كشفت إحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية في الأيام الأخيرة عن رسالة أرسلها بيني غانتس، عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، لزملائه في حزبه "أزرق أبيض"، بأن خياره الانضمام إلى حكومة برئاسة بنيامين نتنياهو قد يعني نهايته السياسية، ولكنه ادعى أن المصلحة العامة تطغى على حساباته الشخصية. إلا أن غانتس الذي فكك بيديه تحالفا قويا، لم تشهده إسرائيل منذ سنوات، أنهى بذلك ما من الممكن أن يميزه سياسيا، ويضعه على الخارطة البرلمانية. في المقابل، فإن أفيغدور ليبرمان كسر مرّة أخرى، كل التقديرات والرهانات، حتى بات لغزا سياسيا، ليس واضحا متى نهايته، لا بل إن تفكك تحالف "أزرق أبيض" قد يعطيه دفعة إضافية لولاية برلمانية أخرى مستقبلا.

ويتبين شيئا فشيئا أن الجدل حول خطوة غانتس، داخل تحالف "أزرق أبيض"، دار على مدى أيام ليست قليلة، حتى حسم غانتس خطوته، بدعم من شريكه غابي أشكنازي، وبمعارضة رئيس حزب "يوجد مستقل"، يائير لبيد، ورئيس حزب "تلم" موشيه يعلون. وتبعت هذه الخطوة شروخ إضافية داخل التحالف، فحزب "مناعة لإسرائيل"، الذي يتزعمه غانتس، احتفظ لنفسه باسم تحالف "أزرق أبيض". وهذا كما يبدو لبناء التحالف من جديد داخل ائتلاف حكومة بنيامين نتنياهو المقبلة، لأن حزب "تلم" شهد هو أيضا انشقاق نائبين من أصل خمسة، وهما يوعز هندل وتسفي هاوزر، وهما من اليمين الاستيطاني المتشدد، وبقي يعلون مع نائبين آخرين في تحالف برلماني مع حزب "يوجد مستقبل".

كذلك شهدنا ما هو أشبه بعملية استبدال، فقد انشقت النائبة بنينا تمانو- شاتا عن "يوجد مستقبل" وانضمت إلى غانتس، فيما انشقت النائبة العربية ابنة الطائفة الدرزية، غدير مريح، عن حزب غانتس، وانضمت إلى حزب "يوجد مستقبل"، وبذلك باتت كتلة "يوجد مستقبل- تلم" مع 16 نائبا، مقابل 15 لـ"أزرق أبيض" بحلته الجديدة، التي تشمل النائبين المنشقين عن حزب "تلم".

وكان سؤال تفكك "أزرق أبيض" قد ظهر بعد كل واحدة من جولتي الانتخابات في نيسان 2019 وأيلول 2019، ولكن التحالف أظهر تماسكا؛ وبموازاة ذلك، في كل واحدة من جولات الانتخابات الثلاث، كان يُظهر توجها أعمق نحو مواقف اليمين الاستيطاني، وبالذات في حملة انتخابات آذار الماضي، التي تخللها الإعلان عما يسمى "صفقة القرن"، وتأييد تحالف "أزرق أبيض" لها.

ورغم ذلك، وحسب توقعات سابقة، فقد كان واضحا أن هذا التحالف هو عبارة عن خليط سياسي، في بعض نواحيه هو خليط صدامي، فالحزب الأصغر في هذا التحالف، "تلم" وله 5 نواب، أسسه ويترأسه وزير الدفاع الأسبق موشيه يعلون، وهم جميعا من قلب اليمين الاستيطاني المتطرف. ويعلون من أبرز المتمسكين بما يسمى "أرض إسرائيل الكاملة"، ومعه الباحث اليميني يوعز هندل، وسكرتير الحكومة الأسبق تسفي هاوزر.

أما حزب "يوجد مستقبل"، المنصاع لرئيسه لبيد، فيطغى عليه الطابع اليميني، واليميني العنصري، وكتلة هذا الحزب شاركت في الولاية البرلمانية العشرين، في عشرات القوانين العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان. فهذا الحزب مثلاً هو المبادر لاحتجاز أموال الضرائب الفلسطينية، رغم أنه كان في المعارضة. ولكن فيه أيضا عدد قليل من النواب المحسوبين على ما يسمى "اليسار الصهيوني".

والحزب الثالث، "مناعة لإسرائيل"، الذي أسسه غانتس، هو أيضا يضم خليطا سياسيا، وقسم من نوابه من ذوي الرتب العالية بالأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية، وقسم من نوابه ما تزال هويتهم السياسية مجهولة.

وعلى أساس هذه التركيبة، كان الاستنتاج بأنهم تحالف لن يصمد كثيرا. وهذا الاستنتاج تبدد بعد نيسان وأيلول 2019، ولكنه أظهر شروخا بعد يومين لا أكثر من ظهور النتائج النهائية لانتخابات آذار الماضي، حول الموقف من التفاوض مع القائمة المشتركة، التي زادت قوتها بمقعدين، وطلب دعمها لتكليف غانتس لتشكيل الحكومة، ومن ثم الحديث عن إمكانية دعم القائمة من الخارج لحكومة أقلية. وقد برز في معارضة دعم المشتركة خارجيا للحكومة ثلاثة نواب، وهم السابق ذكرهما هاوزر وهندل، ومعهما غابي أشكنازي، وفي المقابل، فإن النائبة أورلي ليفي المتحالفة مع حزبي العمل وميرتس، أعلنت تمردها، وانشقت عن التحالف، تحت غطاء رفضها لحكومة أقلية مدعومة خارجيا من "المشتركة"؛ ورافضة التوصية بأي من الاثنين غانتس ونتنياهو، ما يعني أن خيار حكومة أقلية قد سقط فورا، في حين أن موقف المشتركة بالتوصية بغانتس، كتكتيك برلماني، لم يكن يعني دعما خارجيا لحكومة أقلية.

والسؤال الذي ما زال مطروحا: ما هي الدوافع الخفية، أكثر من العلنية، التي دفعت غانتس إلى هذه الخطوة، التي اعترف بأنها تعني نهايته السياسية؟

هو يدّعي أن الأزمة الاقتصادية الناشئة، بسبب تفشي وباء الكورونا، ورفضه التوجه لانتخابات رابعة، دفعاه للقيام بخطوة كهذه، من أجل انقاذ الحكم.

ولكن هناك فرضيات أخرى، جعلت الجنرالين غانتس وأشكنازي يضحيان بتحالف قوي أمام الليكود، ومن بين هذه الفرضيات:

* تدخل أميركي ضاغط على غانتس، للسعي إلى تشكيل حكومة، وتجنيب إسرائيل انتخابات رابعة، ستعمّق أكثر أزمتها الاقتصادية.

* أن يكون غانتس وأشكنازي قد تلقيا توجهات خفية من قيادة الجيش، وحتى المخابرات، للعمل على إقامة حكومة، بسبب تحديات ماثلة أمام إسرائيل، استنادا لتقارير سرية تعدها الأجهزة باستمرار، وبضمنها مستقبل إسرائيل الاقتصادي والاجتماعي جراء الأزمة المتفاقمة.

وأيا تكن الدوافع، فإن المنتصر الأوحد في كل هذا، هو شخص بنيامين نتنياهو، ولكن قد يكون انتصاره جاء أكبر مما توقعه هو، إذ أن نتنياهو كان يسعى إلى إحداث شروخ في الكتل المعارضة له، ولكن ليس بهذا القدر في تحالف "أزرق أبيض".

مقابل هذا، فإن أمام حزب "يوجد مستقبل" أساسا، الفرصة الآن، ليتمركز أكثر في الساحة السياسية، وأن يعد نفسه ليحتل مكان تحالف "أزرق أبيض"، وهذا على ضوء أن غانتس يوصف كمن خان مواقفه وجمهور منتخبيه. وكذلك يوصف حزب العمل، الذي رئيسه عمير بيرتس وشريكه إيتسيك شمولي في طريقهما لحكومة نتنياهو، ما يعني بداية الحلقة الأخيرة لحزب العمل ليتلاشى كليا عن الساحة، وهذا ما يجعل "يوجد مستقبل" أمام قاعدة جماهيرية أوسع من ذي قبل.

ما يعني أن "يوجد مستقبل" بات هو العنوان لجمهور مصوتي "الوسط"، أو ما يسمى "اليمين المعتدل. وفي هذا السياق، نشير إلى أن حزب "تلم" بزعامة يعلون، من المستبعد أن يكون قد جنّد جمهور مصوتين، نظرا لكون شخصياته من عمق اليمين الاستيطاني المتشدد.

القضية التي تبقى ماثلة أمام حزب "يوجد مستقبل"، هي أنه رغم وجوده منذ 7 سنوات على الساحة البرلمانية، إلا أنه ما زال بعيدا عن حزب المؤسسات، بل هو حزب يائير لبيد، وحوله عدد من الشخصيات داعمة ومنصاعة له؛ وهذا سيشكل عائقا أمام تمدده أكثر في الشارع، خاصة وأنه الآن بإمكانه أن يتحرك وسط أكثر من مليون ناخب، في أي انتخابات برلمانية مقبلة، في حال بقي عند موقفه الرافض للانضمام لحكومة نتنياهو الخامسة.

ليبرمان يكسر الرهانات

في كل واحدة من جولات الانتخابات الثلاث الأخيرة، كانت تتجه الأنظار إلى شخص أفيغدور ليبرمان، كالحلقة السياسية الأضعف في الكتل المعارضة لاستمرار حُكم بنيامين نتنياهو، بسبب مواقفه السياسية والعنصرية المتطرفة، إلا أن ليبرمان كسر الرهان المرّة تلو الأخرى، حتى الأيام الأخيرة.

فعلى الرغم من أن ليبرمان دعا بعد اندلاع أزمة الكورونا، لتشكيل حكومة وحدة تضم الليكود وتحالف "أزرق أبيض"، دون سواهما، لتخطي الأزمة، وبعدها تفتح الأوراق من جديد، إلا أنه لم يطلب الانضمام للحكومة بشراكة غانتس. فصحيح أن القاعدة الائتلافية باتت كبيرة، وليست بحاجة إلى ليبرمان، خاصة وأن الليكود سيرفض انضمامه إلى حكومته في هذا الواقع المستجد، إلا أن ليبرمان أبرز ثباتا في موقفه.

وليبرمان كسر في العقدين الأخيرين قاعدة أحزاب الرجل الواحد، إذ لم تصمد مثل هذه الأحزاب لأكثر من ولاية برلمانية أو اثنتين، ففي العقدين الأخيرين وحدهما، ظهرت 7 إلى 8 أحزاب، واختفت كليا عن الخارطة بالسرعة التي ظهرت بها، بينما ليبرمان حافظ على تمثيله في ثماني جولات انتخابية، بضمنها الثلاث الأخيرة المتلاحقة. وحتى في انتخابات آذار الماضي، حقق ليبرمان أكثر مما توقعت له استطلاعات الرأي، إذ خسر مقعدا واحدا، بينما استطلاعات الرأي توقعت خسائر أكثر.

وبقي ليبرمان في معادلة نتائج الانتخابات الأخيرة، بيضة القبان، التي يمكنها أن تحسم لصالح استمرار حُكم نتنياهو، إلا أن ليبرمان تشدد بموقفه، وخلافا لانتخابات أيلول، دعم تكليف بيني غانتس، لتشكيل الحكومة، ولم يرفض علنا تشكيل حكومة ضيقة مدعومة من الخارج بالقائمة المشتركة، التي ترفض بعض مركباتها دعم حكومة يشارك فيها ليبرمان.

وكما ذكرنا من قبل، فإن موقف ليبرمان المعلن لا يعني استقامة زائدة لديه بل لمعرفته أنه لم تعد لديه فرصة للبقاء في نهر السياسة الهائج، سوى هذا "اللوح" المسمى علمانية، وبقصد جمهور اليمين العلماني، المتشدد سياسيا وفي علمانيته؛ إذ أن القاعدة الأكبر التي كانت تدعم ليبرمان: المهاجرون من دول الاتحاد السوفييتي السابق في العقود الثلاثة، ابتعدت عنه، ولم يعد ليبرمان عنوانها. فهي على الرغم من محافظتها على بيئتها الاجتماعية، وعدم انصهارها كليا في المجتمع الإسرائيلي، إلا أنها تشتتت سياسيا، وهذا لأن ليبرمان كان ينقلب على كل شعاراته العلمانية، التي كان يطرحها في كل واحدة من الجولات الانتخابية، فور دخوله إلى الحكومة.

كما أن في حسابات ليبرمان في العام الأخير أنه حتى لو تنازل وانضم إلى حكومة ضيقة برئاسة نتنياهو فإنها لن تدوم طويلا، ليس بسبب لوائح اتهام نتنياهو فقط، إنما أيضاً لأنه يعرف أن الصدام مع المتدينين داخل الحكومة آت لا محالة، وأي تنازل عن طلباته سيؤدي إلى تكبده خسارة فادحه في الانتخابات التالية، حتى إلى درجة عدم عبوره نسبة الحسم.

ليبرمان الآن سيجلس مع نواب كتلته الستة الآخرين على مقاعد المعارضة، ولكن في ذات الوقت سيكون شبكة داعمة للسياسات اليمينية المتطرفة، بما فيها قوانين عنصرية واستيطانية، في حال تشكلت الحكومة وبدأ الكنيست ولاية برلمانية عادية.

وفي ظل تفاقم أزمة كورونا، من الصعب رؤية كيف ستتدحرج الأمور في مختلف الاتجاهات، وبعد زوال الأزمة فقط سنعرف أكثر وجهة ليبرمان، الذي قد يكون هو أيضا مستفيدا من تفكك تحالف "أزرق أبيض"، في حال جرت انتخابات في غضون عام أو عامين من الآن.

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية