قبل تسعة أيام من الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل الأوضاع الأمنية المتوترة وتراشق الاتهامات- "هم يمين"/ "هم يسار"- أظهر استطلاع مشترك للرأي العام أجراه موقع "هعوكتس" (اللسعة) والقناة الاجتماعية أن البرنامج الاجتماعي للأحزاب يهم الناخبين والناخبات ضعفي البرنامج السياسي. كما أظهر الاستطلاع الذي أجراه "معهد سميث" أن غالبية الإسرائيليين لا تصدق مؤشر الفقر الذي تعده الدولة بواسطة مؤسسة التأمين الوطني وتقدر بأن مستوى الفقر أكبر بكثير.

وقال معدو الاستطلاع إنه من خلال الأسئلة التي طرحوها حاولوا فحص أنماط التصويت بالنسبة إلى مكانة الأحزاب ووعود المرشحين، واكتشفوا بأن تحسين جهازي التربية والصحة وشبكة المواصلات العامة، وتقليص غلاء المعيشة ومستويات الفقر، يشكلان عنصراً حاسماً في نظر غالبية المصوتين في اختيار الحزب الذي يعطونه صوتهم. ويعتقد ربع المستطلعين بأنه لا يوجد أي حزب يهتم بالمواضيع الاجتماعية، وفقط 31 بالمئة منهم يعتقدون بأن حكومة بنيامين نتنياهو عملت خلال سنوات ولايتها لصالح هذه المواضيع.

وعلى ضوء نتائج الاستطلاع تم جمع بعض الناشطات والناشطين وطلب إليهم إسماع رأيهم حول نتائج الاستطلاع، وبالأساس إثباته، مرة أخرى، أن الجمهور يطمح إلى تغيير وتحسين الأوضاع الاجتماعية. كما طلب منهم أن يفسروا الفجوة بين مواقف الجمهور ومداركه وبين أنماط التصويت وخاصةً الفجوة بين النوايا الحسنة وبين الجهنم الاجتماعي - الاقتصادي التي يعيشونها جميعاً.

غياب الأجندة الاجتماعية

تقول الناشطة الاجتماعية ريكي كوهن بنلولو: "أولاً، لا بد من الإشارة إلى أن مصطلح اجتماعي أصبح مصطلحاً مغرياً. فالجميع يسحب هذا الكرت عندما يكون ذلك مريحاً ومناسباً، وكل شخص يستطيع أن يصرح بأنه اجتماعي حتى لو لم تكن له أية علاقة بالمجال".

وتضيف هذه الناشطة الاجتماعية التي برزت بفضل نضالها من أجل الإسكان الجماهيري أن هناك فرقاً كبيراً بين الانتخابات الحالية والسابقة: "في الانتخابات الحالية، باستثناء النائبة أورلي ليفي- أبكسيس، لا أحد يقدم نفسه على أنه المرشح الاجتماعي. في الانتخابات السابقة أطلقت شاس حملة الشفافين، وكان لديها متحدثون علمانيون ومجلس تشاوري. هم تحدثوا عن 7 بالمئة إسكان جماهيري. أما اليوم فمن يتحدثون عن المجتمع والاقتصاد لا يأخذون دوراً تقريباً. ويمكننا أن نفهم لماذا لا توجد ثقة بالأجهزة نفسها ففي الرفاه يأخذون لنا الأولاد، أما التأمين الوطني فيدوس علينا. كرباج السياسة يوقع الضربات على المواطنين ويخلق أزمة ثقة شديدة وسطهم تجاه الدولة".

وتعتقد بنلولو بأن نتائج الاستطلاع تدل على أزمة الثقة هذه، وعلى خوف الناس من الدولة والرغبة بالابتعاد عن تدخلها. وهي قلقة من أن هذه الرغبة قد تؤدي إلى نتائج خطيرة جداً: "من سيرد عليّ بعد الانتخابات؟ يائير لبيد؟ أريد بأن يكون هناك أناس أستطيع العمل معهم بعد ذلك". وتوضح بنلولو التي راكمت الكثير من الخبرة في مجال الإسكان الجماهيري على مدى سنوات نشاطها بأن الاسكان الجماهيري يرتبط في إسرائيل بالفقراء وبأن هذا ليس بالأمر الصحيح بل يجب أن يكون للجميع، لكافة الطبقات، وليس فقط للفقراء.

التخويف

ردّاً على السؤال: إذا كان الناس معنيين بالأجندة الاجتماعية لماذا لا تتغير الأجندة العامة عملياً؟ قالت حنه كيم، وهي صحافية سابقة وناشطة اجتماعية: "الأجندة لا تتغير لأن المسؤول عنها هو الحكم بالتعاون مع الإعلام. وسلم أولويات الحكم لا يقضي بالتعاطي مع هذه المواضيع التي لا تعتبر جذابة لسبب ما بنظر الإعلام. هذا ليس بالأمر الجديد ولكن الجمهور متأثر به. فالمواطن، عدا عن شعوره بأنه وحيد، لا يرى نفسه ومشاكله. قيمتك الذاتية كمواطن تتآكل واستعدادك للتصويت حسب المواضيع التي تقلقك يقل. مشكلتي ليست أن الحكم يلفق القصص لكن أنه يسوق لنا قضايا كعملية السلام (التي لا تنتهي) بدل الحديث عن الحياة نفسها. من ناحية بيبي (نتنياهو) فإن الحياة نفسها هي المسألة الأمنية، وكل هذا يؤثر على الجمهور. الناس ترى ساحة بيتها فقط، ومن لا يعيش في فقر يعتقد بأن هذا هو العالم. بنفس الطريقة يتحدث الإعلام دائماً عن الـ300 ألف الذي يسافرون إلى خارج البلاد، وكأن هذه هي الكماليات التي لا يوجد غيرها، وهذا يؤثر كذلك على الوعي العام فيما يتعلق بالفقر".

وتضيف كيم: "سوسيولوجياً هذه أمور معروفة، فالناس تخاف من فقدان القليل الذي تملكه. وكلما كنت فقيراً وعلى وعي أقل بالتلاعبات التي يمارسها الحكم والإعلام عليك، كلما تأثرت أكثر بالتخويف. الناس الفقراء يقولون لأنفسهم إذا كان لدي الحق بالتصويت مرة كل أربع سنوات ونصف السنة، سأصوت للحزب الذي لا يتسبب في تدهور الأوضاع أكثر مما هي عليه. وربما يهمهم كذلك بأن يكونوا جزءاً من حلقة القبيلة لا أن يكونوا بالمعارضة. إذا ما راجعنا الحراكات الاجتماعية التي حدثت في دولة إسرائيل- من وادي الصليب، مروراً بالفهود السود وحركة الخيام في سنوات التسعينات- بإمكاننا أن نرى أن الحديث عن أناس فقراء، غالبيتهم من المغاربة. كانت هذه حراكات نادرة من ناحية قوتها وانعكاساتها، وقد دفعوا جرائها ثمناً شخصياً باهظاً. وقد قمعت هذه الحراكات على مرأى الجميع وتم احتواء قادتها، فعندما يدلف سقفك، كل ما تريده هو أن يأتي أحد ليصلحه ويهتم بأولادك وإذا كان هذا ما يعد به فسوف تصوت له. هذا سلوك معياري تماماً".

تذكّر كيم بأن التغيير يحدث في بعض الحالات، مثلاً في "انقلاب 1977" حدث التغيير في أعقاب احتجاج الفهود السود وحرب يوم الغفران واحتجاج موطي أشكنازي. والمحوران التقيا في حينه: الاجتماعي- الاقتصادي والسياسي. أيضاً في العام 1992 التقى هذان المحوران فحركة الخيام قامت مثل الفهود في أعقاب الهجرة الكبيرة من روسيا، وكذلك العمليات التفجيرية وحرب الخليج.

وتقول كيم إن نتائج الاستطلاع ليست مفاجئة لكنها مؤسفة وتذكر أن هناك حاجة ملحة لحدوث ثورة: "الانقلاب يأتي من الأسفل إلى الطبقة الوسطى، ولأن الطبقة الوسطى تتزحلق إلى الأسفل أكثر فأكثر يجب البحث في الأسفل، هناك تكمن كل القصة. الفئات العشرية السفلى والوسطى هي العنصر المهم في كل انتخابات، ونحن نعرف أن هناك عدم ارتياح كبير في الطبقة الوسطى. في كل انتخابات أسأل نفسي أي حزب يمثلني من ناحية اجتماعية واقتصادية ولا أجد أي حزب كهذا".

الشبعان لا يعرف جوع الفقير

دافيد مزراحي، قائد حراك السترات الصفراء في إسرائيل، يعرف الفقر عن قرب وليس بحاجة لقراءة معطيات التأمين الوطني لكي يكذبها. يقول: "أتجول في المساء في سوق محانيه يهودا، وأرى عشرات الِأشخاص البالغين الذين يجمعون الخضروات الملقاة على الأرض ويأخذونها إلى البيت. أنا أسكن بالقرب من السوق وأرى هذه المشاهد كثيراً، انه لأمر مؤسف بحق. أعرف أناساً يجمعون الزجاجات، وفي القدس هناك مطاعم للفقراء ممتلئة حتى الرمق الأخير. عملت بالماضي مع جمعية لمساعدة المحتاجين حيث وزعنا وجبات دافئة ومعلبات على أصحاب الإعاقات. لا أعرف كمية الجمعيات التي توزع الأكل في البلاد لكن من الواضح أنه يوجد هنا إسرائيل أخرى، شفافة، وبأن أحداً لا يتحدث عن الفقراء أيضاً في الانتخابات الحالية. الفقراء لا يشكلون قوة انتخابية في نظر السياسيين وهذه مشكلة مركزية. والفقراء غير قادرين للأسف على الخروج والاحتجاج لأنهم منشغلون بصراع البقاء اليومي. خلال احتجاج السترات الصفراء اتصل بي الكثير من الناس وعبروا عن تضامنهم لكنهم لم يستطيعوا المشاركة في التظاهرات. التظاهر يعد من الامتيازات من ناحيتهم. كابن لوالدين معاقين، شعرت بذلك على جلدي؛ النقص في الخضراوات والفاكهة والطعام الدافئ. لقد جربت الفقر على جلدي كولد، وحتى اليوم يتعين عليّ بأن أفكر وأحسب. هذا الواقع الاقتصادي مألوف للكثير من الأولاد والناس في إسرائيل ولا يوجد من يعالج هذه المشكلة. ها نحن الآن على عتبة عيد الفصح وسوف نرى أناساً يتبرعون بالأكل للبعض ولكن يجب ألا تكون هناك حاجة للتصدق والجمعيات. يتعين على الدولة أن تهتم بكل إنسان وبأن يكون لديه ما يحتاجه ليعيش بكرامة".

ومع أن غالبية المستطلعين قالت إن البرنامج الاجتماعي للحزب يهمها أكثر من السياسي، فإن الأجندة بقيت بعيدة عن القضايا الاجتماعية. وحول ذلك قال مزراحي: "هل هناك حزب اجتماعي بحق؟ حزب غيشر (جسر) لن يجتاز نسبة الحسم، أما ميرتس فمعرف مع اليسار والكثير من الناس يرتدعون عن التصويت له. هذه الانتخابات تدور كلها حول الإساءات الشخصية. هناك استهتار بذكاء الناخبين والناس محبطة من السياسة. الناس تقرر في اللحظة الأخيرة لمن تصوت أو أنها تصوت لغانتس فقط نكاية ببيبي. المسألة هنا بأن كل السياسة- من اليمين واليسار- منقطعة عن الحياة اليومية. أنا أرى ثورات في الشرق الأوسط، مواطنون يخرجون يثورون ضد الحكم. أما هنا فالناس الذين رؤوسهم فوق الماء لن يخرجوا للتظاهر أما الذين رؤوسهم تحت الماء فهم غارقون في ضائقتهم. لا يوجد أمل كفاية. الناس تنتظر سبع ساعات في غرف الاستقبال بالمستشفيات، خدمات الصحة التي توفر للفقراء كئيبة للغاية، الناس لا تملك المبالغ المطلوبة لعلاج الأسنان. لكن عندما نصل لحظة الامتحان، عندما يكون علينا مقاطعة الشركات، عندما ترتفع أسعار الكهرباء، لا أحد يصرخ. لماذا لا ينتفض الناس؟ لأنه لا توجد لديهم قوة كفاية. أنا خرجت وكان التوقيت مؤاتياً وحصلت ضجة حول الموضوع لكن الشرطة أتت وأخذت عشرة أشخاص وضربت عددا آخر من المتظاهرين، وهذا هو. تم القضاء على الحراك. لا يتركوننا لندخن حتى (سعر التبغ ارتفع إلى ١٠٠ شيكل!). ليس من المستغرب أن شرعنة السموم الخفيفة أصبحت أمراً مركزياً في هذه الانتخابات. الناس لا تريد أن ترى الواقع الصعب".

ورداً على سؤال فيما إذا كان يعتقد أن هناك فرقاً بين اليمين واليسار في هذه السياق، قال مزراحي: "قلائل هم السياسيون الذين يعملون من أجل الجمهور. لقد نسوا بأن منتخبي الجمهور يجب أن يخدموا الجمهور، حتى هؤلاء الذين أتوا من الطبقات الدنيا. اليسار كذلك لا يقوم بعمل ميداني جيد. هم في الأكاديميا بعيدون. يجب أن تجري عملية إصلاح هنا. هذه مشكلة نتجت عن 15 سنة من الحكم الذي يحرض ويفرق ويثير النزاعات بين المتدينين والعلمانيين، العرب واليهود، الفقراء والأغنياء. هكذا يسيطرون على الناس، يجوعونهم ويسيطرون عليهم. نحن في مصنع لخلق الفقراء الذين تسهل السيطرة عليهم".

حزب للفقراء

 وقال عيران فاينتروب، مدير عام منظمة "لتيت" (عطاء): "نحن أيضاً نفحص مواقف الجمهور من هذه المواضيع. وتقرير الفقر البديل الذي نصدره وكذلك الاستطلاع الشبيه الذي أجريناه قبل شهرين يظهران بأن موضوع الفقر والقضايا الاجتماعية تتواجد في مرتبة عالية قبل الأمن، قبل المواضيع السياسية، قبل الفساد وما إلى ذلك. عندما سألنا عن تعهد الأحزاب بمعالجة المواضيع الاجتماعية، صرح 57 بالمئة بأن ذلك يؤثر عليهم بدرجة كبيرة جداً. ولكن عندما سألناهم ما هو الموضوع المركزي الذي سيؤثر على طريقة تصويتهم، فقط 7 بالمئة قالوا إن المواضيع الاجتماعية ستشكل اعتباراً حاسماً".

وأضاف: "بإمكان الفقراء أن يشكلوا قوة انتخابية لا يستهان بها لكن لأنهم لا يملكون قوة سياسية فإن هذه المواضيع لا تتواجد على الأجندة. الضائقة الاقتصادية والنفسية التي ترافق صراع البقاء تؤدي في النهاية إلى قيام الفقراء بتوزيع أصواتهم على الأحزاب. بعضهم يصوتون بشكل تقليدي إلى أحزاب لا تمثل مصالحهم. ولكن قد يكونوا خائفين بحق أو معتادين أو يؤمنون بأن الأمن أهم من أي شيء آخر. السؤال كم مقعد يساوي الفقراء؟ لو صوّت كافة الفقراء، بحسب معطيات التأمين الوطني، لحزب نسميه حزب الفقراء مثلاً لحصل هذا الحزب على 22 مقعداً. إن أخذنا بعين الاعتبار كافة الفقراء، حسب معطيات ’لتيت’ حول الفقر متعدد الأبعاد، لحصل الحزب على 32 مقعداً، أي لأصبح الحزب الحاكم. المسألة أن هناك اختلافا ثقافيا كبيرا وسط الفقراء؛ هناك فقراء متدينون وعلمانيون، يهود وغير يهود، صهيونيون وغير صهيونيين. هناك فقراء في كافة أوساط المجتمع الإسرائيلي وفي كل وسط تتغلب دائماً قضية أخرى على قضايا الفقر. يوجد هنا تضييع كبير للفرص والإعلام يتعاون مع هذا الأمر، ربما لأنه يغطي فقط ما تقوله الأحزاب. الموضوع الاجتماعي عامة يتواجد على هامش الأجندة السياسية وكذلك الإعلامية. لكن لو خرج الفقراء إلى الشوارع أو تنظموا في حزب وشكلوا ضغطاً جماهيرياً أو برلمانياً وطالبوا بمعالجة هذه المواضيع، لفهم السياسيون بأن هذا موضوع مركزي يحسم الانتخابات، والأحزاب كانت ستتعهد بمعالجة الفقر وتقليص الفجوات".

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أغسطس 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية