (استغلالها لـ) المواد القانونية التي كتبها المستشار القانوني للحكومة... قرار الحكم الممتد على مائة صفحة يوفر الكثير من الذخيرة لأعداء الصهيونية"!

كم هائل من الأكاذيب!

مدير منظمة "بتسيلم"، حجاي إلعاد، اعتبر (في مقال نشره على موقع "محادثة محلية"/ "سيحاه ميكوميت) أن قرار المحكمة العليا بشأن "قانون التسوية" "يصف، بطريقة جميلة، كيف من الصحيح تماماً، من وجهة نظر المحكمة العليا، أن تقوم إسرائيل بالاستيلاء والسيطرة على، ثم بسلب، كل قطعة أرض فلسطينية وتخصيصها للمستوطنات" وأن هذا القرار يمثل "خطوة أخاذة في الاستعلاء: ليس فقط أننا نسنّ القوانين من فوق رؤوس الرعايا، وإنما نجري نقاشاً دستورياً سامياً من فوق رؤوسهم أيضاً ـ إلى هذا الحد نحن متنورون"، وقرار المحكمة "يشطب القانون، في نهاية المطاف، لأنه "غير تناسبيّ" ويقرّ بأن السرقة والنهب هما "لأهداف جديرة" ولكن يجب الامتناع عن تطبيقه بصورة جارفة وعلنية زائدة عن الحدّ"!

يتوقف إلعاد عند جملة واحدة من نص قرار المحكمة (الذي كتبته رئيسة المحكمة، إستير حيوت) تقول: "جزء من الاستيطان في المنطقة ("المنطقة" ـ هو الاسم المستخدم في اللغة القانونية الإسرائيلية عند الحديث عن الضفة الغربية) أقيم بصورة غير قانونية على أراض لم تكن معدة لذلك". وعلى هذه الجملة، تحديداً، يقترح إلعاد، بسخرية، منح حيوت "جائزة إسرائيل"، مضيفاً: "قلائل جداً هم الموهوبون ما يكفي ليستطيعوا حشر كل هذا الكم الكبير من الأكاذيب في هذا الكم الصغير جدا من الكلمات: ذلك أن الحديث هنا ليس عن "استيطان" وإنما عن جريمة حرب؛ وهذه ليست "المنطقة" وإنما مناطق محتلة؛ وليس الحديث عن "جزء" (من الاستيطان) وإنما عن الكل، الذي يشمل الكل"!

ويعتبر إلعاد أن القاضي المستوطن نوعم سولبيرغ (الذي رفض شطب القانون)، هو "الوحيد الذي يقول الحقيقة"، لأنه "لا يتساذج" بأن مسألة صلاحية الكنيست بشأن سن قوانين خاصة بالمناطق الفلسطينية لا تزال غير محسومة عنده، كما يفعل زملاؤه الآخرون، بل يكتب بصورة مباشرة وواضحة: "إذا كان الكنيست يرغب في فرض قوانينه على المنطقة، فله ذلك".

"قانون التسوية" ـ اقتراح جديد ومسوّغات قانونية

غداة إصدار المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها النهائي القاضي بإلغاء "قانون التسوية" لاعتباره غير دستوري، سارعت عضو كنيست ميخال شير (الليكود) إلى تقديم اقتراح لـ "قانون تسوية" آخر، بديل، تختلف صيغته قليلاً عن صيغة القانون الذي أمرت المحكمة بإلغائه، وذلك تنفيذاً لتعهدات حزب الليكود "بالعمل من أجل سن قانون جديد"، في تعقيبه على قرار المحكمة الأخير واعتباره "تدخلاً مؤسفاً من جانب المحكمة العليا التي شطبت قانوناً هاماً للاستيطان ومستقبله"، فيما قال رئيس الكنيست ياريف ليفين (ليكود) إن قرار المحكمة الأخير يعكس "حرباً بين السلطات" (القضائية والتشريعية والتنفيذية) وأن "الكنيست لن يسكت بعد الآن إزاء المس المتواصل بصلاحياته ومكانته"، بعدما "داست العليا اليوم، مرة أخرى ووفقاً لنهجها المرفوض، على الديمقراطية الإسرائيلية وحقوق الإنسان الأساسية للكثيرين من المواطنين الإسرائيليين" (يقصد المستوطنين) وأن "المحكمة العليا، بقرارها الأخير الذي صدر من غير صلاحية، أحدثت شرخاً جديداً في المجتمع الإسرائيلي ... وهي تخطو، بخطوات مهولة، نحو أزمة دستورية غير مسبوقة في إسرائيل"!

وكما كان متوقعاً في كثير من التوقعات والتحليلات السابقة (وزير العدل الجديد، آفي نيسانكورن، قال: إشكاليات هذا القانون كانت معروفة للجميع وإلغاؤه كان متوقعاً من جانب كل أطراف الخارطة السياسية في إسرائيل")، لم تجد المحكمة العليا الإسرائيلية مناصاً من إصدار قرار نهائي يجزم بعدم دستورية "قانون التسوية" وبالنتيجة العملية المترتبة على ذلك: إلغاء هذا القانون، الذي جاء لشرعنة آلاف المباني والبؤر الاستيطانية "غير القانونية" ـ وفق القاموس السياسي، الاستيطاني الإسرائيلي ـ القائمة على أراض بملكية فلسطينية خاصة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، وذلك بأثر رجعي، إذ ينص القانون على تجميد "إجراءات تطبيق القانون" والأوامر الإدارية الصادرة بحق 16 مستوطنة وبؤرة استيطانية "غير قانونية" لفترة سنة كاملة منذ يوم نشر القانون في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ، على أن تقوم سلطات الاحتلال (من خلال "الإدارة المدنية") بفحص إمكانيات مصادرة الأراضي المقامة عليها تلك المستوطنات والبؤر، من خلال آلية "قانونية" خاصة لتأهيل تلك "البؤر" وشرعنتها بأثر رجعي.

والمباني الاستيطانية التي يقصدها نص القانون تقوم في المستوطنات والبؤر التالية: عوفرا، عيلي، نتيف هأفوت، كوخاف هشاحر، متسبيه كرَميم، ألون موريه، معاليه مخماش، شافي شومرون، كدوميم، بساجوت، بيت إيل، يتسهار، هار براخا، موديعين عيليت، نوكديم وكوخاف يعقوب. كما خوّل القانون الحكومة الإسرائيلية (من خلال وزير العدل) صلاحية إصدار أوامر خاصة تضيف بموجبها مستوطنات وبؤراً استيطانية أخرى إلى تلك المذكورة أعلاه، على أن يتم الأمر بمصادقة لجنة الدستور، القانون والقضاء البرلمانية (التي يتمتع الائتلاف الحكومي فيها، عادة، بأغلبية ساحقة!).

ينص "قانون التسوية" على إبقاء الأراضي التي أقيمت عليها البيوت (الاستيطانية) بملكية أصحابها الأصليين (الفلسطينيين)، لكن تقوم الحكومة بمصادرة هذه الأراضي من أيديهم ونقل حقوق استخدامها والتصرف بها إلى "المسؤول عن الممتلكات الحكومية والمهجورة في منطقة يهودا والسامرة"، وهو بطبيعة الحال موظف حكومي تابع لجهاز الاحتلال. في المقابل ـ كما ينص القانون ـ يتم دفع تعويض لأصحاب الأراضي الفلسطينيين بما يعادل 125% من أجرة استخدام الأراضي، أو بالحصول على قطعة أرض بديلة!

عللت المحكمة العليا النتيجة القضائية التي خلص إليها قرارها الأخير بأن "قانون التسوية" جاء ليشرعن، بأثر رجعي وبصورة جارفة شاملة، كل البؤر الاستيطانية اليهودية "غير القانونية" على أراض بملكية فلسطينية خاصة، ولهذا فهو ينطوي على مس حاد وخطير بحقوق السكان الفلسطينيين الأساسية، وفي مقدمتها حقهم في الملكية وحقهم في المساواة، كما يمس بكرامتهم، بما يتعارض مع أحكام ونصوص "قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته" ومن دون أن يستوفي شروط "فقرة التقييد" في هذا القانون، الأمر الذي يجعله (قانون التسوية) قانوناً غير دستوري حُكمه الإلغاء.

وأقرت المحكمة بأن "قانون التسوية" يمس، مساً فظاً، بحقوق الفلسطينيين سكان المنطقة، وخاصة حق الملكية والحق في المساواة، بينما يمنح المستوطنين الإسرائيليين أفضيلة واضحة على الفلسطينيين أصحاب الأراضي، دون أي "فحص عيني للظروف التي أقيمت فيها المستوطنات ولدور الدولة في إقامتها" ودون إقامة "اعتبار كافٍ" لمكانة الفلسطينيين سكان المنطقة باعتبارهم "سكاناً محميين" في منطقة تمت السيطرة عليها بالحرب؛ طبقاً لما تقتضيه أحكام القانون الدولي.

واعتبر قضاة الأغلبية أن القانون "يشرعن، بأثر رجعي، السلب الإكراهي وغير القانوني لحقوق حيازة واستعمال الأراضي التي ثمة لها مالك رسمي مسجل وحقوقه مثبتة عليها، بينما ينص القانون على تسجيل الأراضي التي ليس لها ثمة مالك رسمي مسجل كـ "أملاك حكومية" في غضون 12 شهراً، إلا إذا استطاع أي مدّعٍ حقوق ملكية على الأرض أن يثبت حقوقه هذه خلال فترة زمنية محددة".

وأشارت المحكمة في قرارها إلى المس المترتب على القانون بالحق في المساواة، على خلفية التمييز الذي يكرسه النص القانوني بين "مخالفي البناء" من المستوطنين الإسرائيليين "غير القانونيين" من جهة، وبين "مخالفي البناء" الفلسطينيين، لا بل حتى قياساً بمخالفي البناء في داخل إسرائيل نفسها. وقالت المحكمة إن المس بالحق الملكية وبالحق في المساواة هو "حاد وخطير ولا مفر من الاستنتاج بأن هذا المس غبر تناسبي وبأن الضرر الناجم عن القانون يفوق الفائدة المرجوة منه بكثير"، وخاصة حيال وجود "وسائل قانونية بديلة يمكن من خلالها إيجاد حل لائق" للإشكاليات التي يأتي "قانون التسوية" لمعالجتها، بحيث يكون المس بحقوق الملكية وبالحق في المساواة أخف وطأة بكثير، في كثير من الحالات على الأقل.

في قرارها، الذي اعتمده أغلبية القضاة الثمانية من أصل التسعة، كتبت رئيسة المحكمة ورئيسة هيئة القضاة التي نظرت في الالتماسات، إستير حيوت: "يأتي قانون التسوية ليشرعن، بأثر رجعي، أعمالاً غير قانونية نفذتها مجموعة سكانية معينة في المنطقة (المستوطنون ـ المحرر) من خلال المس بحقوق المجموعة السكانية الأخرى (الفلسطينيون)، وذلك في منطقة خاضعة لسيطرة عسكرية. ليست هذه تسوية "عمياء" تجاه مجموعة المتضررين من تطبيقها وإنما هي تسوية تمس، عن وعي وبصورة غير متساوية، بحق الملكية لسكان المنطقة الفلسطينيين وحدهم فقط بينما تمنح الأولوية لمصالح المستوطنين الإسرائيليين التملكية، دون فحص الأمور بصورة فردية وعينية ودون إعطاء وزن كاف لمكانة السكان الفلسطينيين الخاصة باعتبارهم "سكاناً محميين".

أما القاضي المستوطن نوعم سولبيرغ، الذي بقي وحيداً في رأي الأقلية (1 مقابل 8) الداعي إلى رفض الالتماسات ضد "قانون التسوية" وعدم تدخل المحكمة فيما سنّته الكنيست، فادعى بأنه "يمكن الاكتفاء بتعديل القانون من خلال تقليص تعريف مصطلح استيطان"، بحيث لا يشمل "أراضي زراعية وأراضي منتِجة، لا يشبه إخلاؤها إخلاءَ بيوت سكنية"، ثم تقليص تعريف مصطلح "دولة"، بحيث يقصد مؤسسات الحكم المركزية فقط دون مؤسسات الحكم المحلية والهيئات الاستيطانية، لأن القانون الحالي (قيد البحث) يبتغي "تقديم حل غير اعتيادي لمشكلة قاسية وغير اعتيادية"، ولذلك "لا يمكن بحثه بالأدوات الاعتيادية المتوفرة بين أيدينا"! ورأى سولبيرغ أنه "صحيح أن قانون التسوية يمس بحقين دستوريين هما حق الملكية والحق في المساواة، لكن الغاية الأساسية التي يسعى القانون إلى تحقيقها ـ تسوية، تثبيت وتطوير الاستيطان في يهودا والسامرة وتوفير حلول للمستوطنين الذين شيدوا بيوتهم في المنطقة بنوايا حسنة ـ هي أهداف جديرة بالحماية"! ثم زعم بأنه "صحيح أن قانون التسوية يشذ عن الترتيبات المقبولة والمقرة في القوانين بشأن البناء على أراضي الغير، غير أن الظروف الشاذة قد تبرر إجراءات شاذة أيضا"!

تسلسل زمني

يذكر أن الكنيست الإسرائيلي كان قد سن "قانون التسوية" بقراءة نهائية يوم 6 شباط 2017. وفي آذار 2017، قدم العشرات من رؤساء المجالس القروية والبلدية الفلسطينية، سوية مع نحو 13 جمعية ومنظمة حقوقية إسرائيلية، التماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بإلغاء هذا القانون بدعوى عدم دستوريته.
يوم 17 آب 2017، أصدرت المحكمة العليا أمراً يقضي بتجميد تنفيذ القانون الجديد لمدة شهرين، وذلك استجابة لطلب المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت. ثم عادت المحكمة وأصدرت أمراً آخر يقضي بتجميد تنفيذ القانون حتى البت في الالتماسات المقدمة ضده.

في يوم 9 حزيران الجاري، أصدرت المحكمة العليا قرارها النهائي بشأن القانون والالتماسات المقدمة ضده، وذلك برأي أغلبية أعضاء هيئة المحكمة التي نظرت في الالتماسات المقدمة ضد هذا القانون، إذ أيده 8 قضاة بينما عارضه قاض واحد هو نوعم سولبيرغ، المستوطن في مستوطنة ألون شفوت!

بصورة استثنائية، كانت الحكومة ممثلة أمام المحكمة في هذا الملف بمحامٍ من القطاع الخاص هو د. هرئيل أرنون، بدلاً من المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، الذي رفض تمثيل الحكومة في الدفاع عن القانون أمام المحكمة، بعدما أعلن، مراراً وتكراراً، أن "قانون التسوية" يثير إشكاليات قانونية ـ قضائية معقدة وخطيرة، على المستويين المحلي والدولي. وأكد مندلبليت، المعروف بأنه خبير في القانون الدولي، أنه لن يدافع عن هذا القانون، نيابة عن الدولة (الحكومة) وباسمها، لأنه "قانون غير دستوري ينطوي على انتهاكات فاضحة للقوانين الدولية ويجب إلغاؤه"!

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أغسطس 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية