جاء أسبوع ونيّف من الجريمة المسلّحة، أواخر أيلول – مطلع تشرين الأول الجاري، في البلدات العربية الفلسطينية داخل إسرائيل ليشكّل ما يشبه القشّة التي قصمت ظهر البعير. فعلى امتداد أسابيع سابقة، وشهور وسنين وقعت جريمة القتل تلو الجريمة بالسلاح، سقط قتلى، وأصيب آخرون، ورافق الرعب وانعدام الطمأنينة أهل بلدات وأحياء بأكملها، ولكن من دون أن يحدث ما يجب، وما جاء أخيراً: هبّة شعبيّة عارمة ضد هذه الجرائم المُقترفة بسلاح بات كالسرطان في انتشاره داخل مجتمع الفلسطينيين ممن يحملون المواطنة الإسرائيلية، ووسط ما يكاد يجمع عليه جميع الفلسطينيين وأحزابهم وهيئاتهم ومؤسساتهم: تقاعس بوليسي مشتق من تقاعس حكومي مقصود ومشبوه يتجاهل الدم المسفوك بسلاح الجريمة الجنائية، لأنه دم عرب.

لقد نشأ تراكم أوصل الأمور الى الذروة، خوفاً ونقمة وإحباطاً ثم غضباً واحتجاجاً، فقررت الهيئات التمثيلية للفلسطينيين في دولة إسرائيل وفي مقدمتها لجنة المتابعة العليا، إعلان حملة احتجاج استثنائيّة شملت الإضراب العام ومظاهرة قطرية (3 تشرين الأول) لم يُخف الداعون إليها ومنظموها لاحقاً ما يشبه المفاجأة من درجة التجاوب العالية معها، وكشف أن التربة لكثرة ما تسرّب فيها من دماء، والأجواء لشدة ما احتقن فيها من غضب، قد أشعلت شرارة هائلة نسبياً، يبدو أنها الكفيلة وحدها لو استمرّت بإحداث الانعطافة المطلوبة.

معطيات مرعبة!

لتوضيح الصورة: أفاد تقرير لمركز "أمان- المركز العربي للمجتمع الآمن" أن إجمالي عدد الضحايا العرب من يوم 1/1/2000 ولغاية 2/5/2018 هو 1263 ضحية . في عام 2014 قتل 61 شخصا من بينهم 53 رجلا و 8 نساء، وفي عام 2015 بلغ عدد القتلى 58 من بينهم 44 رجلا و 14 امرأة، وفي عام 2016 بلغ عدد الضحايا 64 من بينهم 54 رجلا و 10 نساء، أما في عام 2017 فقد بلغ عدد القتلى 72 من بينهم 62 رجلا و 10 نساء، وفي عام 2018 بلغ عدد القتلى 75 من بينهم 61 رجلا و14 امرأة، أما في العام 2019 فقد بلغ عدد القتلى منذ بداية العام وحتى اليوم 66 من بينهم 55 رجلا و 11 امرأة. عدد القتلى في شهر كانون الثاني هذا العام كان 6، وفي شهر شباط 6، وفي شهر آذار 5 وفي شهر نيسان 5 وفي شهر أيار 7 وفي شهر حزيران 6 وفي شهر تموز 10 وفي شهر آب 9 وفي شهر أيلول 12.

دور السلطات الإسرائيلية في تفاقم هذه الحال الدموية يعبّر عنه تصريح مقتضب لوزير ما يسمى بـ "الأمن الداخلي" الإسرائيلي جلعاد إردان، والذي جاء بعد اندلاع الاحتجاج. هذا السياسي - الذي تتهمه كل الأحزاب والهيئات الفلسطينية بالتقاعس الإجرامي في مواجهة الجريمة المنظمة وفوضى السلاح اللتين تفتكان بالمواطنين العرب، بل هناك من وصفه بـ"الرئيس الفخري لهذه المافيا" – قال بمفردات عنصرية لإذاعة عبرية في القدس إن "المجتمع العربي عنيف جدا، هو مجتمع جداً جداً وألف مرة أخرى جداً عنيف (...) الكثير جدا من النزاعات تنتهي هنا (أي بين اليهود – المحرر) بدعوى قضائية، أما هناك فيمتشقون سكينا، ويمتشقون السلاح". وقرّر أن "هذه هي الشيفرة الثقافية" لدى العرب.

القائمة المشتركة التي تجمع الأحزاب الفاعلة داخل المجتمع الفلسطيني ردّت على هذه المزاعم بالقول: "بدلا من أخذ المسؤولية عن أمن عموم مواطني الدولة، يفضل إردان الاختباء وراء ادعاءات عنصرية وإلقاء المسؤولية على المغدورين. الجريمة في المجتمع العربي ليست نتيجة ثقافة عربية بل نتيجة عنصرية حكومية. الوزير يرفض الدفاع عن العرب في وجه منظمات الجريمة التي تحصل على السواد الأعظم من السلاح من الجيش".

للشرطة مكيالان حين تتعامل مع جرائم قتل العرب

الوضع بالوقائع والمعطيات كشفه الصحافي يهوشوع براينر من خلال تقرير نشرته "هآرتس" جاء فيه أن الشرطة استثمرت في عملية لجمع السلاح قامت بها في 2017 نصف مليون شيكل – ومعظمها في الإعلانات. ولكن في نهايتها تبين أنها حققت فشلا ذريعاً. لقد تسلمت للشرطة ثلاث قطع سلاح و21 أداة قتالية أخرى فقط. هذه المعطيات لم تمنع الشرطة من إعادة تكرار العملية، على خلفية احتجاج الجمهور العربي ومطالبة قادته بإخراج السلاح من الشوارع. ولكن الناس الذين يملكون السلاح غير القانوني لن يتطوعوا لتسليمه.

يتساءل الصحافي عما إذا ربما كانت الشرطة تعرف عدد قطع السلاح غير القانوني الموجودة في القرى العربية، وحسب تقديرات أولية الحديث يدور عن مئات آلاف البنادق والمسدسات والوسائل القتالية. هذه المرة تخطط الشرطة ووزارة الأمن الداخلي لزيادة ميزانية الدعاية التي ستوظف في وسائل الاعلام المتحدثة بالعربية وفي الشبكات الاجتماعية وفي اللافتات الكبيرة في الشوارع – لغرض الدعوة لتسليم قطع سلاح. ونقل عن مصدر "كبير" في وزارة الأمن الداخلي اعترافاً مفاده أن احتمال نجاح العملية ضئيل جدا. بكلماته: "من لديه سلاح غير قانوني هم الخارجون على القانون، وهم لن يتطوعوا لتسليمه".

ويقدّر الصحافي: يبدو أنهم في الشرطة يمهدون لفشل العملية، ويوجهون إصبع الاتهام لرؤساء السلطات المحلية العربية حتى قبل بداية العملية. مصدر كبير في الشرطة قال إن "رؤساء السلطات الأساسية في الوسط العربي يرفضون بشدة التعاون، فكيف إذاً بعد ذلك يريدون أن يأتي الجمهور ويسلم لنا السلاح؟". حسب هذا المصدر "بدون تعاون من قبلهم، وبالأساس بدون تصريح واضح من ناحيتهم، يصعب العمل".

هذه الحجّة، وكأن سبب المشكلة أن المواطنين العرب لا يقومون بـ"واجب الوشاية" بمن يحوز سلاحاً غير مرخّص، يرددها سياسيون وإعلاميون بارزون أيضاً. الغاية الواضحة لترويج هذه المزاعم هي اتهام المجتمع العربي بالمسؤولية وتنظيف ساحة الشرطة من خيانتها الجليّة للقيام بواجبها الذي ينص عليه القانون في مكافحة الجريمة وحيازة السلاح. يكفي فقط ان يتخيّل المرء ما كان سيحدث لو تم تعريف السلاح "أمنيّ" بدلاً من "جنائيّ"!

رؤساء المجالس والبلديات العربية يردون على تلك المزاعم ويؤكدون في مقابلات اجراها معهم الصحافي المذكور أنه "ليس من وظيفتنا جمع السلاح، بل هذا وظيفة الشرطة" كما يقول التقرير. وهم يشددون على أنه "لا حاجة الى أي عملية خاصة، هذا مضيعة للوقت، فهو لم ينفع في السابق ولن ينجح في هذه المرة أيضا. هل تريد الشرطة جمع السلاح؟ فلتتفضل، لتقُم بالتفتيشات ومنع التهريب، فلتفعل ذلك فقط".

الشاب الذي اشترى بندقية هل سيتطوع ليسلمها للشرطة؟

رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، مضر يونس، الذي يترأس مجلس بلدة عرعرة، اقتُبس في التقرير بقوله: "كل هذه العمليات غير حقيقية. الشاب الذي اشترى بندقية إم16 بـ 40 ألف شيكل هل سيتطوع ليأتي ويسلمها للشرطة؟ لن يأتي أحد ويتطوع لتسليم سلاحه، ومن يعتقد ذلك فهو لا يفهم الواقع. الشخص الذي بحوزته سلاح ولا يستخدمه، سيدفنه ببساطة في أرضه الخاصة. هذه العمليات يمكن أن تعمل ربما لدى خريجي الجيش في المجتمع اليهودي الذين عثروا على ذخيرة أو مخازن سلاح، ولكنها لا تفيد في المجتمع العربي". يونس يؤكد أن هناك طريقة واحدة لجمع السلاح: "أن تدخل الشرطة لجمع السلاح ممن يملكه".
رئيس معهد الجريمة في الجامعة العبرية، البروفسور بادي حسيسي، قال إن "عمليات جمع السلاح تسير بشكل جيد في وسائل الإعلام، ولكن تأثيرها محدود". فلا يوجد أي بحث ربط مباشرة بين عمليات تسليم السلاح وانخفاض معدل الجريمة. الأبحاث التي أجريت حول عمليات مشابهة في دول أخرى، كالأرجنتين والبرازيل وأميركا وبريطانيا، وجدت أنها ساعدت على الأكثر في منع حوادث إطلاق نار داخل بيوت. لكنها لم تمنع الجريمة المنظمة.

تتردّد مختلف المزاعم الحكومية والبوليسية الساعية للتنصّل من المسؤولية، على الرغم من أن رفوف المؤسسات الرسمية لدولة إسرائيل تحمل تقارير تصف بالتفصيل شكل انتشار هذا السلاح ومصدره – الجيش غالباً – بل تحمّل الحكومة المسؤولية عن ذلك. ويورد تقرير لمراقب دولة إسرائيل معطيات مصدرها الشرطة عن الجريمة، ووفقاً لها "فإنّ نسبة السكّان العرب المتورّطين في جرائم العنف الجسديّ أكبر بضعفين من نسبتهم من مُجمل السكّان، ونسبة المتورّطين في جرائم القتل أعلى بضعفين ونصف ضعف. ظواهر إجراميّة أخرى تبرز في الوسط العربيّ هي الحيازة غير القانونيّة للأسلحة أيضاً، مثل: البنادق، المسدّسات، القنابل اليدويّة، قنابل الصوت والعبوّات الناسفة، وكثرة حوادث إطلاق النار والتخريب التي تهدّد حياة المواطنين".

وفقاً للتقرير الرسمي: بين عامي 2014 وَ2016 كانت نسبة مخالفات إطلاق النار لدى المواطنين في المجتمع العربيّ أعلى بـ 5ر17 ضعف من نسبة المخالفات نفسها لدى المواطنين اليهود. نسبة المصابين من المواطنين العرب من جرّاء حوادث العنف التي استُخدمت فيها الأسلحة أعلى بـ 5ر2 إلى 12 ضعف من نسبة المصابين من جرّاء أحداث عنف كهذه في أوساط أخرى من المجتمع الإسرائيليّ. وبلغ عدد ضحايا العنف في المجتمع العربيّ منذ عام 2000 وحتّى تشرين الثاني 2017 حوالي 1236 رجلاً وامرأة.

الشرطة نفسها تكشف: الملفات عولجت أسرع حين كانت الضحية من اليهود

من المسؤول؟
يؤكد مراقب الدولة الإسرائيلية رسمياً على أن "انعدام التنسيق والتعاون بين وحدات الشرطة وبين قوّات الأمن والشرطة" هو بين النواقص الأساسيّة التي خلص اليها حيث أن معظم الأسلحة تصل إلى المجتمع العربيّ من ثلاثة مصادر رئيسة: السرقات من الجيش الإسرائيليّ، التهريب من الأردنّ والتصنيع في الضفة الغربية. كما تصل أسلحة أخرى مصدرها السرقات من المنازل والسيّارات. في حزيران 2017 اتُّفق على تشكيل وحدة مشتركة للشرطة العسكريّة وشرطة إسرائيل للقضاء على ظاهرة سرقة الأسلحة من الجيش الإسرائيليّ. حتّى شباط 2018 لم يكتمل تشكيل هذه الوحدة بعدُ، كما يؤكد.

وهو يجزم بأنّ "التعاون بين جميع الجهات ذات العلاقة في الشرطة في موضوع الأسلحة في المجتمع العربيّ تشوبه النواقص والعيوب، فمثلاً يعمل كلّ لواء على هذا الموضوع بشكل منفصل؛ ليس هناك نقل منظّم للمعلومات بين الوحدات المركزيّة في الألوية وبين مراكز الشرطة؛ ليس هناك نقل منظّم للمعلومات الاستخباراتيّة بين الوحدات المركزيّة نفسها وبين الوحدة المركزيّة في لواء يهودا والسامرة على الرغم من أنّه قد تمّ تعريفه على أنّه "مصدر للإجرام". يؤدّي انعدام التعاون التامّ إلى فقدان المعلومات الاستخباراتيّة، كما أنّ هناك حالات تعاملت فيها وحدات شرطة مختلفة مع الأهداف الاستخباراتيّة نفسها وفي الوقت نفسه".

كذلك، فقد وثّق بحث أجراه معهد الأبحاث في الكنيست في آذار 2018 معطيات تعترف بها الشرطة وتشير إلى أنه في ملفات التحقيق في جرائم القتل في السنوات 2014- 2017 والتي كانت ما تزال قيد التحقيق فإن 70% منها كانت الضحية من العرب. هذه النسبة أعلى قليلا من نسبة الضحايا العرب في مجمل جرائم القتل (64%). من مجمل الملفات في تلك الفترة التي كانت فيها الضحية من العرب، 45% هي ملفات قيد التحقيق في الشرطة. بينما نسبة الملفات التي كانت قيد تحقيق الشرطة من مجمل الملفات بين اليهود كانت 31%، ما يعني أن ملفات اليهود حظيت بمعالجات أسرع. وهذه المعطيات أعاد تأكيدها قسم التحقيقات داخل الشرطة نفسها، قبل أسابيع!

المؤسسة الحاكمة العميقة تقول للمواطنين العرب عملياً: تفضلوا بالقيام بدور الوُشاة حتى ننقذكم من السلاح والعصابات المنظمة!

في جميع النقاشات والاجتماعات الرسمية والحوارات الإعلامية المفتوحة، هناك صوت واحد ثابت يتكرّر، مفاده أن الشرطة عاجزة عن جمع السلاح غير المرخص من الأفراد ومنظمات الجريمة، لأن "المواطنين العرب لا يتعاونون معها". فحتى قيام هذه السلطات الإسرائيلية بما ينص عليه القانون الذي وضعته هي، يكون مشروطا بأن يدفع العرب ثمنا، وبعملة "الولاء" سيء الصيت الذي لطالما حاول سياسيون على شاكلة أفيغدور ليبرمان ترويجه كشرط لكل شيء.

المؤسسة الحاكمة العميقة تقول للمواطنين العرب عملياً: تفضلوا بالقيام بدور الوُشاة حتى ننقذكم. وبعيدا عن المواقف المبدئية الرافضة لهذا الاشتراط ضمن أية معادلة قانونية ومعيارية في نسق ديمقراطي، فإن السؤال الأقسى أمام كل فرد هو عن خطر التورّط مع جهات جريمة منظمة تقتص بالرصاص كما يحلو لها ممن يخطر على بالها، لأن الشرطة الإسرائيلية متقاعسة ومشغولة بابتزاز العرب سياسياً مقابل تطبيق واجبها بحمايتهم من الجرائم الجنائية.

بعبع اسمه "سلاح في الحرم القدسي"

هذا لا يمنع مثلا من عضو الكنيست آفي ديختر، وهو رئيس سابق لجهاز "الشاباك" ووزير أمن داخلي سابق، من القيام بمحاولة لحرف كل النقاش عبر توجيه الأنظار إلى الحرم القدسي والزعم: هناك سلاح مخبأ فيه! ديختر يقول في مقابلة لصحيفة "يسرائيل هيوم" إن "فرضية عملنا يجب أن تكون أنه يوجد سلاح في الحرم. على الشرطة أن تأتي مع التفكير بأنها قد تفاجأ بسلاح ناري". لأي غرض، سأله الصحافي فردّ: "إذا كان يوجد سلاح، فهذا في نظرهم للتصدي لمحاولات فرض شيء ما عليهم لا يرغبون فيه. إذا أدوا غدا مثلا إلى أن تدخل الشرطة إلى المسجد الاقصى عند احتدام الأوضاع، فإنهم يعرفون بأنهم لن يقفوا عندها أمام الشرطة بأياد فارغة فقط (...) عندها سنسأل أنفسنا كيف سمحنا بدخول السلاح إلى الحرم، ويجب أن نتذكر بأن كمية من يدخلون إلى هنا في لحظات الذروة تصل إلى مئات الآلاف في اليوم، ومن الصعب جدا فحص الجميع. ولهذا فاني أعتقد أن فرضية العمل يجب أن تكون بأنه يوجد سلاح في مخابئ في الحرم"..

هذا السياسي اليميني يقوم من جهة بعملية تحريض من النوع الواطئ المعهود، لكنه يكشف من جهة أخرى أن السلاح الذي يقلق السلطات ويثير مخاوفها هو فقط الذي قد يصيب يهود. فما معنى هذا الكلام في ضوء إقرار كل الجهات ذات الصلة في المؤسسة الحاكمة بأن هناك مئات آلاف الأسلحة الجنائية في إسرائيل، وبأيدي جهات إجرامية؟ هل ما يحكم هو قانونية السلاح أم الخطر الذي يهدده؟ بل هوية المهدَّد؟ ويبدو أن الإجابة كامنة في السؤالين الأخيرين. فالسلاح الذي يهدد عرباً يمكن السكوت عليه.

بطبيعة الحال فإن السلطة الإسرائيلية جاهزة ومستعدة لبذل كل ميزانية مطلوبة وكل جهد مطلوب للعثور على السلاح الذي يعرَّف كـ "أمني" أو "إرهابي" لكن الأمر سيختلف تماما أمام مسدس أو بندقيّة مسروقة تهدد بسفك دم مواطن عربي خلال عملية تصفية حسابات مافيوزية، حين يكون متواجداً في مخبز أو بقالة أو ماراً في شارع عام. وهذه ليست أمثلة نظرية فقط.

شرطيان في العيسوية: ألا يتسبب ما نفعله بالمزيد من المشكلات؟ هذا هو الهدف!

ليس هذا فحسب، بل يتبيّن ان الشرطة تخطط عمليات ملاحقة واستفزاز تكلف الكثير من الميزانيات والجهود، حين يتعلّق الأمر بخدمة مشروع الاحتلال. وها هو الصحافي نير حسون قد كشف كيف تم توثيق رجال شرطة في بلدة العيسوية المحتلة وهم يتذمرون من أنه لا يوجد أي هدف للممارسات البوليسية في العيسوية عدا الاستفزاز المتعمد للسكان.

في هذا التوثيق قال أحد رجال الشرطة لزميله: "هذا بصراحة مجرد استفزاز لهم. لماذا يتم فعل ذلك بشكل متعمد؟". والسياق الواسع هو أن شرطة إسرائيل قامت خلال أشهر الصيف بعملية واسعة في العيسوية دخلت في أثنائها في كل يوم ظهراً قوات كبيرة من الشرطة إلى البلدة وقامت بدوريات ونصبت الكمائن وأقامت الحواجز وقامت بوقف السيارات وعابري سبيل من أجل الفحص – وبعد ذلك كان عناصر الشرطة يدخلون إلى القرية في الليل ويعتقلون مواطنين.

وفقا للصحافي: تم في هذه العملية اعتقال أكثر من 350 شخصا من سكان العيسوية. ولكن فقط نحو 10 أشخاص منهم تم تقديمهم للمحاكمة. في القرية قالوا إن هدف العملية هو استفزاز السكان وإن الشرطة تعمل بشكل استفزازي من أجل التسبب بالعنف. وقالوا أيضا إنه قبل العملية وخلالها لم يتم رشق الحجارة في القرية عدا عن رشق الحجارة على القوات التي دخلت إلى القرية. هذه الأقوال سمعت أيضا في فيلم قصير تم تصويره بواسطة كاميرا خاصة لأحد عناصر الشرطة في العيسوية في شهر نيسان، قبل بضعة أسابيع.

في الفيلم القصير يظهر الشارع الرئيسي للعيسوية في منطقة المسجد الرئيسي في القرية. رجال الشرطة الذين تم سماعهم في الفيلم، وقفوا في المكان لبضع ساعات. وفي كل مرة كان أحدهم يظهر وهو يصوب السلاح، كما يبدو نحو سكان في الخلفية. في الشارع مر أشخاص كثيرون وسيارات كثيرة ولم يلتفت أحد لعناصر الشرطة. الأخيرون كانوا يتحدثون فيما بينهم عن هدف تلك الممارسات في القرية، وقد سُمع أحدهم وهو يقول لزميله: هذا بصراحة من أجل مجرد استفزازهم. والثاني وافق على هذا الرأي. بعد ذلك سأل الشرطي الأول: لماذا يتم فعل ذلك بشكل متعمد؟ وأجابه زميله: سياستنا مضروبة من الجذور. عندها قال الشرطي الأول: دعهم يعيشون، يا أخي. أنت هنا مجرد تستفزهم فقط.

بعد عدة دقائق توجه الشرطي الأول للشرطي الثاني قائلا: يا أخي، أريد أن أسألك سؤالاً، ألا يتسبب ما نفعله بالمزيد من المشكلات هنا؟ فأجاب الآخر: هذا هو الهدف. وسأل الشرطي الأول مرة أخرى: أن يتم خلق المزيد من المشكلات؟ وأجابه الآخر: نعم. بعد ذلك سمعا وهما يقللان من الخطر الماثل من رشق الحجارة في القرية: "هذا ليس عملية إرهابية معادية. كل ما في الأمر هو رشق حجارة". قال أحدهما. وقال الآخر: "بالنسبة لهم هذا لعب، هم لا يرشقون الحجارة من أجل التسبب بالإصابة".

السؤال الذي يجب أن يظل ماثلا هو الذي يتناول هذا النفاق الهائل الذي يتحكم بجميع مفاصل حكم المؤسسة الإسرائيلية، حيث يتم التقاعس في تطبيق القانون على عصابات ومنظمات إجرام فلسطينية لأن سلاحها يهدد عرباً لا غير؛ ومن جهة أخرى يتم اختلاق روايات تحريضية عن تخبئة سلاح في الحرم القدسي لغرض تبرير جرائم رسمية قادمة كما يُشتبه؛ وبين هذا وذاك تخطط الشرطة وخلفها الحكومة لاستفزازات منظمة لرفع مستوى لهيب النار، بما يخدم مخططات مكشوفة وأخرى خفيّة لمشروع الاحتلال الإسرائيلي – المشروع الأطول والأعلى تكلفة في تاريخ هذه الدولة!

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الجمعة, فبراير 21, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية