في الشهرين الماضيين، منذ اقتحام فيروس كورونا لحياتنا، حدثت تغييرات كبيرة في سير وأداء المجتمع والاقتصاد والحيّز، على شتى المستويات: العالمي والقطري والمحلي. لقد تغيرت معايير أساسية، وسُنت قوانين، وتوقف النشاط الاقتصادي الهائل بكوابح ضاجّة، وتوقفت عوالم السياحة والثقافة والرياضة، بالإضافة إلى عرقلة التواصل الشخصي اليومي والأساسي. على الرغم من أن الأزمة ستمر بالتأكيد، فلا يبدو أن الأمور ستعود إلى طبيعتها وسابق عهدها، وقد نكون على أبواب حقبة جديدة، وهي حقبة أسميها "الكورونياليّة".

إن مصطلح "الكورونياليّة"، بالطبع، يردد صدى الكولونيالية، وإن كان ذلك في ظروف مختلفة. مثل الكولونيالية، هنا أيضاً، يبدأ تنظيم الأمور بواسطة غزو خارجي عدواني على حياة مستقرة نسبياً. وهو أيضاً غزو يغير العالم بطريقة لم يستعد لها المجتمع المحلي ويغير بنية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الكورونياليّة، مثل الكولونيالية، تهاجم الوعي أيضاً، وتغيره من خلال بلاغات الزعماء السياسيين ووسائل الإعلام وأصحاب المصالح. خلاف ذلك، سيكون من المستحيل فهم أنه في خضم انتشار المرض بدرجة متوسطة (جدية، ولكن أقل من الأوبئة الأخرى التي انتشرت، سواء في الماضي البعيد أو القريب)، يذعن مليارات الأشخاص حول العالم لقرارات الإغلاق الصارم والدمار الاقتصادي دون احتجاج جارف. كل هذا أصبح ممكناً في ظل جو الطوارئ المفروض وبمساعدة وسائل الإعلام الثرثارة والزاعقة التي تسكب التفاصيل في أعيننا وآذاننا ليل نهار حول "الكارثة" الداهمة. في الساحة الإسرائيلية، من المستحيل فهم انهيار بيني غانتس على ذاته، وإدارة ظهره لمليون ناخب والقيام بإنقاذ خصمه بنيامين نتنياهو، لولا هيمنة خطاب الطوارئ "الكورونيالي".

ما زالت الكورونياليّة قيد التشكل، لكن الإحداثيات القصيرة والمتوسطة المدى بدأت تتضح: قوى السوق تثبت فشلها، وتسلط ضوءاً جديداً على عجزها عن التعامل مع أزمات أقل حدة، مثل تفاقم أسعار المساكن أو تدهور التعليم. الدولة القومية، التي نعاها الكثيرون حتى وقت قريب جداً مضى، تعود إلى مركز الأحداث بقوّة، من خلال سياسة فرض الحدود القاسية والمركزة غير المسبوقة للسلطة من خلال تشريع أنظمة الطوارئ. من وجهة النظر الحيّزيّة، تمر الحياة في سيرورة "إعادة الضبط". الأنماط الجديدة للتفاعل الرقمي والاجتماعي تكتسب زخماً، مع بقاء إمكانية لحدوث تغيير في الحيّز البشري.
لكن على المدى الطويل، وهو الأهم، ما زالت الأمور أقل وضوحاً. فالكورونياليّة تتبدّى كفترة صراع ستدور على اعتماد قواعد جديدة، كما هي الحال غالباً في الأزمات العميقة، التي تخلق فرصاً لتفكيك وبناء النظام والتغيير الهيكلي.

فمن جهة، تعمل القوى الحاكمة المهيمنة على الاقتصاد والسياسة والثقافة بالفعل على تغيير قواعد اللعبة، لغرض القبض على زمام السلطة والموارد، بزعم أنهم يسلكون كما يسلكون "لصالح الجمهور"، بينما هم في الممارسة العملية يسعون الى تقوية وإفادة أنفسهم وترك المحرومين على الهامش. ومن جهة أخرى، بعد فشل قوى السوق والإدارة "النحيلة" في الوقت الحقيقي، هناك بدائل أخرى لإدارة المجتمع، وخصوصا في مجال البنى التحتية الأساسية مثل الصحة والإسكان والمواصلات والتعليم. فقد تصدّعت هذه البنى التحتية بشكل كبير عندما بدأت إدارتها وفقاً لمبادئ الجدوى والربح. فالخصخصة والإهمال اللذان تعاني منهما هذه الخدمات يتبدّيان أمامنا الآن بشكل كامل، وذلك في مواجهة أزمة من المستوى المتوسط لا تهدد غالبية السكان بشكل كبير حقاً.

إن العلاقة بين الكورونيالية والكولونيالية ليست لغوية أو عرضية فقط. فخطر سيطرة قوى الاستغلال أو الاستبداد على المجتمع على خلفية أزمة عميقة، هو أمر معروف من التاريخ القريب والبعيد. في إسرائيل/فلسطين، هذا ليس مجرد تاريخ، بل هو واقع حقيقي وراهن. في الواقع، تدفع القوى الاقتصادية بالفعل من أجل "تقليصات" (مما يعني نقل الموارد من الضعيف إلى القوي، من الجمهور إلى أصحاب وسائل الاقتصاد خاصة، من الأقليات غير الممثلة إلى القوى المهيمنة). وفي الوقت نفسه، تقوم الدولة بنسخ أساليب السيطرة الأمنية من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة إلى اليهود في المدن الإسرائيلية. يعمل معسكر الفصل العنصري السياسي بقوة على ضم أجزاء من الضفة الغربية (بلغة مغسولة "فرض السيادة")، الأمر الذي سيؤدي إلى أن تصبح إسرائيل رسمياً نظام فصل عنصري منفصل وغير متكافئ للمقيمين فيه.

إن أمر الساعة للقوى الديمقراطية، التي تعمل من أجل مجتمع أكثر عدلا واستقرارا، هو الدخول في الصراع على تشكيل سنوات الكورونياليّة. سيكون النضال طويلاً، وعلينا أن نتعلم من دروس احتجاجات عام 2011، التي فشلت في تأسيس حركة تغيير تقدمية يمكن أن تصمد على مر السنين وتمثل جميع فئات السكان. هذا هو الوقت المؤاتي للاستفادة من الفترة الجديدة من أجل تشكيل حركات اجتماعية ونماذج ومؤسسات وآفاق لعقود قادمة، مع البحث عن مسارات جديدة للوصول الى مجتمع عادل ومنصف.
الطريق يبدأ من شراكة يهودية عربية داخل إسرائيل، والتي لا توجد بدونها فرصة للتغيير الديمقراطي والاجتماعي. لكنه طريق يتواصل مع إقامة حركات مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة - الذين يعيشون أيضاً تحت الحكم الإسرائيلي - وحتى مع عدد غير قليل من جماعات في الوسط واليمين، ممن يعارضون نظام الفصل العنصري وتقويض دولة الرفاه. إن المجتمع الذي يقوم على هذه العناصر سيكون أيضاً أكثر حصانة أمام الأزمات الأخرى - الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والصحية والسياسية - التي من المحتمل أن تهبط علينا بشكل متواصل في حقبة ما بعد الكورونياليّة.
________________________

(*) البروفسور أورن يفتحئيل محاضر في الجغرافيا السياسية والدراسات الحضرية في جامعة بن غوريون في النقب. ترجمة خاصة.

 

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الجمعة, أغسطس 07, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية