لا ينحصر أثر تفشّي وباء كورونا على صحّة الأجساد البشريّة فقط، بل يتعدّاها ليشكّل تهديداً على الأمن القومي والأمن الاقتصادي للدول المختلفة، بحيث قد يؤدي فشل الدولة في احتواء الوباء إلى انهيار كامل في النظام والاقتصاد.

في إسرائيل، تتصاعد النقاشات على المستوى الرسمي وعلى مستويات أخرى، حول أثر تفشّي الوباء على الأمن القومي الإسرائيلي.

تقدّم هذه المقالة عرضاً لعدّة دراسات وأبحاث استراتيجيّة إسرائيليّة تفحص أثر تفشّي كورونا على الأمن القومي الإسرائيلي. وتنتهي بملخّص تحليلي سريع.

ثلاثة مسارات

عقد معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، في 12 آذار الماضي، مؤتمراً بدون جمهور، تحت عنوان: "كورونا، الأمن القومي، الديمقراطيّة". ودار مركز النقاش حول مستوى اللايقين العالي عند صنّاع القرار، والفجوات الكبيرة في المعرفة والمعلومات حول طبيعة الفيروس وطرق انتشاره وآليّات السيطرة عليه، والتحديّات الناجمة عن وضع يسهّل انتشار الشائعة والأخبار الكاذبة والاضطرابات ونظريّات المؤامرة.

وقام المشاركون بتحليل عدّة مسارات محتملة، مع التأكيد أنّ أداء الدولة هو أحد العوامل الأساسيّة في ترجيح أحد هذه المسارات.

المسار المتفائل- دولة مع إنفلونزا: الإجراءات والتدابير لاحتواء الجائحة فعّالة، العدوى لا تصيب إلّا مئات ولا تقتل إلّا عشرات. دخول الربيع والصيف وارتفاع درجات الحرارة كفيلان بكبح الانتشار والأعراض. واستعادة العلاقات التجاريّة العالميّة في الربعين الثاني والثالث لهذا العام، واستعادة السياحة، مع انخفاض طفيف في الناتج المحلي الإجمالي.

المسار المتشائم- دولة مريضة: جائحة طويلة لن تنتهي خلال الأشهر الستة القادمة. معظم الدول غير قادرة على احتواء العدوى. تباطؤ النمو في الاقتصاد الأميركي أو نمو سنوي سالب، وهذا أكبر تهديد لإسرائيل. آثار مدمّرة على الناتج القومي الإسرائيلي ونمو سنوي سالب.

المسار الأسوأ- دولة غير فعّالة: خروج المرض عن السيطرة، انهيار الخدمات العامة، تلاشي الثقة بالحكومة والسلطات. انهيار قدرات صمود الأمن القومي أمام التحديّات الاستراتيجيّة، تعاظم الوجود الإيراني في العراق، تنامي قدرات حزب الله، تعافي نظام الأسد.

كما عالجت مجموعة من الدراسات والمقالات، أثر تفشّي وباء كورونا على الأمن القومي الإسرائيلي على عدّة مستويات.

صراع القطاعات والمؤسسات.. دور الجيش

إسرائيل من أكثر الدول استعداداً وجاهزيّة للتعامل مع التهديدات العسكريّة حتّى تلك التي تطال الجبهة الداخليّة. إلّا أنّ التعاطي مع وباء صحّي أمر مختلف تماماً، فهو تعامل مع تهديد مجهول، يشكّل تحديّاً مضاعفاً، في ظل تراجع القطاع الصحّي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، نتيجة التركيز على أولويّات أخرى مثل الأمن القومي. وفي الأسبوع الثاني من الشهر الماضي، أثار جنرالات الجيش جدالات حادّة حول قضيتين أساسيتين: صيانة قدرات الجيش لتفادي الاضطرار لإغلاق وحدات كاملة مثل الطيران العسكري والبحريّة ووحدات استخباراتيّة مختلفة، وتقديم الدعم والمساندة للنظام الصحّي والمدني والشرطة. وعلى عكس التقارير الإعلاميّة لا تبرز عند الجيش إلى الآن ميول في تحمّل أعباء الوباء، فهو لا يملك أيّة أفضليّة على المنظمات المدنيّة مثل الصحّة والشرطة في التعامل مع أزمة صحيّة، كما لا يملك فهماً حقيقيّاً لكيفيّة إدارة الأزمات المدنيّة. إلى الآن لم تظهر عند الجنرالات أيّة اهتمامات بفرض إدارة عسكريّة للبلاد، حيث ينحصر دور الجيش بنظرهم في تقديم الدعم والمساندة الثانوية للمؤسسة المدنية التي من المفترض أن تتحمل المسؤوليّة.

وكشفت أزمة كورونا عن تناقضات حادّة بين القطاع الصحّي الذي يطالب بفرض إجراءات أشد لحماية الصحّة البشريّة، وقطاع الاقتصاد الذي يرفض ذلك لحماية الاقتصاد. وأظهرت ضعف الإمكانيّات الماديّة الإسرائيليّة للتعامل مع الوباء، في نقص الكادر الطبي، ووسائل الوقاية، ونقص منشآت الحجر وسيّارات الإسعاف ووسائل الوقاية والمعدات الخاصّة، ما يعيد للذاكرة عدّة حالات في العقدين المنصرمين، حيث كشفت لجان التحقيق ما بعد الحرب عن ضعف الاستعداد القومي للتعامل مع الطوارئ.

وعرّى الوباء الأزمة المؤسساتيّة التي تضرب هياكل المؤسسات الإسرائيليّة، فعلى سبيل المثال افتقرت مديريّة الدبلوماسيّة العامّة في مكتب رئيس الحكومة إلى مدير لمدّة تزيد عن عام، ما أثّر على نظام المعلومات والتواصل مع الناس، الذي يعتبر سبباً رئيسياً لتدافع الناس في الأسواق مساء السبت 14/3/2020، وإفراغ الرفوف من السلع الأساسيّة. ومن المعلوم أنّ التواصل مع الناس وتوجيه الخطابات الدوريّة هي من أهم الأولويّات في حالات الطوارئ.

يرى البروفسور إفرايم عنبار، مدير معهد القدس للاستراتيجيا والأمن، أنّ الجائحة أضعفت الأمن القومي الإسرائيلي، إذ تعاني العديد من الوحدات في الجيش الآن قصوراً في القوّة البشريّة. ولا يعتقد أنّ الانشغال بكورونا سيؤثر على التوجهات الإقليميّة المعاديّة لإسرائيل. ويرى أنّ هذا الوباء حرب على إسرائيل يشبه من عدّة جهات حالة الحرب التي تستخدم فيها أسلحة بيولوجيّة وكيماويّة. وتحاول الحكومة طمأنة الناس في حال تفشّي الوباء أكثر بتقديم وعود بتدخل الجيش الذي يملك منشآت ومرافق ومعدات كافية للتعامل مع أعداد كبيرة من المرضى، وخبرات إداريّة وتنظيميّة للتعامل مع حالة طوارئ ضخمة، إلّا أنّه تأسس للتعامل مع الزلازل والهجمات الصاروخيّة وليس مع الوباء، حيث سيضعف تدخله حركة المؤسسات المدنية التي تواجه الوباء في الخطوط الأماميّة، ناهيك عن النقص في القوّة البشريّة الذي ستعانيه وحدات الجيش نتيجة إصابات الجنود والضباط بالفيروس وسياسات الحجر. وفي حال تفشّي الوباء ستتأثر قدرات الجيش على الاستجابات السريعة والفعّالة، والتاريخ يقدم لنا عدّة أمثلة عن جيوش تفككت نتيجة الوباء. إلى اللحظة تم تنفيذ تغييرات جديّة وهيكليّة في مجموعة كبيرة من تدريبات الجيش الروتينيّة للتكيف مع الوباء، وخفّضت العمليّات العسكريّة في المناطق ذات الكثافة السكانية في الضفة الغربيّة. كما يمثّل إجراء التباعد الاجتماعي مشكلة في آليّات إدارة الحواجز والمعابر ونقاط التفتيش والتدريبات، ويؤثّر على الروح القتاليّة للجيش ومتانة العلاقات الرفاقيّة بين عناصره. ويمثل الوباء خطراً ماليّاً يهدد تمويل الجيش بسبب التكاليف المباشرة وغير المباشرة على ميزانيّة الدولة. وفي حال استثمرت الحكومة مبالغ ضخمة لإحياء الاقتصاد بعد احتواء الوباء، ستتأثّر ميزانيّات الجيش وخططه طويلة المدى، خاصّة خطّة "القوّة الدافعة- متعددة السنوات" لبناء الجيش، التي وضعها قائد قوّات الجيش في شباط الماضي. وهذا مع استمرار التحديّات الاستراتيجيّة في البيئة الإقليميّة المحيطة بإسرائيل، إذ لم يظهر أي أثر للوباء في تغيير نظرة المحيط المعادي لإسرائيل. فرغم النتائج الكارثيّة للوباء في إيران، إلّا أنّها تستمر في حملتها لطرد الولايات المتحدة من العراق، ومحاولة تأمين طرق لوجستيّة لتوفير الدعم للأسد وحزب الله، كما يستمر الأسد في الاستفادة من الدعم الاستراتيجي الروسي له. ومن جهة أخرى لم تتوقف حملة تركيا للسيطرة على إدلب السوريّة.

ولا يجد مركز القدس للشؤون العامة بديلاً أمام إسرائيل إلّا التركيز على الاستثمار العلمي في تطوير الاستجابات المتقدمّة للفيروس، لتوكيد دورها كمركز للأبحاث العلميّة يخدم أمن الولايات المتحدة والغرب، كطريق وحيد لضمان التفوّق الاستراتيجي الإسرائيلي بعد جلاء أزمة كورونا.

الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي

خصصت واجهة الاستقبال الرئيسيّة على صفحة الجيش الإسرائيلي الرسميّة www.idf.il، للإعلان عن دور الجيش في ظل حالة الطوارئ والتحوّلات في طريقة وهياكل عمله متسلسلة في مسار زمني. ففي التاسع والعشرين من آذار، يؤكّد الجيش دعمه للجهود القوميّة لمكافحة كورونا، ويطبق سلسلة من التدابير لتخفيض أثر الفيروس عليه وصيانة الاستعداد العمليّاتي له. وفي الثامن والعشرين، وضع 3697 جنديا في العزل، 58 من الجنود شخصّوا بالإصابة.

وتحت عنوان كيف يكافح الجيش انتشار كوفيد-19، يسرد الموقع مجموعة من السياسات التي يتبعها الجيش في ظل حالة الطوارئ، مثل منع جميع الجنود من السفر إلى الخارج لأغراض شخصيّة أو مهنيّة إلّا لظروف استثنائيّة ومن خلال موافقة استثنائيّة. ووضع كل الجنود العائدين من الخارج في عزل لمدة 14 يوماً. وكل جندي يشتبه بتقاربه مع أحد المصابين يدخل العزل. وتحديد السقف الأعلى لاجتماعات الجيش بعشرة أفراد، والتجمّع في أماكن مغلقة بثلاثين فرداً، والتجمّع في الأماكن المفتوحة بمئة فرد. وطلب من الجنود الحفاظ على مسافة مترين من بعضهم كحد أدنى. ومنع المدنيون من دخول قواعد الجيش العسكريّة. وكل الجنود الذين يخدمون في القواعد المغلقة أو وحدات القتال أو القواعد التدريبيّة يبقون في مواقعهم لمدّة تمتد لشهر. أي جندي تقارب مع أحد المعزولين يمنع عليه دخول القواعد العسكريّة الحساسة للأمن القومي. إلغاء كل فترات الاختبارات الأوليّة للجنود حتّى إشعار آخر. جميع الجنود يلتزمون بعدم استخدام المواصلات العامّة، وسيقوم الجيش بتوفير وسائل مواصلات بديلة للعساكر. سيخدم الجنود في القواعد المفتوحة بحسب نظام المناوبة لتقليل فرص الاحتكاك. بعد نهاية يوم العمل يتم تعقيم كافّة القواعد. إخلاء جميع المشتبه بمرضهم أو الذين يسجلون درجة حرارة 5ر37 أو أكثر. ينفّذ الجيش دراسات تقدير وضع دوريّة، ويطوّر بروتوكولاته بالتنسيق مع وزارة الصحّة وتوجيهاتها، ويقيّد حركة الطاقم العسكري قدر الإمكان. يقدم الجيش الدعم والمساندة لوزارة الصحّة بنقل المعدّات الطبيّة اللازمة، إذ تم تعيين مئات الجنود من الوحدة العسكريّة لمساندة المستشفيّات لتقديم الدعم اللوجستي والمساندة الإداريّة في عشرة مستشفيّات مدنيّة، وسيساعد الجنود الاحتياط في مهام مثل إخلاء عنابر المستشفيات، وتكييف العنابر لحاجات مختلفة، إنشاء عنابر جديدة، ونقل المعدات الطبيّة. بناءً على طلب الشرطة، قدّم الجيش مئات الجنود للمساعدة في فرض الإغلاق على المدنيين، وهو في هذه المهمّة يتبع لتوجيهات الحكومة ووزارة الصحّة.

في 26 آذار شيّد الجيش وشغّل نظام مواصلات بديلا خاصا للعساكر في تواز مع تعليمات وزارة الصحّة بالتعطيل التدريجي لنظام المواصلات العامة. ولضمان الجاهزيّة العمليّاتيّة، تم تشغيل 260 حافلة تتحرّك بين القواعد على طول البلاد، من الأحد إلى الخميس من كل أسبوع. قبل ذلك بيومين كان الجيش قد افتتح مختبراً لفحص العساكر، قادراً على تنفيذ مئات الفحوص كل يوم تحت إدارة الوحدة الطبيّة في الجيش. وقام الجيش بتحويل فندق كنيرت في مرتفعات الجولان إلى منشأة عزل وتأهيل لاستيعاب 260 مدنيا عادوا مؤخراً من إيطاليا. وقبلها بيومين أرسلت القوّات الجويّة وفداً من 16 عضواً لألمانيا لإعادة جنود كتائب بحريّة مقاتلة إلى إسرائيل وجميعهم دخلوا العزل. وقبلها بيومين قامت كتائب مقاتلة من سريّة البحث والإنقاذ بمساندة السلطات المحليّة في إخلاء وتعقيم نُزُل في بلدة غديرا بعد تشخيص إصابة أحد العاملين هناك. وقامت الوحدات الطبيّة العسكريّة بتحويل منتجع ترفيهي في أشكلون إلى منشأة طبيّة لمعالجة الجنود أصحاب الإصابات المعتدلة بكوفيد-19، ويتواصل المصابون مع الأطباء والممرضين من خلال تطبيق خاص. وبتاريخ19 آذار، بالتنسيق مع وزارة الصحّة والمستشفيّات، وظفّت الوحدة 81 التابعة لإدارة الاستخبارات العسكريّة، خبراتها التكنولوجيّة للمساعدة في إيجاد حلول لبعض أكبر التحديّات الطبيّة التي يفرضها كوفيد-19.

نزع الغطاء عن الوحدة (81)

يسلّط زاك دوفمان الضوء على التحوّلات الهيكليّة والعقائديّة في الوحدة 81 الأكثر السريّة في الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة والمسؤولة عن تطوير تكنولوجيا المساندة لعمليّات القتال. وتحت ضغط تفشّي الوباء، تم رفع غطاء السريّة عن هذه الوحدة، في تحوّل كامل لهدف الوحدة من دعم العمليّات العسكريّة والحروب نحو بذل كل ما يلزم لمواجهة وباء كورونا كأكبر مشكلة تهدد العالم الآن، بحسب أحد كبار المسؤولين في الوحدة. فبعد أن أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حالة الطوارئ لمواجهة العدو الخفي، تم توظيف الأدوات الرقميّة المعقدة لتتبع مسارات المصابين المحتملين، وهذه أوّل مرّة تستخدم فيها هذه الأنظمة على المدنيين، ويرى نتنياهو أنّ هذا القرار يختلف عن كل القرارات الاستراتيجيّة منذ قيام الدولة. ستتاح الحلول التي سيطوّرها خبراء التكنولوجيا الفائقة في الوحدة على الشبكة العنكبوتيّة. كما ستساعد هذه الوحدة في تقديم حلول لبعض التحديّات الطبيّة في ظل الأزمة بالاستناد على خبرات عسكريّة سابقة. فقد أوكل إليها مهام تحويل أجهزة التنفس الصناعي المنزلي إلى أجهزة بكفاءة كاملة للاستخدام في المستشفيات، وتحديد وحدات التهوية المتعطلة في المستشفيات القابلة للإصلاح، وتقديم حلول لاحتواء تدفق الهواء في غرف المستشفيات لاحتواء انتشار الفيروس، وبالاستفادة من تكنولوجيا عزل حجرة السائق عن الهواء والبيئة في المركبات العسكريّة المخصصة لنقل مصابي الحرب، سيتم تجهيز 150 سيّارة إسعاف بهذه التقنية. كما ترنو الوحدة إلى صناعة 1000 كمامّة طبيّة يوميّاً وتطوير برامج محوسبة للمستشفيات قادرة على تخزين وتحليل بيانات المرضى ونتائج الفحوصات.

السلطة الفلسطينيّة وغزّة

يتفق معهد دراسات الأمن القومي مع مركز القدس للشؤون العامة على أنّ الجائحة عززت التعاون والتنسيق الفلسطيني- الإسرائيلي، وأكدت ضرورة وجود سلطة فلسطينيّة قويّة وفعّالة، لأنّ غيابها سيؤدي إلى انتشار المرض في إسرائيل، ومن جهة ثانية منع دخول العمّال الفلسطينيين إلى إسرائيل ينذر بانهيار اقتصادي فلسطيني في الضفّة كمقدمة لحالة فوضى، ما يحثّ إسرائيل على مزيد من التعاون مع السلطة الفلسطينيّة لمنع الانهيار والفوضى.

يرى "مركز القدس" أنّ القضيّة الفلسطينيّة وضعت جانباً وتعطّل تطبيق خطّة ترامب للسلام.
ورغم تصاعد التنسيق مع الفلسطينيين، من غير المرجّح أن يثمر ذلك عن تغيّرات جذريّة في السياسة الفلسطينيّة والموقف من الصراع. وبالنسبة لغزّة، من المرجّح في حال تفشّي الوباء أن تذهب "حماس" إلى توجيه الضغط الشعبي في غزّة ضد إسرائيل.

الوضع الإقليمي

يعتقد بعض الخبراء أنّ التركيز على كورونا قد حدّ من تصاعد الأخطار الإقليميّة. فرغم الأعداد المنخفضة نسبيّاً للإصابات في منطقة الشرق الأوسط، باستثناء إيران، إلّا أنّ الأعداد مرجحة للتصاعد بسبب اكتظاظ المدن، ووجود ملايين اللاجئين والنازحين. ويختلف معهد دراسات الأمن القومي ومركز القدس للشؤون العامة مع هذا الطرح المتفائل، فعلى الرغم من التغيّرات المحتملة الناجمة عن تفشّي الوباء، إلّا أنّ معظم لاعبي الشرق الأوسط يتعاملون معه على أنّه حالة مؤقتة فقط، بمجرّد انتهائها سيستأنفون السعي خلف مصالحهم. ومن المستبعد أن تتغيّر التوجهات السياسيّة المعاديّة لإسرائيل في البيئة الاستراتيجيّة المحيطة. فإيران الأكثر تضرراً من الوباء الذي ضربها وهي في أسوأ حالاتها- ظروف اقتصاديّة سالبة مترافقة مع نمو أزمة النفط وثقة منخفضة بالنظام والتعاطي غير الفعّال مع الوباء الذي عمّق أزمة الثقة بين الشعب والنظام. وهذه التعقيدات تأتي على أرضيّة أزمة نفط متصاعدة وفيضانات طبيعيّة تجتاح الدولة وأزمة الطائرة الأوكرانيّة. ومن جهة ثانية تساهم طبيعة تفشّي الوباء في حماية النظام الإيراني من الاحتجاجات الواسعة. هناك احتمال ولكن بسيط بأن تسرّع إيران مشروعها النووي تحت غطاء الانشغال العالمي بكورونا. وعلى المدى البعيد، ربما تضطر إيران للذهاب إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة من موقف أضعف وتحت سقف أقل، وذلك في ظل تعاظم الفشل المؤسساتي والنظامي والهيكلي الإيراني في إدارة أزمة الوباء وتبعاتها.

من جهة ثانية، أبرزت أزمة كورونا ضرورة تنسيق الجهود مع الدول التي أبرمت اتفاقيّات سلام مع إسرائيل مثل الأردن ومصر والسلطة الفلسطينيّة، كما تمهّد هذه الجائحة لمزيد من التطبيع مع الدول السنيّة.

الصعيد العالمي

يشكّل الوباء تهديداً لمبدأ العولمة، ما يعمّق المسؤوليّة الفرديّة لكل دولة على حدة في التعامل مع الوباء وإنعاش الاقتصاد ما ينذر بتحوّلات هيكليّة في طبيعة النظام العالمي.

تنامي الصراع الصيني الأميركي، والركود الاقتصادي المتوقع في أميركا وأثر كل ذلك على الانتخابات الأميركيّة في تهديد فرص ترامب، والخطط الأميركيّة الجديدة لتخفيض التواجد العسكري الأميركي في الخارج وخاصّة العراق، يفتح الطريق أمام إيران للوصول أكثر إلى حزب الله وسورية. وهذه التغيّرات في وضع الولايات المتحدة كقوّة عالميّة واحتمال فشل ترامب في الانتخابات الرئاسية، تمثّل التهديدات الأخطر على الأمن القومي الإسرائيلي.

تعليق

يجتاح الوباء إسرائيل في ظل تركيبة معقدة وغير مسبوقة من الأزمات السياسيّة الممتدة بعد انتخابات كنيست ثالثة بدون نتائج حاسمة، ونصف الناخبين يعادون نتنياهو ولا يثقون بنواياه، ناهيك عن العجز في الميزانيّة والتحديّات الأمنيّة المعقّدة. وساهمت الأزمة في مزيد من تعرية طبيعة الدولة، فمن جهة كشفت عن طبيعتها الرأسماليّة الجشعة التي تمثّلت في التوتر الذي شاب قطاعات الصحة والأمن والاقتصاد. كما كشفت عن طبيعتها في البيئة الاستراتيجيّة الإقليمية، حيث ورغم تفاقم الأزمة التي تهدد صحّة وسلامة وحياة الأفراد يحتدم النقاش حول الأمن القومي الاستراتيجي وصيانته، كما يحاول الجيش الحفاظ على جاهزيّته الحربيّة ترقبّاً لأيّة أخطار خارجيّة، وبالتالي لم ينخرط بشكل أوسع في مهام مكافحة كورونا على الجبهة الداخليّة، واقتصرت تدخلّاته على النشاطات المذكورة أعلاه. ومن جهة أخرى كشفت أزمة كورونا عن الطبيعة العنصريّة التوسعيّة، من حيث التمييز بين فلسطينيي الداخل واليهود فيما يتعلّق بالتجهيزات والخدمات الصحيّة وتوزيع مراكز الفرز والفحص، والتمييز ضد العمّال الفلسطينيين من الضفّة العاملين في الداخل من حيث الحقوق الاقتصاديّة والتعاطي معهم في ظل الوباء، والتمييز المشين ضد الأسرى الفلسطينيين مع وصول الوباء للسجون، ناهيك عن استمرار الاحتلال في التوسّع الاستيطاني والاقتحامات وهدم المنازل والاعتقالات رغم تعاظم تفشّي الجائحة.

على صعيد ثان، صنّف الموقع الرسمي لائتلاف Deep Knowledge Group ("مجموعة المعرفة العميقة"- ائتلاف لمجموعة من المنظمّات التجاريّة غير الربحيّة، تنشط في مجال البحوث العلميّة والاستثمار والتحليلات والإعلام والعمل الخيري) إسرائيل على أنّها "الدولة الأكثر أماناً في العالم". في حال افتراض موضوعيّة هذا الموقع في التصنيف، فإنّه يقدم دليلاً على نجاح إسرائيل في إحراز أعلى تصنيف في العالم برغم كل التعقيدات الوجوديّة والهيكليّة التي تمرّ بها. ونجح النظام الإسرائيلي في تحويل الدولة إلى مختبر حيّ لمعالجة كورونا، عبر توظيف أحدث التقنيات والتكنولوجيا الفائقة، وبإظهار مرونة هيكليّة ومؤسساتيّة عاليّة في التكيّف مع الوباء في فترة قصيرة، وهذا برز مثلاً في التحوّل الجذري لوظيفة الوحدة 81، ومرونة الجيش في تغيير مرجعيّة بعض الوحدات التي عيّنت لمساندة الصحّة أو الشرطة. كما وجّه مركز حاييم شيبا للابتكار نداءً إلى كل المبتكرين حول العالم يدعوهم لتقديم مقترحات مشاريع تتعلّق بتطوير تقنيّات لمعالجة كورونا، فيما يبدو تنفيذاً لوصيّة مركز القدس للشؤون العامة، الذي اعتبر أنّ الطريق الوحيد الذي سينقذ إسرائيل من الأضرار الاقتصاديّة الناجمة عن الجائحة، ويحجز لها موقعاً متقدماً بعد انجلائها عن العالم، هو الاستثمار الكثيف للموارد الماليّة والبشريّة والتوظيف الأعلى للتكنولوجيا الفائقة والتقنيّات المتقدمة لتطوير ابتكارات وتقنيّات تساعد في علاج الوباء أو احتوائه. ولا بد من القول إن تطوير قطاع التكنولوجيا الفائقة والأمن الرقمي والتقنيّات المتقدمة مثّل مساراً أساسيّاً أحرزت فيه إسرائيل إنجازات متقدمّة وما تزال، وهو مسار اقتصادي أساس لدولة ذات عدد سكّان صغير نسبيّاً تقع في بيئة استراتيجيّة واسعة تعتبرها معادية، وهو المسار الذي جعلها الدولة الوحيدة في الإقليم الفاعلة عالميّاً في جهود مكافحة الوباء والوحيدة التي تشارك في التنافس العالمي المحموم للسبق في تطوير اللقاح.
_________________________________
(*) باحث من نابلس. خاص بـ"المشهد الإسرائيلي"

قائمة مراجع
Harel, Amos. 15 March, 2020. Coronavirus Presents Israel with Novel Threat to National Security. Haaretz.
Inbar, Efraim. 25 March, 2020. Corona Impact on Israeli National Security. Jerusalem Institute for Strategy and Security.
Zak, Doffmen. 20 March, 2020. Coronavirus Fightback: Even Israeli’s Top Secret Unit 81 Has Just Broken Cover for COVID-19. Forbes.com.
Brun, Itai & Gat, Yael. 17 March, 2020. The Corona Crisis and Israel National Security. INSS Insight No. 1274.
Brig.-Gen. (res.) Yossi Kuperwasser. 23 March, 2020. The Significance of the Corona Epidemic for Israel’s National Security. Jerusalem Center for Public Affairs. Yossi Kuperwasser is Director of the Project on Regional Middle East Developments at the Jerusalem Center. He was formerly Director General of the Israel Ministry of Strategic Affairs and head of the Research Division of IDF Military Intelligence.

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية