كان القاسم المشترك للصحف الصادرة عشيّة عيد "سمحات توراه" (الذي يختتم عيد العرش العبري) هو مئير شمغار. فقد توفي رئيس المحكمة العليا ونائب المدعي العام السابق يوم العيد عن عمر يناهز 94 عاماً، وفي الصباح التالي احترمت جميع الصحف اليومية العامة ذكراه واحتلت وفاته العناوين بشكل بارز.

إنه "الإجماع الأخير"، يعرّفه ناحوم بارنياع في "يديعوت أحرونوت"، الصحيفة الوحيدة التي تصدرت وفاته عناوينها الرئيسية. وشمغار، كما يكتب برنياع، هو "آخر صانعي القرار الذين يقبل جميع مركبات المجتمع الإسرائيلي، بمن في ذلك السياسيون، أحكامه القضائية. وحتى عندما اختلفوا معه فعلوا ذلك بأدب، ليس كما عومل خلفاؤه على عرش جهاز القضاء. إن شخصية شمغار قد ساهمت إلى حد غير قليل في ذلك: احترام وليس تخويفا؛ هيبة وليس عضلاتيّة؛ موضوعية وليس بلاغة. ولكن كان هناك شيء آخر، لا يقل أهمية: السياسيون اعتبروه شريكاً، وليس خصماً".

 

كان شمغار ومن خلفه أهارون باراك "شريكين في وقوف المحكمة لحماية الحقوق الفردية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات. كانا أيضاً شريكين في توسيع صلاحيات المحكمة العليا، مما جعلها الحكم الأول في عدد من القضايا السياسية المثيرة للجدل"، كما يضيف برنياع. "وجاءت وفاة شمغار في وقت عصيب للمحكمة العليا. إن المحكمة القوية والموثوقة والرسمية هي إرثه. ومن الواجب الحفاظ على هذا الإرث".

مكانة الإجماع التي يحظى بها شمغار لاقت صداها أيضاً في مقال مردخاي كريمنتسر من صحيفة "هآرتس"، والتي طُبعت فقراتها الافتتاحية على الصفحة الأولى. "تقول الروايات إنه حين عُرض على رئيس الوزراء السابق ليفي إشكول اسم مئير شمغار كمرشح لوظيفة المستشار القانوني للحكومة، أبلغوه أنه خدم في الإتسل وأنه من أنصار حزب حيروت. "لكنه يفهم في القانون"، قال إشكول ساخراً مستخفاً، مؤكداً التعيين"، كما يكتب كريمنتسر.

كريمنتسر الذي يصف شمغار بأنه "أعظم العظماء" يضيف أنه في نظر رئيس المحكمة العليا الراحل "النقد القضائي للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لا يضعف الفصل بين السلطات، بل إنه تجسيد لتحقيق هذا المبدأ". لذلك، عمل شمغار كقاض لتوسيع حق الدفاع، وبالتالي تعزيز الدفاع عن سيادة القانون.

أما توفا تسيموكي وإيتمار أيخنر، اللذان يوقعان معاً التقرير الإخباري في "يديعوت أحرونوت"، فيصفان الفاعلية القضائية بأنه "إرثه الأكثر أهمية". وقد اقتبس الصحافيان من تصريحات شمغار: "أنا أرفع لواء أنه ليس من حق المحكمة التدخل فحسب، بل هذا واجبها أيضاً، بكونها مركز الثقل في وضع القواعد والمعايير للجمهور". وتم تسليط الضوء على هذا النهج أيضاً في عمودين كتبهما لـ "يديعوت أحرونوت" اثنان ممن ترأسا المحكمة العليا بعده، مريام ناؤور وأهارون باراك.

تغطية واسعة جداً لكنها تفتقر إلى النقد تقريباً

"يديعوت أحرونوت" لم تكن فقط الصحيفة التي تعطي أكبر اهتمام لشمغار وإرثه، بل هي أيضاً الصحيفة التي خصصت أوسع مساحة – نحو نصف صفحات الملحق إلى جانب صفحتين كبيرتين من القطع الكبير. وجاءت النتيجة عميقة وسطحية معاً: فمن ناحية، يتم وصف حياته وتراثه وتحليلهما باستفاضة. ومن ناحية أخرى، توصيف "الإجماع الأخير" لدى برنياع مثلاً، والتغطية عموماً تفتقر للنقد تقريباً.

النقد؟ نعم، فليس بالنسبة لكل شخص يعتبر شمغار شخصية إجماع. إن ثورة الفاعلية القضائية التي نسبت إليه وإلى مكمّل دربه هي موضوع ثابت للنقد القاسي في الأوساط اليمينية، كما كانت لسنوات موضوعاً مكروهاً في "يديعوت أحرونوت"، عندما كانت الأجندة القانونية للصحيفة واقعة تحت تأثير خبيري القضاء بوعز أوكون ودنيئيل فريدمان. أما في الدوائر اليسارية، هناك من يتذكر سلباً الطريقة التي قام بها شمغار بإضفاء الشرعية على الاحتلال. هذان النوعان من النقد غائبان تماماً عن "يديعوت أحرونوت" التي كانت في السابق رائدة في معسكر مناهضة الفاعلية القانونية. وحتى في صحيفة "يسرائيل هيوم"، وهي صحيفة ذات أجندة يمينية (وسيتم التطرق لهذا لاحقاً)، لا يوجد ذكر للنقد من النوع اليميني.

أما في صحيفة "هآرتس"، من ناحية أخرى، فقد أكدوا مراراً وتكراراً دور شمغار في شرعنة نظام الاحتلال في الأراضي المحتلة. فعوفر أديرت، في التقرير الإخباري لصحيفة "هآرتس"، ذكر بالفعل في الفقرة الافتتاحية أن منتقدي شمغار "اتهموه بإضفاء الشرعية القانونية على احتلال المناطق" (الفلسطينية). والخبر بحد ذاته شامل ويعرضه كشخصية مهمة لا تتكرر – ولا ينتقص منه ذكر النقد. بل على العكس من ذلك.

ويتكرر النقد الموجه إلى شمغار في افتتاحية "هآرتس"، في نقد أريانا ميلاميد التلفزيوني، وكذلك في المقال الذي نشره جدعون ليفي في قسم الرأي. ويصف ليفي شمغار بأنه "الأب الروحي الأكبر للأراضي المُدارة"، ويدعي أنه "لولا مساهمته، فربما لم يكن الاحتلال سيدوم لفترة طويلة كهذه" (أنظروا استعراضاً مفصلاً في المادة الثانية على هذه الصفحة- المحرر).

تساهم المراسلة المخضرمة توفا تسيموكي في "يديعوت أحرونوت" أيضاً في ملخص شامل لملحق العطلة، في إشارة، من بين أمور أخرى، إلى دور شمغار في حماية الصحافة. "الصحافة الاستقصائية، بالنسبة له، شرط ضروري للحكم العادل"، كما تكتب تسيموكي. و"منذ توليه منصب المستشار القانوني للحكومة، منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، كان يتجنب باستمرار إنفاذ قوانين منع نشر ما يتداول في المحاكم على الصحافيين الذين تجاوزوها".

كان إسهامه الأكبر في حرية الصحافة في قرار حكم يُعرف بـ"قرار حكم تسترين"، الذي منح الدرع الدستوري للسرية الصحافية – "حق الصحافي في عدم الكشف عن مصادر معلوماته في تحقيقات الشرطة أو المحكمة".

جدل عن دور شمغار في حماية الحريات الصحافية

تسيموكي تبالغ في طريقة وصفها لحكم تسترين: فالمحكمة، خلال فترة شمغار وبعدها، لم تمنح أبداً "الدرع الدستوري" لسرية الصحافية. لا يزال يُسمح للمحكمة الإسرائيلية بإضفاء الشرعية على إجراءات التحقيق التي تتجاوز السرية الصحافية، ويمكنها أيضاً أن تصدر تعليمات للصحافيين بالكشف عن مصادرهم. وإذا رفضوا، فقد تفرض عليهم عقوبات.

على أية حال يجادل عوفر أديرت، في "هآرتس"، بأن قرار الحكم الأكثر أهمية الذي أصدره شمغار في شأن حرية التعبير ليس هو الحكم الذي أدى إلى تكريس مبدأ تسترين، بل ذلك الذي "تم تقديمه في الدعوى القضائية التي رفعتها شركة إسرائيل للكهرباء ضد صحيفة هآرتس بسبب نشرها مقالاً ضد السيارة الفخمة التي بحوزة المدير العام للشركة في الستينيات. فلقد قام شمغار بإلغاء قرار المحكمة المركزية، والذي أمر هآرتس بتعويض الشركة والمدير العام، ولكن في جلسة أخرى، تم نقض القرار، وظل شمغار في نطاق موقف الأقلية".

وأضاف الكاتب "وفي كلتا الحالتين، ساهم الموقف المعبر عنه في هذه القضية في تعزيز قيمة حرية التعبير. الحق الأساس المتمثل في حرية التعبير له أهمية حاسمة في تحديد طبيعة النظام... إنه شرط أساسي لضمان وجود وموثوقية معظم الحقوق الأساسية الأخرى... ومنح شمغار حرية التعبير مكانة قانونية عليا. وكتب في قرار الحكم إن إتاحة الإمكانية والفرصة للتعبير عن النقد السياسي والاجتماعي وغيره من النقد لعمل الحكومة ومؤسساتها وشركاتها ومبعوثيها وموظفيها هو مبدأ لا يمكن بدونه الحفاظ على نظام ديمقراطي سليم".

في "يسرائيل هيوم"، كما ذُكر أعلاه، تم تجنب انتقاد إرث شمغار - ولكن حرصوا أيضاً على عدم الثناء عليه بالطريقة التي فعلوها في "يديعوت أحرونوت" و"هآرتس" (عدا انتقادات شرعنة الاحتلال). خبر وفاته (الذي كتبه يائير ألتمان) هو النسخة الدائمة من نموذج التغطية الرسمية في هذه المنشورة الموزعة مجاناً: ترديد صدى اجراءات الحداد (متى ستقام مراسم الجنازة، ومتى سيكون الجمهور قادراً على الوقوف أمام التابوت والتعبير عن الاحترام الأخير)، وحشد من المقتطفات المأخوذة من بلاغات تأبين وبيانات صحافية من السياسيين وكبار مسؤولي جهاز القضاء.

تجاهل الاقتباس الحازم من شمغار: "على نتنياهو أن يستقيل"؟

يركز العمود المرافق للتقرير (في "يسرائيل هيوم")، بقلم المعلق القانوني أفيعاد هكوهين، بشكل أساسي، على مساهمة شمغار في إنشاء مبنى المحكمة العليا. يذكر هكوهين باختصار حق الدفاع المكفول للفلسطينيين ومبدأ تسترين (وإن لم يذكره حرفياً)، ويختم العمود الطويل بقصة مسلية: "في إحدى المرات، طلب أحد المحامين الاستئناف على حكم مخفف صدر ضد مدعى عليه أدين بدفع صديقه إلى أسفل الدرج أثناء مشاجرة بينهما والتي أدت إلى الوفاة، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة عامين.. شمغار، الذي يُعتبر متشدداً في المسائل الجنائية، قال للمحامي: عامان في السجن؟ هل هذا كل شيء؟ لمدة عامين في السجن، لديّ قائمة طويلة من الأشخاص الذين كان يسعدني أن أدحرجهم أسفل الدرج."....

في "يديعوت أحرونوت"، إلى جانب أعمدة التأبين، نشرت أيضاً أقسام واسعة من مقابلة أعطاها للصحيفة قبل عامين. والعنوان الرئيسي في ملحق الصحيفة المسمى "7 أيام" كان اقتباساً حازماً من شمغار: "عندما يتعلق الأمر بهدايا على نطاق كبير من السيجار والشمبانيا، فإن رأيي حازم: يجب على نتنياهو أن يستقيل". أما "يسرائيل هيوم"، من ناحية أخرى، فلا تنشر تذكيراً اليوم بهذا التصريح القاطع، الذي صدر في ذروة التحقيق - قبل صياغة توصيات الشرطة، وقبل لائحة الشبهات بكثير.

بدلاً من ذلك، هناك اقتباسات من مقابلة ("نادرة") أعطاها شمغار إلى غدعون ألون، مراسل الشؤون البرلمانية، قبل ثماني سنوات. الموضوع: تعديل طريقة الحكم. شغل شمغار حينذاك منصب رئيس منتدى حول الموضوع من قبل المعهد الإسرائيلي للديمقراطية (والذي كان في ذلك الحين أيضاً ناشر "العين السابعة"). لذلك، فإن معظم الاقتباسات التي أعيد طبعها الآن تتعامل مع هذه المسألة، والتي ظهر بعد حين أنها منزوعة من سياق إرث الحقوقي الراحل.

الأمر الأقرب إلى الإشارة إلى الانتقاد الموجه لنتنياهو تم دفنه في عمود تأبين كتبه أوريئيل رايخمان، والذي أوضح فيه أن شمغار اتخذ "موقفا واضحا ضد الفساد السلطوي، وفساد المقربين والرأسماليين". أما السياق فقد تم إعفاء القراء منه.
_______________________________
(*) كاتب إسرائيلي. ترجمة خاصة عن مجلة "العين السابعة" الإلكترونية المتخصصة في متابعة وتحليل ونقد المواد الصحافية والإعلامية.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, يوليو 08, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية