تناولت عدة تحليلات صادرة عن معاهد أبحاث إسرائيلية ما تنطوي عليه نتائج الانتخابات للكنيست الـ 21 من انعكاسات على دور المواطنين العرب في إسرائيل.

وفي هذا الإطار قال معهد الأبحاث "ميتافيم" (مسارات)، "المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية"، ضمن "تقدير موقف" صادر عنه، إن تدني نسبة التصويت بين المواطنين العرب في إسرائيل في الانتخابات الأخيرة (من نحو 64% في انتخابات 2015 إلى نحو 50% في الانتخابات الأخيرة) ناجم عن أسباب عديدة ومختلفة حقاً، لكنه يعكس سيرورات عميقة آخذة في الاتساع في المجتمع العربي في مركزها عدم الاعتراف بالمؤسسة الإسرائيلية والرغبة في الانفصال عنها.

 

وأضاف: من المعروف أن رئيس الحكومة والفائز الأكبر في الانتخابات الأخيرة، بنيامين نتنياهو، يعمل بمنهجية واضحة لضرب شرعية مشاركة المواطنين العرب في اللعبة الديمقراطية الإسرائيلية، وقد حقق مبتغاه بدرجة غير قليلة. وهذه هي الرسالة المركزية التي التقطها المواطنون العرب. وليس هم فقط، بل إن أحزاباً معدودة على "الوسط" و"اليسار" قد وجدت حاجة إلى المجاهرة بأنها لن تجلس في ائتلاف حكومي مع الأحزاب العربية.

وهكذا أسفرت نتائج الانتخابات عن تكريس سلطة نتنياهو وحلفائه من أحزاب اليمين، الذين يعملون باستمرار وبكل قوة ضد مشاركة المواطنين العرب السياسية، الذين سنّوا "قانون القومية" والذين لا يعترفون بحقوق الأقلية القومية، وهو ما يدفع بالجمهور العربي للابتعاد عن الدولة ومؤسساتها، أكثر فأكثر. ومن المتوقع، إزاء هذا، أن يكثف المواطنون العرب بحثهم عن دوائر ومساحات انتماء أخرى وعن طرق أخرى، بديلة، للتأثير.

وبرأي هذا المعهد سوف يستمر البحث، وربما بقوة أكبر، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات التجارية أو منظمات المجتمع المدني/ الأهلي، عن علاقات وفرص كامنة ومحتملة في الفضاء العربي والإسلامي. ويتوقع اتساع وتعميق العلاقات بين المواطنين العرب في إسرائيل، من جهة، وبين السلطة الفلسطينية، الأردن، الدول الخليجية وحتى تركيا، ليس من خلال أعضاء الكنيست العرب وبواسطتهم، وإنما من خلفهم، من فوق رؤوسهم ومن خلال تجاوزهم.
ومن المتوقع أن يسعى المواطنون العرب في إسرائيل إلى تطوير العلاقات التجارية، الأكاديمية، السياحية والخدماتية مع دول الجوار، على حساب المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، بحيث تشكل الأولى بديلا وازنا عن الثانية.

أما أعضاء الكنيست العرب، فمن المتوقع أن تصبح مهمتهم مستحيلة، أو شبه مستحيلة على الأقل. بإمكانهم محاولة الانضمام إلى الجهود التي يبذلها نتنياهو لإقامة علاقات وتعميق أخرى مع دول عربية مختلفة، بل وبإمكانهم ربما تقديم مساعدة في هذا المجال، من خلال اشتراط ذلك بتحسين أوضاع المواطنين العرب في إسرائيل ومكانتهم. وإضافة إلى ذلك، ثمة مهمة أخرى تنتظر أعضاء الكنيست العرب، لا تقل أهمية ـ ترميم ثقة المواطنين العرب بهم، من موقعهم على مقاعد المعارضة وبقوة سياسية مقلّصة، أصغر حتى من تلك التي كانت بحوزتهم في الكنيست السابق.

ورأى "تقدير موقف" صادر عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" أنه بغض النظر عن النتائج النهائية للانتخابات، هناك نتيجة واحدة واضحة هي التراجع الكبير في نسبة التصويت في المجتمع العربي. ويمكن الافتراض بصورة قاطعة أن جزءاً من الناخبين العرب اختاروا عدم المشاركة في الانتخابات، وأن قرارهم هذا ناجم عن تشريع "قانون القومية"، وهو قانون أساس يعتبره الجمهور العربي، عن حق، قانوناً يُقصيهم ويُنكر حقهم في المساواة في المواطنة.

وأضاف المعهد: يجب القول إن "قانون القومية" ليس قانوناً تصريحياً بحتاً. وهو بالتأكيد يستطيع المس فعلاً بحقوق الأقليات في إسرائيل. لكن حتى لو افترضنا أنه على المستوى القانوني لن يمس بحقوق الفرد، وأن كل أهمية القانون هي على مستوى الرسالة والتصريحات، فإن للرسائل والتصريحات دلالات مهمة بالتأكيد عندما تكون على المستوى القانوني. وبالتأكيد عندما تكون على مستوى تعريف الدولة في قانون أساس مخصص ليُستخدم كمقدمة للتشريع. عندما يبعث قانون أساس كهذا إلى الأقلية رسالة إقصاء، تتعارض مع "وثيقة الاستقلال"، مفادها أن التعريف الصحيح والصائب لإسرائيل كدولة قومية يهودية لا يتناسب مع المساواة في الحقوق، وكدولة يعيش فيها مواطنون ليست هي دولتهم، فإن لهذه الرسالة دلالة صعبة ومؤلمة.

بناء على ذلك، فإن المفهوم الوحيد تقريباً الذي يحترم مواطنية العرب كمواطنية متساوية يتجلى في جوهر حقهم في المشاركة في انتخاب الكنيست. وليس من المفاجئ في مثل هذا الوضع أن يشعر جزء من الناخبين بعدم رغبتهم في المشاركة في اللعبة الديمقراطية التي هي ليست سوى واجهة ديمقراطية في نظرهم.

وعندما نضيف إلى ذلك الكلام القبيح الذي أحاط بهذه الانتخابات والقائل إن كل اعتماد على أصوات العرب، حتى كـ"كتلة مانعة" (وهذه ببساطة نتيجة محتملة للانتخابات وليست أمراً يجب إنشاؤه) أو تشكيل ائتلاف معهم هو أمر مرفوض، فإن ذلك رسالة عنصرية في جوهرها، كأن أصوات العرب لا تُحتسب أبداً في الحديث عن "الكتل" ولا يحتسبون في تعداد "حسم الأغلبية". وذلك في ارتباط مباشر بالشرعية التي منحها الخطاب الإسرائيلي لحزب "قوة يهودية" العنصري، بمباركة من رئيس الحكومة.

وأضاف: لا شك في أن جزءاً من الذين بادروا إلى طرح "قانون القومية" سيرون في ذلك نتيجة جيدة ومحمودة، وربما هناك من سيفرح برؤية العرب يقاطعون الانتخابات، ورؤية كنيست "نظيف" من العرب. وذلك ربما انطلاقاً من عدم فهم الانعكاسات التي لا لبس فيها لمثل هذا الوضع على تعريف إسرائيل كدولة ديمقراطية. إن الرد النهائي المضاد على كل الذي يشتمون إسرائيل ويطاردونها في العالم هو أن ما نتحدث عنه هو دولة ديمقراطية حيوية، تشارك الأقلية فيها في الانتخابات ولديها تمثيل جيد في البرلمان. وقيام وضع في المستقبل لا يوجد فيه تمثيل للعرب في الكنيست سيطرح علامة سؤال كبيرة، على الداخل وأيضاً على الخارج، هو هل إسرائيل دولة ديمقراطية حقيقية؟.

وخلص إلى القول إنه يجب الامتناع عن تعميق هذه الرسالة الإقصائية الناجمة عن "قانون القومية"، ويجب إلغاء القانون أو تعديله جذرياً بحيث يتضمن تعريفاً متوازناً ويوضح عدم وجود تعارض بين تعريف الدولة كدولة قومية وبين كونها دولة لجميع الأقليات التي تعيش فيها، مع المساواة المطلقة في الحقوق. وثمة إمكانية أُخرى هي تشريع "وثيقة الاستقلال" كقانون أساس، وكمقدمة للدستور.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أغسطس 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية