يعرف بنيامين نتنياهو أن تشكيل حكومته الخامسة لن يكون أمرا سهلا، ومن شأنه أن يخلف صراعات داخلية في حزب الليكود، الذي تكثر فيه الشخصيات التي تسعى للفوز بحقائب الصف الأول في الحكومة. والعقبة الثانية أن الحكومة سترتكز على 5 كتل برلمانية عدا حزب الليكود، وكل واحدة منها تطمح للفوز بحقيبة، خاصة وأن كل واحدة من هذه الكتل قادرة على حسم مصير الحكومة. وأمام كل هذا يبقى أمام نتنياهو خيار تشكيل حكومة واسعة، وبرغم أنه احتمال ضعيف جدا إلا أنه في حالة معينة قد يتجه نتنياهو إلى هذا الخيار.

حسب نتائج الانتخابات، في حال اتجه نتنياهو لتشكيل حكومته مع شركائه الطبيعيين، وهذا هو الخيار الأفضل بالنسبة له، فإن الأغلبية الحاصلة ستكون 65 نائبا، من بينهم 36 لحزب الليكود. ولكن تبقى هذه أغلبية ضعيفة، من حيث أن كل كتلة صغيرة، من الكتل الخمس الأخرى الشريكة في الحكومة، سيكون بإمكانها خلق إشكالية أمام استمرار عمل الحكومة. وهناك قضايا شائكة وساخنة على جدول أعمال الحكومة، عدا ما سينشأ لاحقا خلال سير عمل الحكومة.

وأولى هذه الكتل كل واحدة من كتلتي المتدينين المتزمتين الحريديم، أو كلتاهما معا، بعد أن زادتا قوتيهما المجتمعة، خلافا لكل استطلاعات الرأي التي صدرت خلال الحملة الانتخابية، وحتى الأخيرة التي سبقت النتائج بساعات، إذ لحركة شاس 8 مقاعد، ولكتلة يهدوت هتوراة 7 مقاعد.

وسيكون على حكومة نتنياهو، مع بدء عملها، أن تنجز القانون الذي سيفرض الخدمة العسكرية الإلزامية على شبان الحريديم، وتعترض على هذا كتلة يهدوت هتوراة بحدة، أكثر من معارضة شاس. وعلى الحكومة الجديدة أن تنفذ قرارات المحكمة العليا بهذا الشأن، ولذا فإن حكومة نتنياهو ستكون أمام أزمة كهذه في بدايات عملها.

كذلك فإن كتلتي الحريديم ستتشددان أكثر في كل ما يتعلق بفرض قوانين السبت، لحظر المواصلات العامة والمرافق التجارية وأماكن عمل. أضف إلى هذا أن الحكومة، وحسب سلسلة من التقارير الاقتصادية، ستكون مضطرة لإجراء تقليص في ميزانية 2019، قد يصل حجمه إلى 10 مليارات شيكل، وهو ما يعادل حوالي 8ر2 مليار دولار. وحسب التقارير ذاتها فإن هذا التقليص سيكون من خلال رفع ضرائب وتقليص مخصصات اجتماعية، وهذا إجراء قد يعترض عليه الحريديم بالذات.

كذلك سنشهد سلسلة ليست قليلة من القضايا التي ستكون محط خلافات بين أطراف الحكومة، لتهدد كل كتلة بمغادرة الحكومة أو التمرد على قراراتها.

العقبة الجدية التي سيواجهها نتنياهو لدى توزيع الحقائب البرلمانية ستكون في حزبه الليكود. ففي حكوماته الثلاث الأخيرة وزع نتنياهو الحقائب "الدسمة" على شركائه، ولم تبق لوزراء الليكود سوى وزارات هامشية، إن صح التعبير، حاول تجميلها بتسميات مختلفة، في إطار تعريفات نواب رئيس الحكومة، لكن هذه مجرد تسميات وزنها أقل قيمة من الورق الذي كتبت عليه، أمام رئيس حكومة قوي.

وبالإمكان القول إن 18 عضو كنيست من الليكود سيرشحون أنفسهم للحصول على حقيبة وزارية، من بينهم لا أقل من 8 نواب يرون أنفسهم قادرين على تولي حقيبة رفيعة. لكن نتنياهو الذي يتوج نفسه مجددا الزعيم الأوحد لحزب الليكود، قادر على فرض إرادته بشكل أقوى، وهذا سيخلق له صراعات داخلية، قد تلعب ضده في حال صدر قرار نهائي بتقديمه إلى المحاكمة في قضايا فساد.

وفي هذه النقطة بالذات نشير إلى أن التنافس الخفيّ، حالياً، بين شخصيات الليكود، على مقعد نتنياهو في حال مغادرته منصبه، سيؤجج الصراع بين تلك الشخصيات على الحقائب التي سيتولونها.

كذلك فإن الكتل الخمس الشريكة ستطلب كل واحدة منها حقيبة رفيعة، ومعها وظيفة برلمانية، وترى كل واحدة من هذه الكتل بنفسها كمن تحسم أمر الحكومة، ولهذا فإنها ستمارس ضغوطا لتحصل على ما تريد أو أقرب ما يكون إلى ذلك.

نشير في هذا السياق إلى احتمال أن نشهد في الولاية البرلمانية الحالية قرار زعيم حزب "كولانو (كلنا)" موشيه كحلون، الذي حصل حزبه على أربعة مقاعد، الانضمام إلى حزب الليكود، الذي انشق عنه قبيل انتخابات العام 2015. وظهرت تلميحات عديدة في تصريحات شخصيات من الليكود في الأيام الأخيرة، يمكن تفسيرها على هذا النحو. ومن بين هذه التصريحات غير المباشرة، أن نتنياهو مستعد لمنح كحلون مجددا حقيبة المالية التي يتولاها منذ العام 2015. لكن هذه تبقى في إطار تصريحات تحتاج لوقت حتى تثبت.

ونذكر أنه في العام 2003 أقدمت كتلة "يسرائيل بعلياه" التي فازت يومها ىمقعدين على الانضمام كليا لكتلة الليكود، وكانت تضم يومها نتان شيرانسكي، والثاني هو من بات في السنوات الأخيرة رئيسا للكنيست، يولي إدلشتاين.

خيار الحكومة الواسعة

رغم أن هذا الاحتمال ضعيف حاليا، إلا أن نتنياهو قد يتجه في مرحلة ما، أو بعد تشكيل الحكومة، لإقامة حكومة واسعة مع قائمة "أزرق أبيض".

وهذا الخيار سيكون في حالتين:

الأولى، أن تتعاظم الضغوط على نتنياهو من حلفائه الطبيعيين، ما يعرقل كثيرا تشكيل الحكومة الجديدة.

الثانية، أن تكون حكومة كهذه هي إرادة أميركية مثلا، لغرض تمرير ما يسمى "صفقة القرن" على الساحة الإسرائيلية، على الرغم من أن الصفقة باتت مرفوضة منذ الآن من الجانب الفلسطيني، ومن دول عربية أخرى، أبرزها الأردن.

لكن المصلحة الشخصية والحزبية لنتنياهو تقضي بعدم الدخول في خيار الحكومة الواسعة، لأن هذه قائمة تشكلت للتو، وهو يعرف أن دخولها إلى الحكومة سيعززها أكثر، ويبقيها في الانتخابات المقبلة قائمة منافسة. ويعرف نتنياهو أن بقاء هذه الكتلة التي يقودها ثلاثة جنرالات كبار، ومعهم "نجم سياسي"، يائير لبيد، لن تتحمل الشخصيات الكبيرة فيها البقاء في المقاعد الخلفية في الهيئة العامة للكنيست. وليس من المستبعد أن تنشب لاحقا خلافات في داخل هذه الكتلة البرلمانية، التي تجمع من أقصى اليمين الاستيطاني المتشدد، وحتى ما يسمى "اليسار الصهيوني". كذلك واستنادا لتجارب سنين طويلة مع نتنياهو، فإن الأخير قد يسعى لتغذية خلافات في داخل "أزرق أبيض"، بهدف شق الكتلة، وجذب أحد شقيها إلى حكومته. فهذه كتلة "عنقودية" إن صح التعبير، أو بالتعابير العسكرية "قنبلة انشطارية"، عند أول ضربة لها ستتفرقع إلى شظايا.

اتجاهات حكومة نتنياهو

خلافا للتقدير السابق بأن نتنياهو سيكون الآن أمام حكومته الخامسة والأخيرة في حياته السياسية، فإن نتائج الانتخابات تلزم بالتريث وإعادة النظر بهذا التقدير، خاصة وأنه حتى الآن لم يثبت وجود جسم سياسي قوي متماسك قادر على خلع نتنياهو وحزبه عن الحكم، وهذا يعود أيضا إلى استفحال تمدد اليمين الاستيطاني في الشارع الإسرائيلي.

كذلك فإن هذه النتائج قد تساعد جهات في النيابة العامة على إجهاض لوائح الاتهام المعلنة ضد نتنياهو. وهذه حالة شهدناها في حالة أفيغدور ليبرمان، التي بدأت بالحديث عن قضايا تبييض أموال بالملايين، وجرائم مالية واقتصادية من شأنها أن تبقيه لسنوات طوال في السجن، وانتهت القضية بأنه حصل على مظروف من دبلوماسي بشكل غير قانوني، ووجهت له المحكمة توبيخا، وعاد إلى كرسيه في وزارة الخارجية في حينه.

وهذا احتمال وارد في حالة نتنياهو. فمحامو نتنياهو سيقدمون ردودهم للمستشار القانوني للحكومة على قراره الأولي بمحاكمة نتنياهو في شهر تموز المقبل، وهنا سيحتاج المستشار، بصفته المسؤول الأعلى في النيابة، من 6 إلى 8 أشهر حتى يصدر قراره النهائي. وقد تقرر النيابة التراجع عن بعض مواقفها بخصوص لوائح الاتهام، أو تبقيها كما هي. وكل الاحتمالات واردة. لكن في حال أبقت النيابة العامة على موقفها تقديم لوائح الاتهام ضد نتنياهو، فسيكون مضطرا لمغادرة منصبه، رغم أن القانون لا يفرض عليه ذلك، لكن سينشأ ضغط شعبي يجبره على التخلي عن منصبه.

وأمام نتنياهو مع بدء عمل حكومته الخامسة، ثلاث مهمات مركزية، أولها الإقدام على تقليصات في الموازنة العامة، وثانيا الانتهاء من قانون التجنيد الإلزامي للشبان الحريديم.

أما الملف الثالث، فهو الذي أعلن عنه نتنياهو في الأيام الأخيرة التي سبقت الانتخابات، وهو فرض "السيادة الإسرائيلية" على مستوطنات الضفة، وعلى المستوطنين عامة، وحينما نقول المستوطنين فالقصد هو مستوطنون في مستوطنات خارج الكتل الاستيطانية الكبيرة. وهذا إجراء ليس سهلا، ويتضمن خلافات داخل اليمين الاستيطاني ذاته، مثل تعريف الكتلة الاستيطانية، ومناطق نفوذ المستوطنات.

ويستند نتنياهو في جرأته على خطوة الضم، إلى سلسلة ظروف ناشئة، ومنها:
- نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية دلت على توغل عقلية اليمين الاستيطاني في الشارع الإسرائيلي، وهذا لا ينعكس فقط في عدد المقاعد البرلمانية التي حصلت عليها أحزاب هذا اليمين، وإنما أيضا قوائم تحمل ذات الفكر، لكنها لم تعبر نسبة الحسم.
- في حال تشكيل حكومته مع شركائه القائمين، ولم تكن موسعة، فإن نتنياهو لن يجد أمامه معارضة جوهرية، لفرض "السيادة" على الضفة، فهذا الإجراء ورد في البرنامج السياسي لقائمة "أزرق أبيض".
- الدعم المطلق، غير المسبوق بمستواه، من الإدارة الأميركية بزعامة دونالد ترامب. فنتنياهو يقرأ القرارات الأميركية الداعمة لاحتلال القدس ومرتفعات الجولان السورية المحتلة، على أنها ضوء أخضر لفرض "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات والمستوطنين في الضفة الفلسطينية المحتلة.
وبالإمكان التخمين، استنادا لتقارير إسرائيلية وغيرها، أن "صفقة القرن" تشمل فرض "السيادة" على المستوطنات في الضفة، وحتى لو تضمنت "الصفقة" إقامة كيان فلسطيني يسمى "دولة"، وسيرفضه نتنياهو وشركاؤه، فإن الأخير سيستغل بند الضم، ليبدأ في مسار تشريعي لهذا الإجراء.

لكن خيار الضم يبقى احتمالا، قد يجد ما يعرقله ويلجمه في الأشهر المقبلة. ومن ذلك: انفجار الساحة الفلسطينية في وجه الاحتلال، في الضفة وقطاع غزة. وسيكون في خلفية هذا الانفجار اشتداد الخنق المالي، في أعقاب قيام الاحتلال بنهب أكثر من 10% من عائدات الضرائب الفلسطينية.

والجانب الآخر الذي من شأنه أن يشوّش عمل حكومة نتنياهو المفترضة، هو أن تبقى النيابة العامة الإسرائيلية عند موقفها القاضي بتقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو بشبهات فساد.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أغسطس 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية