كشف تحقيق صحافي نشر في إسرائيل مؤخرا عن أن جهاز القضاء الإسرائيلي يراقب المواطنين، يرصدهم ويتعقبهم على شبكات التواصل الاجتماعي، يجمع "معلومات حساسة" عنهم ويخزّنها، في خرق واضح وفظ للقوانين ومن دون علم السلطات المختصة!

وأوضح التحقيق الصحافي، الذي نشره موقع "ميداه" اليميني الأسبوع الأخير (11/11) تحت عنوان "الأخ الأكبر: هكذا يتجسس الجهاز القضائي على المواطنين خلافاً للقانون"، أن "طاقما خاصا" تابعا لإدارة الجهاز القضائي الإسرائيلي (إدارة المحاكم الإسرائيلية) يتولى هذه المهمة التي تشكل خرقا ومخالفة لـ"قانون حماية الخصوصية" المعدّ لمنع تسرب معلومات شخصية وحساسة ونشرها على الملأ والذي يحدد عقوبة السجن لمدة خمس سنوات على ارتكاب هذه المخالفة.

وتعتبر مخالفة "قانون حماية الخصوصية" من بين "المخالفات الأكثر خطورة في كتاب القوانين الإسرائيلي"، كما ورد في راي استشاري قانوني أعده محاميان مختصان في هذا الشأن ونُشر في صحيفة "كالكاليست" مؤخرا. وتزداد خطورة هذه المخالفة في السياق الذي يعالجه التحقيق الصحافي هنا، إذ أن إدارة الجهاز القضائي تقوم بجمع معلومات عن المواطنين دون علمهم، من جهة، ولا تحرص على تسجيل هذه المعلومات في سجلات "بنوك المعلومات" المحفوظة لدى وزارة العدل، من جهة أخرى، وهو ما يشكل مخالفة واضحة للقانون المذكور.

ونقل الموقع المذكور عن إدارة المحاكم في إسرائيل تبريرها لما أسماه "شرطة الانترنت الشخصية" بأنها تبتغي من وراء ذلك "حماية القضاة من أية منشورات مسيئة" على شبكات التواصل الاجتماعي، لكنها رفضت الإفصاح عما إذا كان المستشار القانوني للحكومة قد صادق على مثل هذه الخطوة الخطيرة. وأضافت إدارة المحاكم الإسرائيلية في تبريرها لهذه الخطوة، كما نقل الموقع نفسه، أن "عملية مراقبة المواطنين وتعقب منشوراتهم تجري باسم الجمهور"!! وأنها تستهدف "حالات استثنائية جدا فقط" وليس "رصد معلومات"!

وأشار التحقيق الصحافي إلى أنه بالإضافة إلى هذا "النشاط" المثير للقلق حقا الذي تقوم به إدارة المحاكم الإسرائيلية، فقد وقع بين يديه أيضا "توثيق لمراسلات على مجموعة واتس أب خاصة" كان موضوعها "البحث في السبل المناسبة لشطب وإزالة منشورات نقدية ضد قضاة إسرائيليين"، غير أنه جرى "إغلاق هذه المجموعة على وجه السرعة، خشية تسرب مضمون الرسائل فيها ووصولها إلى الجمهور العام"!

وعُلم أن منظمة "لافي" هي التي أجرت هذا التحقيق الصحافي وقد قدمت شكوى رسمية إلى وزارة العدل طالبت من خلالها بالشروع في التحقيق ضد الجهاز القضائي على خلفية إنشاء وإدارة بنك معلومات بصورة مخالفة للقانون، ثم معاقبتها بالعقوبات التي ينص عليها القانون. ومنظمة "لافي" هذه هي جمعية مسجلة يمينية تعرّف نفسها بأنها "تكافح من أجل حقوق المواطن ومن أجل الإدارة السليمة في إسرائيل انطلاقا من رؤية صهيونية". وتفيد هذه المنظمة، على موقعها على الشبكة، بأنها "تقوم بمهماتها من خلال إجراء تحقيقات مميزة ومن خلال العمل بوسائل إعلامية وقانونية سعيا إلى تحقيق وتطبيق الرؤية الصهيونية في منظومات الحكم في إسرائيل".

قُضاة وموظفون فوق النقد!

ينطلق "مرسوم العمل والمراقبة لمعالجة منشورات مسيئة على الشبكة"، الذي دخل حيز التنفيذ قبل ثلاث سنوات تقريبا، من فرضية وجود "ظاهرة آخذة في الاتساع من نشر منشورات على شبكة الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي تتضمن تعابير مسيئة، مهينة، تحقيرية تمس بكرامة القضاة". وتفسر إدارة المحاكم الإسرائيلية هذا المرسوم بالقول إن "الحماية المضمونة لحرية التعبير ليست غير مشروطة وليست بلا حدود" في كل ما يتعلق بالنقد الموجه إلى القضاة وإلى العاملين في الجهاز القضائي!

استناداً إلى هذا المرسوم، شكلت إدارة المحاكم طاقما خاصا برئاسة المحامية ليئات يوسيم، مديرة دائرة المساعدة القضائية بين الدول، وخولته صلاحيات واسعة جدا، إذ يمنحه المرسوم حرية القرار الذاتي بشأن ما إذا كان منشور ما "يتجاوز حدود النقد الشرعي، المنضبط والموضوعي" وما إذا كان فيه "ما يمسّ بقدرة القاضي أو الموظف (في الجهاز القضائي) على تأدية وظيفته". لكنّ الطلب الذي قُدم إلى إدارة المحاكم لتوضيح "المعايير الموضوعية" التي يجري بموجبها فحص المنشورات والحكم عليها واعتبارها "شرعية أم لا" لم يحظ بأي ردّ.

ونوه التحقيق الصحافي إلى أن "المنشورات التشهيرية" تُعرض على القضاة، حتى لو كان ناشر النقد ماثلا إلى المحاكمة أمام القاضي نفسه، مما يعني المس الفظ بحق الشخص المعني في أن يُحكم بإجراء قضائي نزيه وعادل، إذ أن كشف المنشور أمام القاضي قد يدفعه إلى الحكم على الشخص نفسه بصورة منحازة. وهذا، ناهيك عن أن القرار بشأن اتخاذ أية إجراءات قضائية ضد الناشر العيني مرهون، أيضا، بـ"موقف القاضي"، وهو ما يعني منح القضاة المشتكين امتياز المشاركة في اتخاذ القرار بشأن اتخاذ الإجراءات ضد الأشخاص الذين ينتقدونهم.

يقضي المرسوم المذكور بأنه إذا ما رأت رئيسة الطاقم المذكور، يوسيم، أن مواطنا ما قد نشر منشورا "غير شرعي" بحق قاض ما، يتم فتح ملف خاص لذاك المواطن يجري فيه "الاحتفاظ بنسخة إلكترونية من المنشور". وإضافة إلى المنشور "الإشكالي" إياه، يشمل الملف أيضا التفاصيل التالية: الاسم الكامل للمواطن المعني، عنوان إقامته وعنوان بريده الإلكتروني، عناوين الخوادم وصفحات الانترنت التي صدرت منها المنشورات "الإشكالية"، مواعيد دخول المتصفحين إلى تلك الصفحات، أية إجراءات قضائية يكون الناشر طرفا فيها، بما في ذلك رقم الإجراء القضائي ونوعه. ومن ضمن الاعتبارات التي تؤخذ في الحسبان لإصدار القرار بشأن اتخاذ إجراءات بحق الناشر، يتم أيضا "فحص ما إذا كان قد ارتكب مخالفات إضافية أخرى ذات صلة" في الماضي! وهنا، رفضت إدارة المحاكم الإفصاح عن ماهية "المخالفات ذات الصلة" وكيف يجري تصنيفها وتحديدها.

بعد إعداد "الملف" ضد المواطن الذي انتقد قاضيا أو عاملا في جهاز القضاء في منشور على الشبكة العنكبوتية، يجري تسجيل هذا الملف في النظام المحوسب التابع للجهاز القضائي، ثم "تجري مراقبة كل ملف كهذا على حدة" ـ كما ينص المرسوم ـ وهو ما تقوم به، كما يبدو، شركة خارجية خاصة استأجرت إدارة المحاكم خدماتها في هذا المجال ولهذا الغرض. وقد أكدت شركة "بازيلا" الخاصة، فعلا، هذه المعلومة وأوضحت أنه "في إطار تعاقدنا مع إدارة المحاكم، نقوم بإجراء مسح عام لما يجري على الشبكة، بما في ذلك على المنتديات، المدونات، شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها".

ورفضت شركة "بازيلا"، كما إدارة المحاكم أيضا، الإفصاح عما إذا كانت الشركة تقوم بتعقب المواطنين وما إذا كان عاملو الشركة يوقعون على تعهدات بحفظ سرية المعلومات التي يحصلون عليها من خلال نشاطهم هذا. كما رفضت إدارة المحاكم، أيضا، الكشف عن المبلغ المالي الذي تدفعه لشركة "بازيلا" لقاء هذا العمل، وفق الاتفاقية الموقعة بين الطرفين.

تضارب مصالح ... مسؤول تحت التحقيق

يخول المرسوم المذكور المستشار القانوني لجهاز المحاكم الإسرائيلية، المحامي باراك ليزر، صلاحية اتخاذ القرار النهائي بشأن اتخاذ أية إجراءات قضائية ضد مواطن نشر نقدا للقضاة أو للعاملين في الجهاز القضائي. لكن الأدهى هنا أن ليزر يتمتع بهذه الصلاحية على الرغم من كونه مشتبها به بارتكاب سلسلة من المخالفات المتعلقة بتقديم مساعدات (معلومات) لأشخاص وجهوا النقد للقضاة على الشبكة العنكبوتية! وكان قد جرى التحقيق مع ليزر، في آذار 2017، للاشتباه بارتكابه أربع مخالفات: إخراج وثائق محفوظة؛ الغش وخيانة الأمانة؛ نشر اسم شخص كان ضحية لاعتداءات جنسية ومنع نشر معلومات عن مداولات قضائية سرية. كما جرى، خلال ذلك، البحث في حواسيبه الشخصية، في منزله وفي مكتبه، وكتب القاضي علاء مصاروة، قاضي محكمة الصلح في تل أبيب، في قراره إجازة التفتيش في حواسيب ليزر الشخصية: "ثمة شكوك قوية بأن ثمة علاقة بين المشتبه به (ليزر) وبين مشتبه بهم آخرين"!

لكن ليزر عاد إلى مزاولة مهام منصبه بانتظام بعد وقت قصير من انتهاء التحقيق معه. أي، أنه كان في حالة "تضارب مصالح مزدوج" طوال مدة قاربت السنتين، بحكم توليه منصب المستشار القانوني للمحاكم: فبينما واصل التمتع بصلاحية اتخاذ إجراءات قضائية بحق ناشري انتقادات ضد القضاة، من جهة أولى، كان مشتبها به باستغلال منصبه لتسريب معلومات للأشخاص المشتبه بأنهم نشروا تلك المعلومات المسيئة، من جهة ثانية. وإضافة إلى ذلك، كان ثمة "تضارب مصالح" آخر تمثل في كون ليزر "مؤتمنا على الدفاع عن القضاة" الذين كان من الممكن أن يتولوا النظر في قضيته لو تقرر تقديم لائحة اتهام بحقه.

وأفاد معدو التحقيق الصحافي بأن النيابة العامة للدولة أبلغتهم، ردا على توجههم إليها وإلى إدارة المحاكم، بأن ملف التحقيق ضد ليزر "لا يزال قيد الفحص لدى النيابة العامة ولم يُتخذ قرار نهائي بشأنه حتى الآن"! ثم وردهم من إدارة المحاكم، لاحقا، أن "القرار بشأن إعادة ليزر إلى عمله وإلى مزاولة مهام منصبه، رغم الغمامة الجنائية التي خيمت فوقه ورغم حالة تضارب المصالح التي تورط فيها، قد اتُخذ بموافقة الجهات المختصة وذات العلاقة"!

وفي وقت لاحق، نشرت صحيفة "مكور ريشون" أن النائب العام للدولة، شاي نيتسان، قد قرر إغلاق الملف ضد ليزر "لنقص الأدلة الكافية".

شخصيات رفيعة خارجية أيضا

يكشف التحقيق الصحافي، أيضا، أن إدارة المحاكم "جندت" شخصيات رفيعة من خارجها أيضا للعمل ضد مواطنين ينشرون نقدا للقضاة أو للعاملين في الجهاز القضائي، وهو ما أثبتته مراسلات مجموعة خاصة على الواتس أب أطلق عليها اسم "القاضي روبنشطاين"، من شهر تشرين الثاني 2016، جرى من خلالها التداول في كيفية العمل لشطب وإزالة منشورات مسيئة ضد قاضي المحكمة العليا السابق، إلياكيم روبنشطاين.

فقد شملت مجموعة الواتس أب المذكورة كلا من: نائب المدير العام لجهاز المحاكم لشؤون التخطيط والاستراتيجيات، ميخائيل شابيرا؛ المسؤولة من قبل جهاز المحاكم عن رصد ومعالجة المنشورات المسيئة، المحامية ليئات يوسيم؛ مدير الوحدة السبرانية في وزارة العدل، د. حاييم فيسمونسكي وغيرهم. ويتضح من خلال المراسلات في هذه المجموعة، والتي حصل عليها معدو التقرير، أن مسؤولين رفيعين جدا آخرين كانوا شركاء في هذه "المهمة"، بما فيها الاتصال مع "غوغل" و"فيسبوك" وغيرهما لإزالة منشورات مسيئة بحق القضاة. ومن بين هؤلاء، بل أبرزهم: النائب العام للدولة، شاي نيتسان، ورئيس قسم التحقيقات والاستخبارات في شرطة إسرائيل، الضابط ماني يتسحاقي.

وفي تشرين الثاني 2016، تقرر إغلاق مجموعة الواتس أب هذه خشية تسرب مضامين الرسائل فيها إلى جهات خارجية.

هذا وأعلنت منظمة "لافي" أنها تقدمت بشكوى رسمية إلى "سلطة حماية الخصوصية" التابعة لوزارة العدل (وهي الجسم الرسمي الموكل بتطبيق قانون "حماية الخصوصية") وطالبتها بالتحقيق في الموضوع واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق الجهات والشخصيات المتورطة فيه. وأفيد أن فحص الموضوع جار في هذه الأيام، ومن المنتظر إعلان نتائجه قريبا.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أكتوير 23, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية